انها مرحلة مختلفة... ربما شرق اوسط مختلف, ولكن من يضمن من في اكثر المناطق سخونة في هذا العالم والتي وصفها ديجول مرة بالقول(المنطقة التي لا نهايات فيها)هل تشهد نهايات القرن حدوداً للنهايات... ام انقلاباً على التوقعات ... سلام في الشرق الاوسط... ربما كان الاحتمال وارداً... وربما بقي هذا السلام صعباً... في ظل التفاؤل الحذر الذي تمر به مسيرة السلام في الشرق الاوسط, شهدت المنطقة مستجدات جديدة اقليماً ودولياً, اثر فوز ايهود باراك في الانتخابات الاسرائيلية وبعد تجليات انتهاء ازمة البلقان بالشكل الذي رسمته الولايات المتحدة الامريكية, وبدأت صورته تتضح على اكثر من مستوى كنمط اوسلو. هناك تحليلات واشارات متعددة بتعدد اصحابها وتوجهاتهم ومشاريعهم الفكرية والسياسية, ووفقاً للقناعات والرغبات المؤيدة منها للمسيرة السلمية او المعارضة لها, فان المتتبع لما نشر وبث في وسائل الاعلام المرئية او المقروءة او المسموعة يجد ان هناك اختلافات كبيرة بين تيار وآخر من مسألة السلام في المنطقة, ولكل فريق اسبابه وتبريراته انطلاقاً ايضاً من قناعاته وانتماءاته. وهذا امر واقعي في ظل الفرز القائم الان في النظرة حيال مستقبل المنطقة ومستقبل الصراع. ان التيار الاول يرى ان هذه المسيرة ستشهد تحركاً حقيقياً في المرحلة القادمة وان هناك بوادر مشجعة للتوصل الى سلام عادل وشامل في منطقة الشرق الاوسط, ويجد في سقوط المعسكر اليميني المتشدد في اسرائيل برئاسة نتانياهو, وفوز ايهود باراك مؤشراً جدياً على رغبة الاسرائيليين في السلام. كما ان للتصريحات المتبادلة بين مختلف الاطراف المتنازعة على تحقيق السلام, كتصريحات رئيس الحكومة الاسرائيلية الجديد باراك منذ تسلمه للسلطة امام الكنيست او في مؤتمراته الصحفية, ما يعكس رغبته في تحريك العملية السلمية وعلى جميع المسارات, وكذلك التصريحات الصادرة من دمشق وعلى اعلى المستويات, والمؤكدة للبدء في المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها في عهد حكومة رابين مؤشراً اخر على ذلك. وللاسرة الدولية والاقليمية والعربية منها او غيرها, وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية مصلحة مباشرة في انهاء الصراع العربي والاسرائيلي, وايجاد تسوية شاملة تحقق الامن والاستقرار لكافة دول المنطقة, فالادارة الامريكية عازمة على ذلك وتملك بيدها عناصر التحرك, وذلك لضمان مصالحها في المنطقة حيث تعب العالم من هذه المسألة. فمسألة الشرق الاوسط ليست كتجليات المسألة القبرصية, ولكنها تتصل بكل مفاصل الواقع السياسي والاقتصادي والامني الدولي وتعطل الاستراتيجية الامريكية في المنطقة في ظل العديد من المسائل العالقة مثل المسألة العراقية, وتطبيع العلاقة مع ايران. والمشكلة الكشميرية بين الهند وباكستان, كما الازمة مع ليبيا لها ايضاً انعكاساتها وتريد واشنطن ان تدخل الباب الواسع في اكثر من منطقة لان هناك تغييرات وتبدلات كبيرة سيشهدها الشرق الاوسط قبل وبعد التسوية, لانه يمثل الحد الفاصل بين مرحلتين مثلما كانت ولادة اسرائيل 48 فاصلاً بين مرحلتين, هكذا ترى بعض المصادر في المنطقة ان المرحلة القادمة تتطلب اخراجاً جديداً. وفي نظر بعض المراقبين ان العد العكسي لاستئناف المفاوضات اصبح ممكناً بين اطراف الصراع العربي ـ الاسرائيلي وان السلام الشامل اصبح رغبة مشتركة لكافة الاطراف المتنازعة ويحظى بتأييد دولي وعربي, وبالتالي فان العملية السلمية ستشهد تحركاً سريعاً في المرحلة القادمة, وان جهوداً امريكية وعربية ودولية ستبذل لتذليل الصعوبات والعقبات التي ستواجه سير المفاوضات عند انطلاقاتها في المستقبل, وفي هذا الاطار تأتي زيارة الرئيس المصري للولايات المتحدة الامريكية وفرنسا, واستقباله لرئيس الحكومة الاسرائيلية في الاسكندرية, ولقاء باراك بعرفات عند معبر ايريتز والملك عبدالله بن الحسين في العقبة, ومباحثاته مع كلينتون في الولايات المتحدة لتفعيل تحريك مسيرة السلام في الشرق الاوسط. فتصريحات ايهود باراك اكد فيها رغبته في التوصل الى حل سلمي مع العرب وعلى جميع المسارات, كما ان الاشارات التي صدرت من دمشق ومن اعلى المستويات, كانت واضحة ومؤيدة لانطلاقة المفاوضات. المصادر المراقبة في بيروت ترى ان تهدئة الوضع على المسار اللبناني بعد التصعيد الاخير الذي استهدف ضرب المنشآت الحيوية في العاصمة كرد على ضربات المقاومة اللبنانية, وموافقة الحكومة الاسرائيلية الجديدة برئاسة باراك على حضور اجتماعات لجنة تفاهم ابريل برهان ومؤشر على رغبة الحكومة الاسرائيلية الجديدة تحريك مسار السلام على الجانب اللبناني, بعد ان رفضت الحكومة السابقة حضور اجتماعات اللجنة واعتبرها وزير الدفاع الاسرائيلي في حكومة نتانياهو كأنها لم تكن وانها لا تساوي قيمة الورق الذي كتبت عليه. كل تلك الاشارات السابقة تصب في الاتجاه نحو تسريع عملية السلام, فأطراف الصراع كلها قد سئمت من استمرار حالة الحرب بما في ذلك الطرف الاسرائيلي وهو الطرف الاكثر تفوقاً في المجال العسكري والاقتصادي وحتى السياسي, وسيطرته على الاراضي العربية في الجولان وجنوب لبنان, وامتلاكه للاسلحة الامريكية المتطورة, والاسلحة النووية, الا انه لم يتمكن من تحقيق هدفه في جنوب لبنان والخاص بالقضاء على المقاومة اللبنانية, وتكبدت قواته خسائر فادحة خلال السنوات الماضية, باعتراف اسرائيل نفسها, وتعرض جيشها الى ضربات موجعة ألحقت اصابات مباشرة ببعض قادة وجنود وحداته الخاصة. كما تعرضت اهم مستعمراتها الشمالية الى ضرب المقاومة لها بالكاتيوشا, مما ألحق اضراراً بشرية ومادية واصيب سكان تلك المستوطنات بالرعب الذي يصيب سكان المناطق الجنوبية في لبنان, وسكان بيروت في الاعتداءات الاخيرة سواء بسواء... لذلك تأتي رغبة اسرائيل والاطراف العربية في تحريك عملية السلام لانهاء الحالة القائمة وللتوصل الى حل سلمي يحقق لكافة الاطراف الامن والسلام. وبالرغم من كل تلك التفاؤلات والاشارات التي صدرت عن المسؤولين الاسرائيليين والعرب في الرغبة بالسلام, لكن تبقى هناك عقبات كبيرة تعترض انطلاقة المسيرة السلمية, فاختلاف التفسيرات حول قضايا مهمة بين طرفي النزاع كالانسحاب الاسرائيلي من هضبة الجولان السورية حتى خط الحدود الدولية, وتطبيق القرار 425 الخاص بالانسحاب من جنوب لبنان, وتنفيذ الاتفاقات الدولية الموقعة مع الجانب الفلسطيني, والتوصل الى الحل النهائي كما يرى الطرف العربي, وهو الارض مقابل السلام. فسلام الشجعان على لسان مسؤول عربي هو غير سلام الشجعان على لسان رئيس الحكومة الاسرائيلية الجديدة باراك كما قال امام الكنيست, يرغب في تحقيق سلام الشجعان بمواصفاته هو اي انجاز النصر التاريخي الاخير للصهيونية. ان ثمة مشكلات اخرى ذات ارتباط وثيق بأزمة الشرق الاوسط, تعترض حتى الان جهود الولايات المتحدة الامريكية في تحقيق السلام في المنطقة, حيث ان مستلزمات التسوية يلزمها حل ملفات كبيرة ومعقدة لها انعكاساتها على المسار السلمي, وترغب واشنطن بايجاد الحلول لها فعلاً. ومن تلك الملفات ملف المسألة العراقية, وتطبيع العلاقة مع ايران (خاتمي) لتداخلاته مع المسألة العراقية. والرغبة في مشاركة ايران في لعب دور ايجابي في التسوية السلمية او في شكل النظام الذي تحضر له الولايات المتحدة الامريكية في العراق, وكذلك تشجيع التيار الاصلاحي في ايران وانجاحه في صراعه مع المحافظين. ومن الملفات العالقة في المنطقة ولها تأثيرها على قضايا المنطقة والمسيرة السلمية ايضاً الازمة مع ليبيا على خلفية لوكيربي, ومشكلة كشمير بين الهند وباكستان التي دخلت واشنطن على خطها بقوة. هل تستطيع واشنطن حمل اطراف الصراع في المنطقة على توقيع اتفاقيات سلام خلال المرحلة المتبقية من حكم الرئيس بيل كلينتون وايجاد تسوية شاملة في المنطقة؟؟... والسؤال هل تتمكن الولايات المتحدة من دفع الاطراف لاستئناف المفاوضات؟... انه الانجاز الاهم!... * كاتب من الامارات