في ديسمبر 1998, كان احد سماسرة صحيفة وول ستريت يراقب ما يجرى على شاشة الكمبيوتر حين قرأ ان شركة Exxon العملاقة للبترول تدرس شراء منافستها العملاقة ايضا شركة Mobil, وقال لزميل بجانبه(يبدو اننا في غابة يأكل العمالقة فيها بعضهم). وفي اليوم نفسه ورد في نفس الصحيفة ان الشركة الفرنسيةTotal تخطط للاندماج مع شركة Petrofina البلجيكية في صفقة قيمتها 12 مليار دولار. كذلك اوردت الصحيفة خبر زفاف المصرف الالماني Deutch الى المصرف الامريكي الكبير Bankers Trust. وتمتم السمسار (يبدو اننا امام حمى جديدة من الاندماجات) . ولقد اطلقت تلك الموجة الجديدة من الاندماجات تعبيرات مثل (حمى الاندماجات) او (هوس الاندماجات) , لان ايقاع وحجم تلك الاندماجات لم يسبق له مثيل في تاريخ التطور الرأسمالي الحديث. ويلاحظ الحجم الهائل للصفقات, ناهيك عن عمليات الاندماج الرأسي والأفقي التي تتم. فصفقة الاندماج بين City Corporation (وهي من أكبر المؤسسات المالية في الولايات المتحدة الامريكية) وبين شركة Travelers (من اكبر مؤسسات النقل والسياحة) يجعل هناك نوعاً من الاندماج بين هذين النشاطين في إطار شركة جديدة عملاقة تصعب منافستها. ويمكن النظر الى (عمليات الاندماج) هذه بوصفها نوعا من الهروب الى الأمام في ظل تحديات العولمة, اذ يحاول بعض صانعي صفقات الاندماج الهروب من اتخاذ القرارات الحاسمة الخاصة بإجراء تنظيفات جراحية في الشركة المندمجة او تغيير في النظرة الاستراتيجية للمستقبل. واحيانا يكون هذا الاندماج لمصلحة سماسرة الصفقات الاندماجية, اكثر من كونه في مصلحة العاملين في الشركة المندمجة, او المستهلكين لسلعها وخدماتها. وهذا يؤدي بدوره الى تعميق درجة الاحتكار في الاسواق, مما يقوض ما سمي تاريخيا (سيادة المستهلك) . ولعل اخطر عمليات الاندماج هي التي تمت بين المؤسسات المالية والمصرفية الكبرى في العالم الصناعي. ويلاحظ ان حجم الاندماجات بين المؤسسات المالية عبر العالم بلغ 589 مليار دولار خلال الفترة 95 ــ 1997, مما يؤكد اهمية الدور المتصاعد لرأس المال المالي في قيادة عمليات التوسع والاندماج عبر الاقتصاد العالمي. وهذا يفرض بدوره تحديات هامة لمسيرة التنمية في الوطن العربي, لاسيما في ظل (مقررات دورة اورجواي) لمنظمة التجارة الدولية, وخاصة في ظل اتفاقية الخدمات المالية, التي تفتح اسواق المال العربية امام المصارف والشركات المالية العملاقة. الامر الذي يستدعي التأكيد على (الحق في التنمية المستقلة) , بمعنى حرية التحكم في توجهات عملية التراكم بعيدا عن مخططات الشركات الدولية الكبرى التي تنظر الى الاقتصاد العالمي كرقعة شطرنج كبيرة, على حد تعبير بريجنسكي. وذلك التحدي يقتضي تنشيط قطاع العمل الاقتصادي العربي المشترك, وتنسيق الخطط التنموية القطرية, والبرامج القطاعية, دون الارتكاز على مدخل (حرية التجارة) وحده على النحو الذي ساد في العديد من الدراسات حول التكامل الاقتصادي العربي. أزمة المشاركة تمثل قضية المشاركة لب قضية حقوق الانسان والتنمية, اذ ترتبط بالحياة الاقتصادية والاجتماعية, بقدر ما ترتبط بالحياة السياسية. ومن هنا شهد مصطلح التنمية منذ التسعينات تطورا مهما وضع عملية المشاركة في قلب العملية التنموية, بدءا من مصطلح (التنمية المشاركة) الى (التنمية البشرية) , بمعنى ان تشكل الاعتبارات المعنوية جزء من التنمية. وهناك تعريفات عديدة ومتنوعة للمشاركة, لكن يمكن تصنيفها في نوعين يغلب على احدهما الجانب الجزئي في عمليات المشاركة, فيما يغلب على الآخر الطابع الكلي, ويعني الاول ان يشارك المواطنون في مجال جزئي صغير من الحياة (مشاركة جزئية Micro) مثل مشاركة الجمعيات الاهلية في النهوض ببعض اوجه العمل الاجتماعي. ويعني الثاني مشاركة المواطنين في ادارة حياتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية من خلال مشاركة (كلية Macro), كمشاركة الاحزاب في العمل السياسي للحصول على نصيب في السلطة ومؤسساتها من خلال التنافس على مقاعد البرلمان. ويذهب بعض الباحثين الى الحديث عن مستوى ثالث وسيط بين هذين المستويين يأخذ شكل المنظمات النقابية كالنقابات المهنية والعمالية. وتثور تساؤلات حول العلاقة بين هذه المستويات الثلاثة من المشاركة, فتذهب آراء للفصل بينها, واخرى للدمج بينها, لكنها في الواقع تتبادل التأثير. كما تثور تساؤلات حول علاقة المشاركة بالديمقراطية, وهل يمكن تصور وجود مشاركة بدون ديمقراطية وتذهب آراء الى ان الديمقراطية والمشاركة مترابطتان ترابطا وثيقا, لكنه ليس مطلقا, ومن ثم يمكن ان تكون هناك مشاركة من غير ديمقراطية, او ديمقراطية بغير مشاركة بالمعنى النسبي في جميع الحالات, لانه ليست هناك حالة مطلقة. وتتوصل هذه الآراء الى ان الديمقراطية ليست الاطار الوحيد للمشاركة, ولكنها شرط اساسي لاتساع عملية المشاركة, وان الارتباط بين الديمقراطية والمشاركة ارتباط نطاق, وان الديمقراطية تفتح الباب للمشاركة ولكنها لا تضمنها, وهي بذلك شرط ضروري ولكنه غير وحيد للمشاركة. وتواجه قضية المشاركة على مستوييها الكلي والجزئي عقبات عديدة على الساحة العربية, بعضها قانوني وبعضها سياسي وبعضها اجتماعي ــ ثقافي, ولا تكاد تختلف في ذلك النظم الملكية او الجمهورية, الراديكالية او المحافظة, فالحق في المشاركة يواجه فيها جميعا عددا من القيود بدرجات متفاوتة. ورغم ان حركة الاصلاحات الدستورية والقانونية التي انطلقت في الربع الاخير من الثمانينات وطالت اكثر من نصف دساتير البلدان العربية, والقوانين المنظمة للحريات العامة ومباشرة الحقوق السياسية, قد قضت من الناحية القانونية على نظام الحزب الواحد الذي كان يسود العديد من البلدان العربية, واطلقت التعددية السياسية. الا ان هذا النظام قد يبقى قائما من الناحية العملية, وتستمر الاحزاب الحاكمة تهيمن على المجالس النيابية والبلدية في هذه البلدان بنسب تقترب من الاجماع. وتفضي مجمل الممارسة الى اقصاء وتهميش العديد من الفئات الاجتماعية والسياسية, تأتي في مقدمتها المرأة التي تواجه, فضلا عن المردود السلبي العام لإعمال الحق في المشاركة, التحدي على جبهتين: تردد الدولة, وانحيازات المجتمع وأدى ذلك الى تهميش كبير لدور المرأة في الحياة السياسية حتى في البلدان التي تسمح بهذا الدور, وتعبر عن هذه الظاهرة النسب الضئيلة لتمثيل المرأة في كل من المجالس النيابية, ومواقع صنع القرار والهيئات القيادية للمؤسسات الحزبية وغيرها. ولا تقل القيود المفروضة على المستوى الجزئي للمشاركة عن تلك المفروضة على المستوى الكلي, حيث تخضع الجمعيات الاهلية لسيطرة الدولة, وان بدرجات متفاوتة, وتتجه معظم القوانين السائدة لاعطاء جهة الادارة حق رفض تسجيل الجمعيات الاهلية والاشراف على نشاطها, والتدخل في شؤونها او حلها وتحديد ميادين العمل وحظرها في بعض المجالات, وفرض عقوبات غليظة على مخالفة القوانين المنظمة للعمل الاهلي. كما ان معظم هذه القوانين لا تتيح حوافز كافية لاجتذاب التمويل والتبرعات للجمعيات الاهلية, مثل الخصم من الأوعية الضريبية او الاعفاءات وغيرها. والمشكلة هنا, وربما المفارقة كذلك, ان الدولة في البلدان العربية, وقد حسمت امرها باتجاه الاقتصاد الحر واعادة الهيكلة, عززت دور القطاع الخاص من خلال الادوات الاقتصادية والمالية لتحل محل مؤسسات القطاع العام, كما اطلقت آليات السوق لتحل محل التخطيط. لكنها عندما قلصت من دورها, وانسحبت من العديد من ميادين العمل الاجتماعي التي كانت تضطلع بها, لم تحفز مؤسسات المجتمع المدني على الحلول محلها بل استمرت تحافظ, ان لم تشدد على تقييد دور هذه المؤسسات, كما انها عندما اطلقت حوافز السوق, لم تحفل بان تطلق مقابلها عناصر الموازنة بدور للنقابات العمالية, او شبكات الضمان. وكانت النتيجة زيادة في الفوارق الطبقية وزيادة عدد العاطلين, واضافة المزيد من القوى المهمشة على الساحة العربية. الفساد والتنمية لا يدعي احد وجود ذلك (المجتمع الفاضل) الذي يخلو تماما من الفساد, ولا يختلف احد على ان كافة المجتمعات في الشرق والغرب تحتوي على قدر معين من الفساد, لكن القضية التي تهم المجتمع العربي ليست بالتحديد وجود قدر ما من الفساد والرشوة في معاملاتنا اليومية, وانما حجم الفساد واتساع دائرته وتشابك حلقاته وترابط آلياته بدرجة لم يسبق لها مثيل, مما يهدد مسيرة ومستقبل المجتمع العربي. ولعل ما تكشف عنه الصحافة العربية من وقائع الفساد, وما يتداوله المجتمع في مجالسه, يدل على مدى تغلغل قيم الفساد وممارساته في كافة مناحي حياتنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والادارية. وقد استجد خلال الثمانينات والتسعينات نوع جديد من الفساد في البلدان العربية, ولاسيما من خلال العمليات الاستشارية, اذ يتم توجيه عقود الخدمات الاستشارية من خلال هيئات المعونة الامريكية والشركات الاجنبية نحو مكاتب استشارية محلية بعينها في القطر العربي المعني, بهدف تكوين (طبقة) او نخبة جديدة من المهنيين ورجال الاعمال تساير وتروج لبرامج المؤسسات الدولية وهيئات المعونة الاجنبية في مجالات محددة مثل الخصخصة وتحرير التجارة ودمج الاقتصاد العربي في بنية الاقتصاد العالمي وشبكة المعاملات المالية والدولية, وذلك دون اعتبار للمصالح العليا للوطن العربي. كما تقوم تلك الهيئات بمنح العقود الاستشارية الضخمة والتوكيلات لأقارب واصحاب المسؤولين وبعض العناصر من ذوي النفوذ السياسي لتسهيل مهمة الشركات وتجاوز العقبات والقيود البيروقراطية, لاسيما في مجال مشروعات البنية التحتية والاتصالات الحديثة. ولعل حجم مشكلة الفساد في الوطن العربي ومخاطر تفاقمها والآليات التي تساعد على إعادة انتاج الفساد في كافة مرافق ومناحي الحياة العربية, يتطلب المبادرة لحصار تلك الظاهرة والقضاء على تداعياتها السياسية على عملية التنمية ومسيرة التقدم. ويقتضي ذلك العمل على ثلاثة محاور: أ ــ محور توسيع رقعة الديمقراطية, وذلك بتوسيع دائرة الرقابة والمساءلة من جانب المجالس التشريعية والنيابية والاجهزة الرقابية ومنظمات المجتمع المدني, لتحقيق درجة اكبر من الشفافية في العقود الدولية والعطاءات واتفاقيات المعونة للقضاء على ما يسمى الفساد الكبير. ب ــ محور الاصلاح الاداري والمالي, اذ لابد من وضع القواعد والضوابط اللازمة لمنع التداخل بين الوظيفة العامة وممارسة النشاط الاقتصادي الحر بالاصالة او بالوكالة, لمنع اختلاط (المال العام) و(المال الخاص) . وهذا يتطلب اعادة النظر في اللوائح المالية والادارية, وتشديد القيود والضوابط, والقضاء التدريجي على مفهوم (الدولة المزرعة) . ج ــ محور اصلاح هيكل الاجور والرواتب لمحاصرة الفساد عند ادنى المستويات, اذ لابد من تحسين اوضاع صغار وكبار الموظفين في الخدمة المدنية, من حيث مستوى الاجور والمرتبات وما يتمتعون به من مزايا حتى تصبح تلك الاجور اداة للعيش الكريم. تحدي التعليم يعتبر التعليم اكثر الحقوق تأثيرا في اعمال باقي حقوق الانسان, فهو حق في حد ذاته, كما انه وسيلة لتحقيق الحقوق الاخرى المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية, وهو الوسيلة العملية لانطلاق الفئات المهمشة من اطار الفقر والجهل للمساهمة الفعالة في الحياة الوطنية, ويتجاوز تأثيره حدود الحاضر الى المستقبل, وبذلك فهو وسيلة مضمونة للاستثمار المستقبلي من جانب الحكومات للموارد المتاحة, والتنافس في استخدامها في اطار المنافسة الاقتصادية العالمية. وتتعدد الوثائق الدولية التي تنص على حق التعليم, بدءا بالاعلان العالمي لحقوق الانسان والعهدين الدوليين المحلقين به, وبالتالي اصبحت الحاجة تدعو الى التقييم الموضوعي لاعمال هذا الحق. وهذه مهمة صعبة وتحتاج الى توفر احصائيات موثوق بها حول الاستثمار في التعليم وتكاليفه وأعداد الطلبة عموما والمنتظمين بصفة خاصة, ونسبة المعلمين الى الطلبة ومؤهلات المعلمين, ونسبة الامية في المجتمع والعلاقة بين الآباء والمدارس. وهذه الاحصائيات يجب ان تعبر عن مختلف قطاعات المجتمع لتعكس مدى المساواة وتكافؤ الفرص في حق التعليم. ولكن الى جانب الاحصائيات, هناك اهمية خاصة للمعايير الموضوعية غير الكمية المتعلقة بالتعليم, وخاصة القيم التي يهتم التعليم بتكريسها, والتي تؤثر بالتبعية في نمط التنمية, والتي اذا لم تراع بدقة فإنها قد تسفر عن تعميق اتجاهات العنصرية والقومية المتطرفة والحزبية والعنف. وبالتالي فان القضية الاساسية التي يبنى عليها حق التعليم هي الموضوعية والثقافة والديمقراطية. وهذه المعايير والقيم الموضوعية هي التي تضمن تقريب المجتمعات رغم خصوصياتها الثقافية بالتركيز على القيم الانسانية العامة, وتفهم المشاكل الانسانية العالمية مثل التلوث البيئي واستهلاك الموارد الطبيعية والتنمية السكانية. ويعد هذا المفهوم بالغ الاهمية في السياسات التعليمية للمجتمعات المختلفة واهدافها طويلة المدى, كما انه بالغ الاهمية لتحقيق التنمية المستدامة بتطوير القوى البشرية, كما تبرز في ضوء ذلك اهمية قيام الجماعة الدولية بمنظماتها الرسمية وغير الحكومية بدور في تقييم السياسات الجارية في ضوء هذه الأهداف. ورغم الانجازات التي حققتها البلدان العربية في ميدان التعليم منذ اواسط هذا القرن, الا ان التعليم مازال متخلفا بصفة عامة في هذه البلدان, بالمقارنة بباقي العالم وأحيانا بالنسبة الى البلدان النامية, وترصد دراسات متخصصة العديد من مظاهر هذا التخلف. يأتي في مقدمة هذه المظاهر تفشي الامية, والتي قدرت نسبتها بين البالغين في منتصف التسعينات بحوالي 45%. وهذا المتوسط اعلى من المتوسط العالمي, وحتى من متوسط البلدان النامية, فضلا عن انه يتزايد, ويقدر ان تدخل البلدان العربية القرن الحادي والعشرين وهي مثقلة بنحو 70 مليون امي غالبيتهم من النساء. كما ترصد هذه الدراسات ضعف التعليم قبل المستوى الاول, اذ تصل نسبة الاستيعاب فيه الى اقل من متوسط البلدان النامية, كما ينخفض نصيب البلدان العربية من جملة اطفال البلدان النامية الملتحقين بالتعليم قبل المستوى الاول منذ عام 1980, كما تسجل نفس الدراسات تباطؤ التحسن في نسب الاستيعاب في التسعينات في مستويات التعليم الثلاثة عن معدل انجاز الثمانينات, فضلا عن تدني نصيب البنات من الملتحقين. وتقصر نسب الاستيعاب الاجمالية في المستويين الثاني والثالث في البلدان العربية (45% و13%) بشدة عن المستوى السائد في البلدان المصنعة, ويزداد هذا القصور في حالة البنات. كما تتدنى القيمة الحقيقية لمخصصات الانفاق على التعليم في البلدان العربية, اذ بلغت في العام 1995 ادنى مما كانت عليه في عام 1985 على عكس الحال في كل من البلدان النامية والمصنعة. على ان الاخطر من ذلك هو تدهور الكفاءة الداخلية للتعليم في البلدان العربية, كما يتضح في ارتفاع نسب الرسوب والإعادة, الامر الذي يؤدي الى طول بقاء الطلبة في المراحل الدراسية, فضلا عن تدني التحصيل المعرفي, وضعف القدرات التحليلية والابتكارية, واطراد التدهور فيها. ويفضي هذا الى خلل جوهري بين سوق العمل ومستوى التنمية من ناحية, وبين ناتج التعليم من ناحية اخرى حيث ينعكس على ضعف انتاجية العمالة, ووهن العائد الاقتصادي والاجتماعي وتدهور الاجور الحقيقية للغالبية العظمى من العاملين. وينطوي استمرار هذه الاتجاهات الحالية في التعليم طبقا لدراسة معمقة للدكتور نادر فرجاني, وهو من الخبراء البارزين في التنمية البشرية, على نتائج كارثية. فلا يتوقع القضاء على الامية الهجائية بين الرجال في البلدان العربية قبل انقضاء ربع القرن المقبل, وبالنسبة للنساء فسيكون علينا الانتظار حتى ما بعد عام 2040. كما لا يتوقع ان تتمكن البلدان العربية من الوصول الى مستوى الالتحاق بالمراحل الثلاث للتعليم الذي ساد في البلدان المتقدمة في منتصف التسعينات من القرن العشرين, قبل حلول عام 2030. اما المغزى الذي يستخلصه هذا الخبير من اطراد تردي نوعية التعليم في البلدان العربية, او سوء خدمة التعليم لاغراض التنمية بوجه عام, فيتعدى منظور التعليم والتنمية الى صعيد تهديد البقاء الكريم للعرب في هذه المنطقة من العالم. العلوم والتقانة تشير الدراسات المتخصصة الى ان الكم الكلي للمعرفة العلمية والتقانة في العالم يتضاعف (تقريبا) كل سبعة اعوام نتيجة للنشاط العالمي في البحث والتطوير, ويزيد هذا المعدل المرتفع في النمو من المسافة بين البلدان المتقدمة وتلك المتخلفة, كما يؤدي الى تضاعف فجوة العلم والتقانة كل سبع سنوات. وقد يكون من نافلة القول تأكيد الترابط بين العلم والتقانة من ناحية, والتنمية من ناحية اخرى. فالعلم والتقانة يتفاعلان مع كل وجه من وجوه الحياة, ولذلك لم يكن غريبا ان ينفق العالم ما يقدر بخمسمائة مليار دولار في العام 1997 في البحث والتطوير. واذا كان معظم هذه الاستثمارات قد قامت بها الدول الصناعية, فقد اخذ العديد من البلدان النامية يسعى لتعزيز ميزانياتها للتنمية والتطوير بصورة منتظمة, لكن تبقى البلدان العربية من اقل المستثمرين في البحث والتطوير. ولا تتوافر احصاءات دقيقة وحديثة حول مختلف مؤشرات العلم والتقانة في الوطن العربي, ومعظم المتوافر من هذه الاحصاءات متأخر عدة سنوات وغير موثق, وتختلف بياناتها من وثيقة الى اخرى ومن عام الى اخر بالنسبة للمؤثر نفسه, ضمن نفس الدولة. لكن تجمع الدراسات المتخصصة على ان المنطقة تعاني من تخلف كبير في هذا المجال, حيث لاتزال جهود البحث والتطوير في معظم البلدان العربية ضئيلة جدا مقارنة بالدول المماثلة لها في الدخل وعدد السكان, ومازالت هذه الجهود محصورة الى درجة كبيرة في مراكز الابحاث الحكومية, وفي عدد نادر من البحوث في بعض الجامعات الخاصة, وتكاد تنعدم في المؤسسات الفردية. كذلك مازالت براءات الاختراع المسجلة في مختلف البلدان العربية نادرة جدا او معدومة. وتعتمد معظم البلدان العربية على استيراد التكنولوجيا الجاهزة, ولم تبذل جهوداً كافية لاستيعاب التكنولوجيا المستوردة ثم نشر فوائدها على مختلف قطاعات الانتاج, بل ومازالت البلدان العربية عاجزة عمليا عن صيانة التكنولوجيا المستوردة, وتعتمد في ذلك على عقود الشركات الموردة. وتذهب آراء الى القاء اللوم على الدول الغربية لابقاء حالة التخلف والتبعية واستمرار الاعتماد عليها, بينما تذهب آراء اخرى الى ان الحظر الغربي على التقانة المتقدمة ينحصر في مجالين اثنين, هما بناء القدرة النووية للاستخدامات العسكرية, والصواريخ. بينما يظل مجال نقل التقنيات الحديثة قائما في مختلف المجالات لمن يسعى وراءه. ويصب هؤلاء اللوم على السياسات الوطنية التي استسهلت المشروعات الجاهزة وعقود الصيانة, ولم تضع مكون نقل الخبرة في اعتبارها, كما احبطت قدرات ابناء المنطقة الذين ينهلون من الدراسات المتقدمة بالخارج ومن نظم الادارة المختلفة, او تركتهم فريسة لاحباطات البيئة الداخلية. وينبه العديد من الادبيات العربية لمخاطر هذا التحدي منذ وقت طويل, وتبرز اهمية تطوير العلم والتقانة. ففي العام 1975 اعد انطوان زحلان دراسة لمستقبل الوطن العربي توضح تأثير التطور الثقافي, اكدت العواقب الوخيمة لاتكال العرب على تقانة الاخرين, واكدت اهمية رأس المال البشري والاعتماد على الذات, وتبع نشر هذه الدراسة دراسة اخرى صدرت عن مؤتمر الوزراء العرب المسؤولين عن تطبيق العلوم والتقانة في التنمية, اثر مؤتمر عقدته منظمة اليونسكو بالتعاون مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم واللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (اسكوا) في الرباط في اغسطس 1976, وكان من بين قراراتها الاتفاق الجماعي على تأسيس صندوق برأسمال 500 مليون دولار لدعم البحث والتطوير, لكن لاقى الاقتراح الاهمال فيما بعد. وفي العام 1993 وضع اتحاد مجالس البحث العلمي العربية سلسلة اوراق بهدف تطوير استراتيجية عمل مشترك في العلم والتقانة, ومرة اخرى لم يعط هذا الجهد سوى القليل من الاهتمام. وبحلول الثمانينات جددت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم جهودها, وشكلت لجنة اعدت استراتيجية عربية للعلوم والتقانة نشر مركز دراسات الوحدة العربية نتائج عملها في العام 1989. ورغم انه لم يظهر سوى اثر قليل لهذا الجهد على المستويين القطري والاقليمي, فقد جدد مركز دراسات الوحدة نشر كتاب جديد لانطوان زحلان في ابريل 1999 ينبه فيه من جديد لنتائج تراخي الجهود العربية في هذا الشأن. * رئيس قسم الاقتصاد بكلية الاقتصاد ــ جامعة القاهرة