لم تكن ظاهرة الرئيس خاتمي ظاهرة معزولة عن تحولات عميقة تمس المجتمع الايراني فالجيل الذي قاد مظاهرات الايام الماضية هو جيل ولد بعد الثورة ولم يعاصر شيئا يذكر من الزمن السابق, فهو جيل بدأ يرى الواقع المحيط به من منطلق الحاجة لمزيد من الحرية ولمزيد من المساحة التي هي ذات المساحة الممنوحة لاقرانه في مجتمعات اسلامية وعالمية اخرى ولكن الخلاف في ايران على اتجاه البلاد مازال بين قوتين رئيسيتين, قوة تسعى للانفتاح والتغيير في علاقات ايران العالمية والاقليمية وذلك انطلاقا من ضرورة التأقلم مع المتغيرات العالمية, وقوة اخرى ترى عكس ذلك ولاتزال على مواقفها ومواقعها المتمسكة بمبادىء الثورة على الصعيد الداخلي والخارجي. ولقد اكدت احداث الايام الماضية ان الاصلاح في نظام من النمط الايراني الاسلامي يشكل بحد ذاته تحديا كبيرا. فمهمة الرئيس خاتمي صعبة للغاية. فان مارس الاصلاح على عجالة ستقع بطبيعة الحال معارضة كبيرة من قبل القوى المحافظة, ويتحول الوضع نحو الفوضى والتشدد, وان تحرك خاتمي ببطيء شديد فسوف تثور القوى المؤيدة للاصلاح وتحتج كما حصل في الايام القليلة الماضية. ان ابقاء التوازن بين الاصلاح والتغيير من جهة وبين النظام ومصالح الفئات كلها امر في غاية الصعوبة والدقة, وستبقى هذه المسألة اساس المهمة الصعبة التي تواجه الرئيس خاتمي في المرحلة المقبلة. ومهما بدا لنا الصراع بين القوتين الرئيسيتين في ايران محموما وبلا نهاية واضحة, الا ان ايران في حقيقة الامر تتحول كل يوم بعيدا عن الثورة التي صنعتها قبل عشرين عاما. فهناك في ايران حوارات فكرية عميقة ونقاشات ذات ابعاد تتجاوز ايران بل تمس عالم الاسلام, في مجال التفسير وفي مجال تطبيق الاسلام. في ايران تقع اليوم نقاشات حول حرية المعتقد وحرية الكلمة, وفيها يناقش الفارق الكبير بين مبدأ الدين والفقه وبين مصلحة المسلم او مصلحة الجماعة او مصلحة الامة, مما يجيز تعطيل نص من النصوص لفترة مؤقتة حرصا على المصلحة. في كل هذا تفرز ايران مفكرين اصلاحيين في مجال الثقافة, وتفرز الطلبة واحتجاجاتهم, وتفرز خاتمي في العمل السياسي الحكومي. وفي غمرة سياسة الاصلاح تبنت ايران من خلال اصلاحات الرئيس خاتمي مسألتين رئيسيتين تشكلان سويا اهم جوانب الاصلاح فيها. فاولا تبنت قضية المجتمع المدني بابعادها الاجتماعية والثقافية والسياسة وفي هذا المجال نبع الكثير من الجمعيات والمنظمات والاتجاهات المستقلة عن الدولة والموجهة من قبل قوى سياسية واجتماعية متعددة الاتجاهات, بل كان هذا الجانب هو المسؤول اساسا عن انتخاب خاتمي, وقد ارتبط بحركة احتجاج الطلبة الاخيرة. ولكن من جهة اخرى جاء خاتمي الى الحكم ليطبق مبدأ سيادة القانون على الجميع وليطبق بنفس الوقت حدود وسيطرة الدولة على المجتمع. وفي التجربة الايرانية الآن ما يؤكد بأن الدعوة الى تطبيق القانون على الجميع والدعوة الى المجتمع المدني تفرض على فئات المجتمع نمطاً من الالتزام لصالح القانون اذ يصبح القانون هو الاساس, لا سيطرة ميليشيات مسلحة او اجهزة خارجة عن القانون تطبق ما تعتقد انه الدين والسلوك الاسلامي. ان الطريق نحو الاصلاح طويل في ايران, والتحديات التي تواجه هذا المنهج سوف تستمر بين المد والجزر وبين المواجهة والمهادنة. ولكن طريق الاصلاح الايراني هام للمجتمعات العربية والاسلامية التي تبحث عن حريات شبيهة وعن مجتمع مدني وعن علاقة متوازنة وصحية, بين الماضي والحاضر وبين الدين والدولة وبين حقوق الفرد وحقوق الجماعة. في كل هذا فإن التجربة الايرانية تستحق منا الكثير من الاهتمام والتفاعل والمتابعة... بل ستشكل الانتخابات البرلمانية المقبلة في فبراير نقطة تحول هامة, اما باتجاه الاصلاح ام باتجاه معاكس. لقد بدأت رياح التغيير تهب على ايران, والرياح التي هبت على ايران في الايام القليلة الماضية مقدمة لمزيد من التحول وذلك لصالح مزيد من الاصلاحات الداخلية والحريات السياسية والاجتماعية.