بدأ العالم يتحدث جديا عن طاقة الرياح أو الطاقة الريحية منذ أوائل عقد الثمانينات, وعندما جاءت التسعينات ازدادت هذه الجدية كما تحول الحديث نحو آفاق الفكر النظري المشوب بالتعلل بالأماني وربما بالحلم البشري في طاقة رخيصة.. متهاودة متوافرة ومتجددة ونظيفة إلى مستوى التطبيق العملي والصبغة التسويقية ـ التجارية والاقتصادية . تقول الإحصاءات الأمريكية: إن التسعينات شهدت نموا مشهودا بل ومثيرا في قدرة طاقة الرياح بلغت نسبته 26% سنويا عبر منتصف عقد التسعينات الحالي.. ثم مالبث أن ارتفع معدله بصورة درامية في عام 1998 ليصل إلى نسبة 35%. ومعنى هذا أن أصبحت هذه الطاقة الريحية أسرع قطاعات التوليد الكهربائي نموا في الولايات المتحدة على أقل تقدير. ومعناه أيضا أن أصبح التعامل مع طاقة الرياح صناعة مستجدة ومعترفا بأهميتها حيث يبلغ حجمها ـ على صعيد العالم أكثر من ألفي مليون دولار ويبلغ جهدها ما يعادل إنتاج عشرة آلاف ميجاوات من الكهرباء وهو ما يكفي ـ كما تضيف المؤشرات الإحصائية الأمريكية نفسها ـ لتلبية احتياجات مدينة بحجم العاصمة واشنطن من الكهرباء لكل الأغراض على امتداد 16 عاما كاملة وبغير انقطاع. في هذا الصدد يقول كريستوفر فلافن ـ نائب رئيس معهد الرصد العالمي ـ وهو في الطليعة من المؤسسات المعنية بقضايا البيئة والطاقة والموارد على مستوى كوكب الأرض: - بهذا أصبحت طاقة الرياح أول مصدر رئيسي موثوق لإنتاج الكهرباء في عصرنا بعد الطاقة النووية فضلا عن أن صناعة توليد الطاقة الكهربية من مصدر الرياح تنطوي بالذات على إمكانات في غاية الضخامة بالنسبة للسنوات المقبلة. إنجازات في أوروبا يجيبه عبر المحيط مسؤول آخر يعمل في نفس المجال.. اسمه كريستوفر بوريون وهو رئيس الرابطة الأوروبية لطاقة الرياح ( لاحظ على طول الخط وجود مؤسسات عاملة في هذا المجال وعاكفة على تطويره في مجالات البحث العلمي والتطبيق التكنولوجي) وهذه الرابطة تتخذ مقرها في العاصمة البريطانية لندن: ما ابعد اليوم عن البارحة, بالأمس القريب كانت اجتماعاتنا تضم قوما غريبي الأطوار.. علماء وحالمين ومنظرين.. شعورهم طويلة وأفكارهم رومانسية أما اليوم.. فإن مؤتمراتنا باتت محط رجال يأتون بربطات عنق أنيقة وحلل قشيبة غاية في الرسمية.. وهم قوم عمليون (لأنهم من فئة رجال الأعمال والاقتصاد). بمعنى آخر ـ يلخص المسؤول الأوروبي رؤيته قائلا: لقد تحولنا من مجرد عنصر في محيط الطاقة المتجددة لكي نصبح صناعة ناضجة تتنافس مع قطاعات انضج وأقدم عمرا وأطول باعا هي صناعات النفط والغاز والطاقة النووية. تشجيع من الحكومات ورغم أن أحدث الإحصاءات التي نميل إليها في هذا السياق الذي نود لو حاز الاهتمام الواجب في وطننا العر بي هي إحصاءات وبيانات أمريكية بالدرجة الأولى, إلا أن أوروبا والحق يقال هي الطرف السباق إلى تطوير تطبيقات واستخدامات طاقة الرياح لأغراض توليد الطاقة الكهربية النظيفة والمتجددة والموثوقة والرخيصة أيضا. ويرجع الفضل في ذلك السبق إلى أن ثمة حكومات أوروبية تولي تشجيعها لجهود تطوير الطاقة الريحية بحكم ما ترصده في سبيلها من استثمارات طائلة توظف لخدمة البحث العلمي من جهة ولتقديم حوافز ضريبية بالذات للجهود والاستخدامات الناجحة في هذا المضمار من جهة أخرى. هذا وتبرز في مجالات هذا الحفز والتشجيع حكومتان بالذات في أوروبا الغربية هما أسبانيا وألمانيا حيث دخلت طاقة الرياح عنصرا مؤثرا وبنسبة لا يستهان بها في عمليات إنتاج الطاقة اللازمة للأغراض الصناعية.. بل وصل الحال ببلد أوروبي شمالي متقدم هو الدانمارك لدرجة أن أصبحت طاقة الرياح مسؤولة عن تزويده بنسبة 10% من احتياجاته القومية من الطاقة, ومن ثم أمكن للصناعة الدانماركية أن تتوصل إلى إنتاج أنواع متقدمة تكنولوجيا من توربينات توليد الكهرباء من الرياح فبلغت مبيعاتها من هذه التوربينات وحدها أكثر من ألف مليون دولار سنويا. وإذ نتأمل هذه المعلومات التي عرضت لها ـ كما ألمحنا سلفا ـ جريدة (كريستيان ساينس مونيتور) الأمريكية (عدد 30 يونيو 1999) تتضح أمامنا حقيقة بسيطة وجوهرية في آن ويمكن تلخيصها في عبارات تقول: لا غنى في مضمار التقدم لأي بلد يحترم نفسه ويعد مواطنيه بكفاءة لدخول القرن المقبل عن إتباع وتطبيق معادلة تتكافأ في أطرافها عناصر الإرادة السياسية والتشجيع الحكومي ودوائر البحث العلمي واتساع رقعة الوعي الجماهيري بالقضايا المطروحة (وتلك مهمة لابد وأن تتولاها بكفاءة مهنية وضمير وطني يقظ أجهزة الإعلام ومؤسسات المعلومات). النجاح يعزز النجاح وليس لأحد أن تروعه التكاليف الرأسمالية الضخمة التي ترصد لخدمة مثل هذه الأغراض. إن النجاح في هذا المضمار يعزز نجاحات أخرى تليه وتبنى على أساسه وكل نجاح جديد يتحقق يؤدي بدوره إلى خفض آخر في التكاليف بحكم ما يحققه النجاح الأحدث من كفاءة لعمليات التشغيل وتحجيم للإهدار وترشيد في استخدام الموارد كلها أمور لا سبيل إلى تحقيقها إلا بفضل العديد والمزيد من خوض التجارب وملاءمة الأخطاء ووعي الدروس المستفادة في هذا المجال أولا. والحاصل أن الخبراء الأمريكيين يحدوهم قدر كبير من التفاؤل بالنسبة لمستقبل طاقة الرياح. يقول واحد من خبراء هذا المجال هو راندل سويش المدير التنفيذي للرابطة الأمريكية للطاقة الريحية : لقد انطلقت طاقة الرياح من عقالها.. أما إلى أي حد تعمل وبأي سرعة يكون هذا الوصول فتلك مسألة وقت ليس إلا. ونحسب أن الخبير الأمريكي لا يلقي الكلام على عواهنة . لقد أدلى برأيه مؤخرا في ضوء تطور مهم يتمثل في قرار بيل ريتشارد سون وزير شؤون الطاقة الأمريكي في 21 يونيو الماضي ويقضي بتلبية نسبة خمسة في المائة من مجمل احتياجات أمريكا من الطاقة الكهربية من واقع طاقة الرياح.وإذا كان هذا القرار الوزاري حاز تأييدا من دوائر الحزبين الحاكم والمعارض في مجلس الكونجرس.. فان وزير الطاقة الأمريكي ( وهو من المقربين إلى الرئيس كلينتون شخصيا) أعلن في قرارة أنة يتوخى أن يأتي عام 2020 (بمشيئة الله) وقد أصبحت طاقة الرياح تكنولوجيا رابحة تجاريا في مجال توليد الكهرباء بحيث يمكنها كما أوضح ريتشاردسون أن تلبي الاحتياجات القومية للولايات المتحدة وتتصدر في الوقت نفسه مسيرة أمريكا في التحول إلى مجال الطاقة المتجددة. مع ذلك.. فرغم صغر المبادرات الأمريكية المسؤولة على مستوى عال.. إلا أن الاختصاصيين الأمريكان في مجالات الطاقة الريحية ما برحوا ينظرون بعين ملؤها الغبطة إن لم يكن الحسد العلمي والتكنولوجي والسياسي أيضا إلى نظرائهم الأوروبيين والسؤال المطروح هو لماذا؟ ويجيب عليه روبرت شرشر مدير مركز تكنولوجيا الرياح بالولايات المتحدة الأمريكية ويقول: لقد كنا سباقين في مجال استكشاف وتطبيق طاقة الرياح.. لكن ها نحن وقد سبقتنا أوروبا في هذا المجال لأن القضية أساسا هي قضية سياسات تتبناها الحكومات وتدافع عنها وتعزز إمكانات تطبيقها, والذي حدث ببساطة هو أن أوروبا قررت أن غازات الاحتباس الحراري (المعروفة باسم غازات الدفيئة) هي مشكلة تبلغ من الخطورة بمكان. وإن الأمر يستوجب بالتالي الحد بجدية مرسومة وإجراءات مؤسسية من ضبط انبعاثات أكاسيد الكربون التي تسبب هذه الأضرار أو الاحتباس وتؤذي بمخاطر جسيمة حياة البشر والطبيعة على السواء. هنالك رأت أوروبا أن الأمر يحتاج رصد ميزانيات ضخمة في سبيل تأمين بيئة خالية من أثر الدفيئة بحكم أنها تستخدم طاقة نظيفة لا تنجم عنها إنبعاثات الكربون.. وبفضل هذه الأموال التي وضعت بلا شك في موضعها الصحيح أمكن للأوروبيين أن يتقدموا ويحرزوا قصب السبق علينا نحن الأمريكيين. مطلوب إرادة سياسية ويؤكد الاختصاصيون أن الأمر في كل حال يظل بحاجة إلى إرادة سياسية وإلى قرارات استراتيجية وتلك اختصاصات الحكومات.. ذلك لأن المسألة تتطلب باستمرار توظيف استثمارات ضخمة بل هائلة في مجالات البحث والتطوير العلمي ومن ثم في مجالات التطبيق والاستخدام التكنولوجي.. ولا يقدر على رصيد مثل هذه الأموال الطائلة سوى الحكومات.. لأن رأس المال الخاص.. مهما كان مبادرا.. ومهما كان ضخما أو حتى طموحا.. إنما يحجم بطبيعته الوجلة.. الحذرة.. المتوجسة عن الأقدام على ذلك الاستثمار الاستراتيجي الذي لا يمكن بسهولة التنبؤ لعواقبه أو الركون إلى ما يعود به من منافع وأرباح. وتصدق هذه المقولات على التوجهات الطموحة في مجال الطاقة مثل محاولات توليدها كما أسلفنا من طاقة الرياح أو طاقة المد والجزر البحري أو طاقة الشمس أو حتى الطاقة النووية أو الأيثانول أو الغاز الطبيعي. ولا تقتصر قدرة الحكومات على تقديم الأموال بل أنها تنفرد دون رأس المال الخاص.. بأن في وسعها أن تقدم حوافز لا تستطيع تقديمها سوى سلطة وطنية حاكمة ذات سيادة على مقدرات المجتمع ومنها الحوافز الضريبية التي تأتي على شكل إعفاءات أو مزايا أو تخفيضات في إطار علاقة الفرد أو المؤسسة بالدولة أو الحكومة. أكثر من هذا.. تستعد وزارة الطاقة الأمريكية لتقديم "منح" ومبالغ تشجيعية إضافة إلى زيادة بنود الاتفاق في الموازنة العامة على أغراض البحث والتطوير في مجال الطاقة الريحية. وفي هذا يقول وزير الطاقة ريتشاردسون .. إذا كان لنا أن نتصدى لتحديات تغيرات المناخ فلسوف تدعونا الحاجة إلى إيجاد حلول تتمثل في طاقة لا ينجم عنها سوى درجة صفر من التلوث (بمعنى طاقة لا تسبب تلوثا من الأساس.. أو بمعنى طاقة نظيفة مائة في المائة).. وما ذلك على العلم الحديث بكثير. في هذا الإطار يبدأ الاختصاصيون من بديهية تقول أن معامل توليد الطاقة من رياح ونصب التوربينات المستخدمة لهذا الغرض ينبغي أن يحدد لها أولا نوعية المناطق التي يوجد فيها أو بالأدق يجود فيها هبوب الرياح ولقد تتمثل الصعوبة في هذا السياق حين تكون هذه المناطق الغنية بالرياح بغير حاجة إلى طاقة جديدة أو بالعكس حين تكون المناطق المحتاجة إلى توليد الطاقة سيئة أوعاطلة أو ضعيفة من حيث هبوب الرياح ومن ثم لا يجود فيها توليد الطاقة الريحية. مزارع.. للرياح مع هذا كله فقد انتشرت في الغرب ـ أمريكا وأوروبا ما أصبح يعرف باسم "مزارع الرياح" (وندفارمز) ويصفها أهل المعرفة بهذا المجال على أنها معامل طاقة مفيدة للبيئة من جهة ومفيدة للاقتصاد من جهة أخرى حيث تخلق فرص عمالة جديدة كما أن أصحاب المزارع يقبلون عليها بل ويرحبون بها وخاصة حين يتاح لهم تأجير أراضيهم لنصب وتركيب محطات التوربينات لزوم التوليد الكهربائي. ولعل السلبية الأساسية في هذا كله هو أن مديري محطات التوليد للطاقة الريحية لا يستطيعون التنبؤ ومن ثم التخطيط الدقيق لكميات الكيلووات/ساعة التي يمكنهم توليدها من طاقة الكهرباء اللازمة للأغراض السكنية أو الصناعية. أنهم تحت رحمة الرياح تهب أولا تهب.. وهم أيضا تحت رحمة معدل سرعة الريح وهل نستطيع إدارة التوربينات فضلا أن إدامة هذه السرعات وما قد يعتريها من متغيرات أمور مازالت كلها بعيدة عن سيطرة الإنسان وكلها تدخل تحت سيطرة نواميس الطبيعة وأحوال المناخ و.. ما أضعف الإنسان إذا ما وقف في مواجهة مثل هذه النواميس الكونية التي هي بيد فاطر السموات والأرض في التحليل الأخير من هنا يتحفظ المراقبون فيقولون أنهم لا يتوقعون على أحسن الفروض من طاقة الرياح إلا أن تلبي ما نسبته 20% من مجمل الاحتياجات القومية من الكهرباء في بلد ضخم مثل الولايات المتحدة. من جانب آخر ولمواجهة احتمالات التوقف أو الضعف فهناك من يحرص على أن تزود شبكات التوليد الريحية بعناصر توليد وتحريك تحت اسم "معامل الحمل الأساسي" ويتم تشغيلها بواسطة طاقة أخرى كالفحم أو الوقود النووي كي تلبي استمرار الطلب في لحظات الذروة أو وسط عوامل التوقف (إذ ما حدث وتوقف هبوب الرياح) ولكنها تتوقف تلقائيا إذا ما سارت الأمور.. الريحية على خير ما يرام. نحو طاقة نظيفة وفي كل حال فالبشرية أمامها قائمة أصناف عن مصادر الطاقة النظيفة وعلينا أن نختار أرخصها وأوفرها وأنظفها وأكثرها إدامة واستمرارا. وفيما يتعلق بطاقة الرياح التي نود لو تحوز اهتمام قومنا في الوطن العربي يقول الاختصاصي الأمريكي "فلافن" الذي ألمحنا إليه في سياق الحديث: طاقة الرياح يمكنها توليد الدخل وخلق فرص عمل مرتفعة الأجور. وهي تمثل صناعة جديدة تدخل إلى سوق الاقتصاد (مع القرن القادم) بل أن هذا القطاع الريحي سوف ينمو بمعدل 30% سنويا.. ومن مصلحة كل بلد أن يزداد هذا القطاع نموا وازدهارا. * كاتب سياسي من مصر ملحوظة هامة الجزء التالي يوضع في إطار داخل الموضوع ".. أوروبا ـ والحق يقال ـ هي الطرف السباق إلى تطوير تطبيقات واستخدامات طاقة الرياح لأغراض توليد الطاقة الكهربائية النظيفة والمتجددة والموثوقة والرخيصة أيضا.."