يستحق موضوع ثقافة السلام الذي يجري الحديث عنه, وقفة هادئة من الجانب العربي, خاصة بعد ان قررت الامم المتحدة اعتبار عام 2000 عاما لثقافة السلام في محاولة منها الى طرح وتداول الموضوع وتناول جوانبه المختلفة. ورغم ان طرح موضوع ثقافة السلام في ظروفه وفي بعض محتوياته له غايات سياسية تتصل بالعرب خصوصا , فانه من المفيد محاولة الوقوف عند مختصر للمفهوم من ناحية ثقافية معرفية بحتة, وفي اطارها يمكن القول ان ثقافة السلام, تتضمن كل نشاط ثقافي ابداعي, تصب حيثياته ثم نتائجه في اتجاه تعزيز العلاقات الانسانية, ونبذ الكراهية والعدوان والحروب وفي ان تؤدي تلك الانشطة والنتاجات بما فيها من ادب وفكر وفن الى تعاون بين الشعوب والدول والحضارات من اجل عيش مشترك, وتقدم مضطرد لانسان العالم الراهن, ومن اجل شروط احسن لانسان المستقبل. واذا دققنا في خلاصة هذا المفهوم لثقافة السلام واهدافها وارفقنا التدقيق بنظرة شاملة الى الواقع العربي بما فيه من معطيات ووقائع, فقد يكون من البداهة القول عندها, ان العرب هم بين احوج شعوب العالم الى السلام وثقافته, والتي يمكن اختصارا ان تعيد نظم علاقاتهم مع شعوب العالم من جهة, وان تؤدي الى اعادة ترتيب مواقعهم في اطار العالم عند بوابة القرن الجديد من جهة ثانية. وحيث ان الحديث عن ثقافة السلام يقودنا الى مقاربة الواقع العربي, وتلمس ما اتصل من مشكلاته بموضوع السلام وثقافته, فإن الاهم في تلك المشكلات يتمثل في جوهر العلاقات القائمة بين العرب والخارج, والذي يعني حصراً الطرف المؤثر في الواقع العربي واكثر ماهو فاعل فيه طرفان هما الولايات المتحدة واسرائيل. والسمة الاساسية للعلاقات التي يتابعها الخارج مع العرب تتمثل في سياسة الاخضاع وهي سياسة تتداخل فيها القوة العسكرية مع اجراءات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية على نحو ما تفعل اسرائيل مع العرب وخصوصا مع الفلسطينيين ومع اللبنانيين في الجنوب ومع السوريين في مرتفعات الجولان المحتلة. وتتوافق سياسة الاوضاع بالقوة ومرفقاتها التي تمارسها اسرائيل مع العرب مع مثيلتها الامريكية ــ البريطانية ضد العراق, ومع الممارسات الامريكية ضد كل من السودان وليبيا وهي غالبا ما تساهم فيها دول في انحاء مختلفة من العالم مرتبطة بالاستراتيجية والسياسة الامريكية في المنطقة. وباستثناء سياسة الاخضاع الخارجي المتعددة الرؤوس الموجهة الى العرب ودولهم, فان ثمة سياسة ثقافية, يجري متابعتها من جانب الغرب الاوروبي ــ الامريكي واسرائىل اساسها اضطهاد الثقافة العربية, وجعلها في مرتبة دنيا في ثقافات العالم المعاصر, بل ان تلك السياسة في نظرتها المتعسفة الى الثقافة العربية تمتد الى الماضي, والى تلك الفترات التي تركت فيها الثقافة العربية بصماتها الواضحة في تطور الحياة الانسانية, يوم كانت الثقافات الأخرى في ادنى المستويات. وتترافق سياسة الاخضاع والسياسة الثقافية مع نهج يحاول الغرب الاوروبي ــ الامريكي واسرائيل تكريسه باعتبار السلام عدوا ليس للغرب وحضارته فقط وانما للعالم كله, ورغم ان العرب ليسوا كل الاسلام في العالم, فان الاساس في تلك المقولة انها تقصد العرب, اكثر من غيرهم من المسلمين الآخرين, وقد يكون السبب في ذلك اعتبارين اساسيين, الاول منهما ان العرب حضاريا وثقافيا هم النواة الاساسية للاسلام, والثاني ان السياسة الغربية تركز ولاسباب استراتيجية سياسية واقتصادية على المنطقة العربية, وهي تسعى للاحاطة بها, ووضعها تحت اليد. ان وقائع كهذه تجعل من العرب اصحاب مصلحة ملحة وماسة الى السلام وثقافة السلام, لكن الامر في ذلك ليس محكوما برغباتهم وارادتهم, بل برغبة وارادة الدول التي تضع استراتيجيات الاخضاع ضد العرب, والتي تنفذ سياسات طابعها العنف المكشوف في اغلب الاحيان والمستور في احيان اخرى, وفي كل الاحوال, فان الموجه الاساسي للاستراتيجيات والسياسات التي تستهدف العرب هو ثقافة العنف والتطرف والعنصرية, وهي ثقافة سائدة وبخاصة في الولايات المتحدة واسرائىل, وفي الاثنتين يأخذ العنف والتطرف والعنصرية بعدا مؤسساتيا منظما, اضافة الى بعده الاجتماعي والثقافي الملموس. ويتطلب موضوع جعل ثقافة السلام محور نشاط دولي في العام 2000 على نحو ما تسعى الامم المتحدة التوجه الى البؤر التي تنتج ثقافة العنف والتطرف والعنصرية, قبل التوجه الى البؤر التي تكون موضوعا للعنف وضحية له, وان يكن مطلوباً في الحالتين اجراء تبدلات جذرية من أجل السلام وثقافة السلام على صعيد العالم كله. والطريق الى السلام وثقافة السلام كلاهما يبدأ من نقطة اساسية تتمثل في التوقف عن تقسيم العالم الى معسكرات من الاصدقاء والاعداء, واعادة الاعتبار الى وحدته الانسانية, وفي انهاء سياسات الاخضاع والاجبار التي تتم ممارستها ضد الدول والشعوب من قبل الاقوياء والمتحكمين في العالم, ولاسيما وقف هجمات القوة المسلحة التي صارت بين مزايا النظام الدولي الجديد القائم على زعامة القطب الواحد. والمفصل الاخر في الطريق الى السلام وثقافته, يتأكد في التوقف عند القضايا والموضوعات المختلف عليها والتي كانت سببا في سيادة نزعة القوة وممارسة العنف والتهديد بها, والتفاهم عليها بما يضمن الحق والعدل, وكلاهما الاساس في اي سلام واية ثقافة تمهد له وتجعله قائما بالفعل والواقع, وينبغي تجاوز التفاهم حول القضايا والموضوعات إلى وضع آليات واطر عملية لحل القضايا العالقة, والبدء في تنفيذ الحلول. ومما لاشك فيه ان دخول طريق السلام وجعله مزية السياسة الدولية المعاصرة, يقدم خدمة لا حدود لها لثقافة السلام, اذ هو يعطي الآمال إلى الامم والشعوب والدول الضعيفة, ويمهد لانتقالها من التعبئة لمواجهة سياسات العنف والاكراه والاخضاع الممارس ضدها إلى التعبئة من اجل الحق والعدالة والسلام, وبذلك تكتمل حلقة السعي إلى ثقافة السلام وإلى مجتمع السلام الانساني, ويكون العرب, بل وكل العالم من الرابحين. غير ان خطوات وتحولات بهذا الاتجاه لا تبدو سهلة في ظل الارث الثقيل من ثقافة العنف والتطرف والعنصرية, وفي ظل الموروث من استخدام القوة, ومن تقسيم العالم إلى اصدقاء واعداء, ولعل في اعلان عام 2000 عاما لثقافة السلام فاتحة لتحقيق تقدم شريطة ألا تكون المبادرة موظفة لخدمة توجهات سياسية ــ ايديولوجية للغرب الامريكي واسرائيل على نحو ما اعتاد العالم من توظيف الاطروحات والمبادرات ومنها حقوق الانسان والحريات والشرعية الدولية, والتي سرعان ما تتعطل عندما تلامس الواقع العربي.