منذ انتخاب ايهود باراك الى رئاسة الوزراء الاسرائيلية والكل يتحدث عن انفراج في العلاقات العربية ــ الاسرائيلية وعودة الى مسارات بناء الثقة ومد جسور السلام . وبالرغم من ان معظم هذه الاحاديث التي تنتشر هنا وهناك عن تمنيات أصحابها الشخصية فقط, الا ان أرض الواقع تشير الى ان الحقائق الموجودة أقل بكثير من كافة التوقعات مهما كانت متدنية ومتشائمة. ولعل سلبية حزب العمل في اتخاذ موقف صارم في التعامل مع قضية نشر الاستيطان في أراضي الضفة الغربية والمحيطة بالقدس, إنما تدل على ان هذا الحزب مثله مثل سلفه لا يرغب في التفاوض من أجل حل نهائي شامل يتكفل بايجاد مخارج ترضي كافة الاطراف في كافة المواضيع العالقة والمؤجلة والتي من ضمنها تسليم الفلسطينيين المزيد من الاراضي المتصلة جغرافيا ببعضها البعض. وعلى ما يبدو فإن مفهوم العمل في مصطلح (حل نهائي) يكمن في وضع حد نهائي لمطالب الفلسطينيين السياسية والدينية والاقتصادية دونما المساس بترتيبات الوضع الانتقالي الحالي بقدر المستطاع. والتحدي هنا أمام الفلسطينيين يكمن في استطاعة قيادتهم ايجاد تفاهم داخلي على الحد الادنى الذي يمكن التنازل عنه وبالتالي تصور متواضع للحل النهائي بأسوأ صوره, واعتبار أي شيء أقل من ذلك لا يندرج تحت لقب (حل نهائي) . وسيتضح من خلال هذا التخطيط الاستراتيجي للتفاوض على المرحلة النهائية مدى جدية الفلسطينيين في التمسك بمطلبهم المعلن بأن القدس الشرقية أرض عربية وعاصمة للدولة الفلسطينية, وكذلك بأن للفلسطينيين المهجرين في الخارج الحق في العودة. أما نمط السيادة على القدس فإنه متروك للتفاوض, وهناك أشكال ودرجات عديدة للسيادة على المدينة منها سيادة فلسطينية على احياء قليلة من المدينة الى جانب المقدسات الدينية أو سيادة مدنية بدون تواجد عسكري فلسطيني أو ربما تواجد قوات دولية دائمة بدون أية سيادة لكلا الطرفين مع احتفاظ الفلسطينيين بنظام حكم ذاتي. ومهما كانت طبيعة الحل النهائي بموضوع القدس سواء أصبحت برلين مقسمة أو فاتيكان مسالمة فإن الوضع الحالي مرفوض من كافة الاطراف الفلسطينية مهما كانت نظرتها للأمور وتتفق جميعها انه لابد من حدوث تغيير على خريطة القدس السياسية ان كان الاسرائيليون يبحثون عن حل نهائي فعلا. وفيما يتعلق باللاجئين في الخارج فهناك استعداد مبدئي من الطرف الاسرائيلي بامكانية عودة أعداد محدودة منهم وعلى مراحل الى المناطق الخاضعة لسيطرة فلسطينية وليس الى بلداتهم داخل الخط الاخضر والتي فروا منها عام 1948. ومن الواضح ان موضوع اللاجئين سيكون أسهل بكثير من موضوع القدس والتي تعتبر بالتأكيد بؤرة الصراع في المنطقة ومقياسا لكلا الطرفين على قدرته في التفاوض. فهناك عدة حلول يمكن تطبيقها خاصة وان الاسرائيليين ينظرون الى عودة اللاجئين على انها شأن داخلي للفلسطينيين مع بعض الاعتبارات الأمنية الاسرائيلية فقط. وعلى القيادة الفلسطينية ان تدرك ان نسبة كبيرة من الفلسطينيين الموجودين في الشتات يعيشون ظروفا معيشية غاية في القساوة, ولم يحصلوا على قسط كاف من التعليم والتأهيل مما سيتسبب في ارتفاع معدلات البطالة, اضافة الى مسألة مصاريف الانتقال, وسيكون عليها (أي السلطة) تأمين مساكن ورعاية طبية لهم, اضافة الى التعليم والخدمات وغيرها, والتي ستكون بالتأكيد عبئا ماديا جسيما على كاهل الاقتصاد الفلسطيني المنشأ حديثا والذي ربما لن يقوى على الصمود في وجه التيارات الاقتصادية الدولية المتقلبة. ان تحديات المرحلة النهائية لا تقتصر على مدى قدرتنا على انتزاع التزامات اسرائيلية بتلبية مطالبنا, بل في مدى استعدادنا للالتزام بواجباتنا ومسؤولياتنا الجديدة التي ستفرضها علينا المتغيرات المقبلة.