اذا تحققت الغلبة لأنصار القوى ودعاة العنف, فإن البشرية سوف تتمرغ في أوحال الفقر والحروب, وتسير في دروب موحشة ومظلمة, مهما كانت درجة التقدم المادي الذي ستحرزه. أما اذا رجحت كفة رجال الفكر والعلم, فإن العالم سوف ينعم بمستقبل مشرق ترفرف عليه رايات الحق والعدالة.. فأي الطريقين سنختار ؟ اذا حكمنا من الظاهر, فإن الحكومات المنظورة ورجال السياسة وأصحاب القرار بشكل عام, هم الذين يقودون سفينة الحضارة ويتحكمون بمجريات الامور ويقررون مستقبل الأمة. ولكن هناك, من طرف ثان, قوى اخرى تؤثر بصورة غير مباشرة, وعلى المدى البعيد, في مصائر الشعوب وحياة الناس. ومن بين هذه القوى, قوة الفكر التي يمثلها العلماء والمفكرون والادباء. وهؤلاء يستطيعون ان يبتكروا الاختراعات التي يمكن ان تعود على البشرية بأعظم الفوائد, كما ان بوسعهم ان يبنوا عقول الاجيال ويخططوا للمستقبل ويرسموا الاستراتيجيات التي تستنير بها البشرية في مسيرتها الحضارية. وعندما تتوافر لهم سلطة اتخاذ القرار, تصلح حال الأمة وتسير حثيثا في دروب التقدم السريع. ولكن الفكر اذا تعرى من القيم النبيلة, تحول الى شر وانقلب الى عامل سلبي. وهنا يبرز دور الاخلاق التي ترتبط بالوجدان الفردي وضمير الانسان. وعندما يفتقر رجال العلم الى الفضيلة, تصبح أهدافهم هدامة, وتنقلب انجازاتهم الى أدوات للتخريب والتدمير, كما الحال بالنسبة للقنابل النووية التي تستطيع ان تبيد مدنا كاملة, وان تودي بحياة الملايين من الناس, وتدك المباني ومختلف مرافق الحياة ومنجزات الحضارة بلمح البصر. ومن هنا, فإن الفكر لا يشكل مصدر خير, الا اذا اقترن بالقيم الاخلاقية. ومن القوى الخيّرة الاخرى, قوة القانون التي تعين الحقوق والواجبات وتمنع التجاوزات والاعتداءات, وتحض على النظام وتساعد على استتباب الأمن وسيادة الاستقرار. وفي مقابل الفكر والاخلاق والقانون, هناك منطق القوة ولغة العنف. والذين يتبنون هذا المنطق وتلك اللغة, يتجاوزون القانون ولا يأبهون بالمعايير الانسانية والمبادىء السامية المعترف بها, ويمارسون الضغوط على كل من لا يسير في ركابهم ولا ينصاع لارادتهم. وهم لا يتورعون عن التهديد والتخويف والابتزاز, وحتى القتل والاغتيال, من أجل تحقيق مآربهم. ولكن علينا ان نلاحظ ان العنف في بعض الحالات يمكن ان يكون مبررا, عندما يُستخدم من أجل الدفاع عن النفس واستعادة الحقوق المهدورة. وهكذا لابد من اللجوء الى مقاييس عملية موثوقة للتفريق بين العنف العدواني الذي لا مسوغ له والعنف الدفاعي المبرر. وعلى كل حال, هناك من يعتقدون بأن الحوار يجب ان يبقى دائما الطريق المثالي لحل الخصومات وحسم النزاعات, لأن سبيل العنف طويل ومحفوف بالمخاطر, فضلا عن انه يولد عنفا مضادا, مما يؤدي الى تشكيل حلقة مفرغة من عنف لا نهاية له. ومع ذلك هناك ظروف لا يجد فيها الانسان أو الامة مندوحة من امتطاء صهوة العنف, اذا باءت جميع الوسائل الاخرى بالفشل. ولا ننسى ايضا قوة المال, والذين يملكونه يمكنهم تجنيد الرجال لصالحهم وشراء الاسلحة والسيطرة على الاسواق وممارسة الضغوط السياسية والاقتصادية, ولكنهم في الوقت نفسه يستطيعون مساعدة الفقراء وانتشالهم من وهدة البؤس, وكذلك تقديم الهبات والقروض الى الدول المحتاجة التي لا يسعها تنفيذ مشروعاتها الصناعية والانتاجية بدون الحصول على أموال خارجية. وهذا يعني ان الدول الغنية يمكن ان تستخدم أموالها, أما بصورة سلبية للهيمنة على غيرها من الشعوب, أو بطريقة ايجابية لمساعدتها على الانتعاش والوقوف على أقدامها وتنفيذ برامجها الانمائية. والسؤال الهام الذي يطرح نفسه هو: أيّ من الاتجاهات المذكورة آنفا, ونقصد بها الفكر والاخلاق والقانون والعنف والمال, يجب ان تسود حتى ترفرف السعادة على ربوع العالم ويتحقق له مستقبل أفضل؟ اذا انتصر العنف العدواني, سادت شريعة الغاب, وأصبح الحق سجينا في شرنقة القوة, وتراجعت سلطة القانون, واضمحلت القيم الاخلاقية, وبات الأقوى, لا الأصلح, هو المهيمن وصاحب الصولجان. واذا سيطر المال فإن الدول الغنية الكبرى ستهيمن على الدول الصغرى الفقيرة وتهمّشها وتبقيها في قاع الحياة. ولكن هذا الاحتمال يبقى على كل حال أقل خطرا من احتمال العنف, لأن هناك حالات كثيرة يقوم في ظلها الاغنياء بمد يد العون للفقراء بفعل النوازع الاخلاقية والانسانية. أما اذا كانت الغلبة للعقل النبيل المتأني, وللفكر المتعانق مع الاخلاق, فإن الأمور عندها ستسير في الطريق الصحيح, وسيعلو صوت الحق وتنتصر العدالة. ومع اننا ندعو دائما الى اقتران الفكر بالاخلاق, فإن هذا الاقتران كثيرا ما يتحقق بصورة آلية وتلقائية, الا في حالات شاذة واستثنائية. فالمفكر أو صاحب العقل المتزن, يفترض ان يكون أكثر أخلاقية من الجاهل, لأنه أعظم وعيا لنتائج الشر وعواقب العدوان, وأوسع ادراكا للأخطار الناجمة عن تنكّب جادة الصواب, وأشد التزاما بالمبادىء النبيلة, واحتراما لسلطة القانون. مجمل القول, ان مستقبل البشرية يتوقف على طبيعة الاتجاهات التي ستتحكم فيه. فاذا رجحت كفة العلماء وأصحاب القيم وأنصار القانون, شُـرِعت أمام البشرية أبواب التقدم وانبلجت أنوار العدالة, وانفسحت المجالات للقضاء على النزاعات ونيل كل ذي حق حقه, وانعدمت الحاجة الى التخاصم. أما اذا اشتد ساعد العنف العدواني وأصبح الوسيلة المفضلة لنيل المكاسب, فإن منافذ الحوار والنقاش والاحتكام سوف تغلق وستمرغ البشرية في أوحال الحضيض وتسير نحو مهاوي الشر ومزالق الانحراف. ان عالمنا المعاصر يغرق اليوم في كثير من المشكلات الاخلاقية التي تقود الى انعدام العدالة ونشوب النزاعات غير الضرورية, فالحق فيه للأقوى والأمم الضعيفة باتت في ظله تعيش على هامش الحياة, ومحرومة حتى من ضرورات العيش. والطريقة الممكنة على هذه المعادلة الفاشلة, ولاسيما بالنسبة لنا نحن العرب, الضعفاء في عالم القوة, ان نفسح المجال لتكريم الفكر وتمجيد العلم ووضع مقدرات الأمة العربية في أيدي العلماء والمفكرين, وبالتالي تنحية الجاهلين وابعادهم عن مراكز القوة والحل والربط واتخاذ القرار.. فالفكر النيّـر يقود في معظم الحالات الى الاخلاق الحميدة, وهذه بدورها توصلنا الى التعامل النبيل والاعتراف بحقوق الآخرين واحترام القانون.. وبذلك يصلح حال المجتمع ويتحقق لأمتنا مستقبل أكثر اشراقا.