قبل مدة نشرت في(البيان)موضوعا في اربع حلقات بعنوان (الشخصانية في تاريخ الامة) , خلاصتها ان عبادة الملوك وتمجيدهم ضاربة في تاريخ وماضي الامة الشرقية, منذ ان عرفت الامة الادوار المتعاظمة للملوك الذين كانوا يتصرفون في مصائر الشعوب ويتحكمون في احداث الكون . وهذه المعاني التمجيدية ترسخت في نفوس الشرقيين وتأصلت في ارواحهم, ولم تتحطم الا باعلان رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين رضي الله عنهم ان المستحق للتمجيد والتسبيح هو الله تعالى, وان الحاكمين ماهم الا رعاة لمصالح الشعوب وحماة لحقوق الرعايا. وفي العصر الحديث ساهم الاعلام بصورة فعالة في تضخيم وتعظيم دور الحاكمين, وان كانت ادوارهم الحقيقية سيئة تعد عارا على الامة, ونقاطا سوداء في صفحات التاريخ التي سوف تكتشف الامة حقيقتها يوما ما, وهذه سنة الحياة وطبيعة التاريخ. واعتقادي الدائم ان حركة التاريخ تيار مستمر لا يتوقف ولايبرز فيه الا القادة الصالحون, المبدعون, المخلصون الذين قاموا بدور الحق القاضي على الباطل مهما كانت عقائدهم ومللهم, المهم انهم قدموا لامتهم وشعوبهم ما كانوا يأملون ويرغبون من حرية واستقلال وتفرد في العالمين. وفي تاريخ الامم المعاصر والحديث برز زعماء وزال زعماء وانتهى زعماء ولم يبق من هؤلاء في ذاكرة التاريخ الحسنة سوى المخلصين ومانديلا واحد منهم. فقد ظهرت على هذا الرجل مخايل الزعامة منذ ان دخل السجن قبل اكثر من 27 عاما, فالصبر على مظالم العنصرية والمطالبة بالتخلص من مجاهل العبودية كانتا اكبر مخايل الزعامة عند مانديلا. ويمكن ان يكون هذا الرجل بعد توليه السلطة قد واجه بعض المشاكل الاجتماعية والاقتصادية في جنوب افريقيا, الا انه ورث تركة كبيرة خلفها الاستعمار والعنصرية على مدى مئات السنين, ويكفي هذا الرجل فخرا انه خلص بلده وشعبه من ظلم الرجل الابيض وتعنته, وسجل في وثائق التاريخ ان الزعامة هي اخلاص في خدمة الشعوب, وصدق في المطالبة بحقوقها. في هذا العصر اعتقد البعض ان الزعامة والقيادة والمسؤولية هي هرولة في تحقيق المصالح الذاتية, وقد احسن الدكتور عتيق جكة عندما تكلم عن هرولة البعض لتولي المناصب والبقاء على المراكز مهما كلف الثمن وطال الزمن. والغريب انه حتى بعض الانظمة الجمهورية في عالمنا الحديث والمعاصر تخلت عن تداول السلطة وتغير الحاكمين, على الرغم من ان هذا هو احد خصائص الانظمة الجمهورية المعاصرة. والمقولة الشائعة ان هذا هو الموجود وهو الافضل غير صحيحة, لان النساء لم يعقمن ان يلدن الحاكمين الجديرين والفاضلين. وفي حلقتين عرضتهما قناة الجزيرة عن حياة الزعيم مانديلا واحدة بعنوان : جنوب افريقيا تحت المجهر, والثانية: افريقيا تحيي مانديلا, عرض لسيرة مانديلا بصورة موضوعية, وبينتا كيفية معاناة هذا الرجل في سبيل المطالبة بالحرية وما هو دوره في الزعامة التاريخية المعاصرة, ومع ان جنوب افريقيا تعاني من مشاكل الفقر والامية والامراض والايدز وغيرها, الا انها في الوقت نفسه ارتفعت من مهاوي العنصرية, وارتقت الى مصاف المساواة والعدالة, وانتصفت للمظلومين, وانتصرت على مبادىء الظلم والتفرقة. وقد اتضح ان افريقيا كلها من جنوبها الى شمالها ومن شرقها الى غربها تنبض بنبض مانديلا, تغني له, تحبه, توده, تعتبره زعيمها الاوحد, والمناضل الاكبر في سبيل الحرية. لدرجة ترى أناسا بعيدين كل البعد عن التعليم يشعرون ان مانديلا أنشودتهم واغنيتهم الخالدة. اعتبر هؤلاء الناس مانديلا حلم افريقيا ومسطر تاريخ الرجل الاسود الحديث والمعاصر, وهو اسطورة الزمان المعاصر ورجل الساعة المناضل. ويشعرون بالفخر انه زعيمهم على الرغم من ان شعوب الدول الافريقية لها زعماء ورؤساء الا ان الشعب الافريقي لا يفتخر بهم لانهم لم يناضلوا في سبيل تحقيق مصالح أمتهم, ولم يعانوا كما عانى مانديلا. هكذا أعلن هؤلاء البسطاء من اثيوبيا الى السنغال ان مانديلا زعيمهم, اذن ان الشعوب واعية لحاضرها وتاريخها وزمانها. ولكن هل استحق مانديلا التربع على كرسي الزعامة التاريخية لافريقيا لانه استغل مكانته لتحقيق مصالحه الخاصة وتنفيذ رغباته الذاتية على حساب شعبه وأمته؟ وهل سخر زعامته لتحقيق حصوله على لقب الرئيس, ودرء غيره عن منافسته على هذا اللقب؟ وهل اعتبر نفسه وحيد زمانه وفريد عصره في القيادة والريادة؟ لا, فكل هذه الاتهامات لا تنطبق على مانديلا أبدا, كما أعلن شعب افريقيا نفسه. لقد كان مانديلا نموذجا افريقيا, معاصرا فريدا لانه أحس بنبضات شعبه وشعر بأحساسيس أمته فعمل على رعايتها والمحافظة عليها. ومع كل ما حققه مانديلا الا انه ترك الرئاسة لجيل جديد ليدير البلاد بصورة قد تختلف عما كانت عليه البلاد في أيام مانديلا. وعندما رأى الشعب الافريقي ان مناضله وقائده ليس متمسكا بالزعامة الابدية والقيادة الدائمة, كبر في عينيه هذا الزعيم, ولهذا لم تنطبق معاني التفرد والتمجيد التي عانت منها بلاد الشرق في فترات مختلفة من تاريخها القديم والحديث, على شعب افريقيا الجنوبية وزعيمه الكبير. أعتقد ان مانديلا ضرب مثالا رائعا للزعامة الواعية لدورها الزمني الذي ينتهي في فترة زمنية محددة, فهي غير متصلة بالوحي, وليست نائبة عن الاله كما ادعى الملوك الشرقيون السابقون, وكما يدعي الاعلام المعاصر الآن. ان الشعب في جنوب افريقيا سيبقى وسيستمر وسيناضل بعد أن ترك مانديلا الحكم, أي ان شعبه لم ينته ولم يفقد حيويته ولم تخب شعلة نضاله ولم تنطفئ جذوة جهاده, أي ان الأمة لم تربط مصيرها بشخص واحد ملهم. ونتمنى أن يقف الشعب الافريقي الآن وراء رئيسه الجديد ينتظر منه مواصلة مسيرة تحقيق الطموحات والتخلص من آثار الظلم والفساد والانحلال الأخلاقي والطبقية العنصرية. إذن هل يصبح مانديلا مثلا فريدا لا يتكرر, وان كان التاريخ يعلمنا بأن من يقوم بمثل ما قام به هذا الرئيس هو المثل الصالح الذي يتذكره التاريخ بالخير والثناء؟ ومع اعتقادنا بحدوث أخطاء ووجود مشاكل في المجتمع الجنوب افريقي الا ان مانديلا سيبقى أحد عظماء التاريخ الحديث. * المستشار الثقافي لسمو ولي عهد ونائب حاكم رأس الخيمة