أخبار الاقتصاد الفلسطيني في مناطق الحكم الذاتي تثير الدهشة. آخرها أنه في الوقت الذي يفترض فيه تقاطر رؤوس الأموال الفلسطينية والعربية لتعظيم الاستثمار هناك . تشهد هذه المناطق نزوح رجال الأعمال بأموالهم إلى الخارج, لاسيما نحو الأردن ومصر. ومعنى ذلك وجود ظاهرة غير طبيعية, حيث حركة الاستثمار, الصناعي منه خاصة, تسير عكس الاتجاه المطلوب. قد يعزى هذا لأن التسوية عند بدايتها.. واتساع الصعوبات التي تعترض مسيرة الاقتصاد الفلسطيني من الجانب الإسرائيلي, وعدم زوال السيطرة الإسرائيلية على هذه المسيرة من عند المنابع السياسية.. وهذا كله صحيح.. حيث ان إسرائيل مازالت صاحبة اليد العليا في سياسة السماح والمنع على المعابر الفلسطينية مع العالم الخارجي.. كما أن عدم اليقين السياسي عموما لا يقدم مناخا ملائما لاطمئنان المشروعات الاستثمارية, لا في الضفة وغزة ولا في أي مكان آخر. نقول أن هذه العلل اللافظة كلها صحيحة, لكنها ليست الأسباب الوحيدة لهروب المستثمرين من داخل فلسطين إلى خارجها.. فهناك أسباب أخرى لا تتصل وجودا واختفاء بالاحتلال الإسرائيلي بشكل مباشر, وإنما تتعلق بأداء السلطة الفلسطينية وتعاملها مع فكرة التنمية الاقتصادية بالتحديد وهذا هو مبعث الانزعاج. لقد قدر معظم رجال الأعمال الذين اتجهوا برحالهم إلى فلسطين أن مشروعاتهم الاستثمارية هناك تحوي هامشا للمغامرة, ومع ذلك تصور هؤلاء طبقا لشهادات شخصية من بعضهم أن درجة الأمان الاقتصادي في رحاب السلطة الفلسطينية ستكون أعلى بكثير مقارنة بالأجواء العاصفة التي أحاطت بهم في عالم اللجوء العربي وغير العربي.. وعلينا على كل حال أن نتصور تأثير الحافز الوطني في إطار هذا التقدير.. إن رأس المال جبان حقا لكن بناء الوطن دافع حث الكثيرين من الذين كونوا ثرواتهم برغم مرارة اللجوء الممتد إلى تجاوز هذه القاعدة التقليدية جزئيا. أدخل رجال الأعمال في حساباتهم إمكانية أن يثير الجانب الإسرائيلي المعوقات أمام نزوعهم للعمل داخل الوطن.. وقد شارك في هذا الإحساس أولئك القادمون من الملاجىء (التي تسمى خطأ بالشتات), فضلا عن المقيمين أصلا في الضفة وغزة الذين رأوا في الحكم الذاتي تحت سلطة فلسطينية فرصة للانطلاق بمخاوف أقل بكثير بعد زوال الحكم الصهيوني المباشر.. ولم يدخل روع هؤلاء أن تأتيهم الصعوبات من حيث يحتسبون ولا يحتسبون من الجانب الإسرائيلي ومن جانب السلطة الفلسطينية. وفيما يخص هذا الجانب الأخير مصدر الإحباط الكبير يشكو رجال الصناعة من: ــ عدم التنسيق بين المؤسسات المسؤولة على نحو يجعلهم يراوحون بين الرئاسة ووزارة التخطيط والتعاون الدولي والبلديات ووزارة المالية. ــ اتباع الوكلاء المحليين لسياسة استيراد هوجاء تطارد المصنوعات المحلية ولا تدع أمامها فرصة في أسواق الضفة وغزة. ــ ارتفاع قيمة الضرائب على الواردات من مدخلات الصناعة حتى بلغت 17%, ويفترض أن يعوض رجال الصناعة المحلية هذه النسبة حين يقومون بتصدير منتجاتهم.. لكن أحدا منهم لم يسترد هذه الأموال بالمرة. ــ وقوع منتجات الوكالات الخارجية المنافسة بين يدي كبار مسؤولي السلطة (فيما اسماه أحد المستثمرين لكاتب السطور بشلة المنتفعين) الأمر الذي يعقد محاولة إصلاح سياسة الاستيراد لأنها تضر بمراكز القوى في السلطة. ــ تغير القوانين الحاكمة للعملية الاقتصادية بدون مبررات مفهومة بما يحول دون الاستقرار اللازم على الصعيد القانوني لتدفق هذه العملية بدرجة معقولة من اليقين والاستمرارية. بسبب هذه الصعوبات يرى بعض المستثمرين أنه قد يأتي وقت ليس ببعيد تغلق فيه الصناعة الفلسطينية أبوابها.. وهي قضية كارثية لأن البديل عندئذ هو سيطرة الخواجات الصهاينة على السوق الفلسطيني ليس نزولا عند واقع الاحتلال ولكن من جراء الفشل الفلسطيني الذاتي هذه المرة. تبدو نذر هذه القضية واضحة بجلاء حتى بالنسبة لكبار مسؤولي السلطة, فهم يعترفون بأن ثمة ما ينوف على مليارين من الدولارات مكدسة في البنوك العاملة في الضفة وغزة.. ومعنى ذلك وجود حالة من العزوف عن تشغيل هذه الأموال في الاقتصاد المحلي.. وكان ومازال من الطبيعي في ظل هذا الواقع أن يولي أولئك المسؤولون اهتماما أكبر للبحث عن أسباب هذه الظاهرة الانكماشية.. لكن شيئا من ذلك لا يحدث, فيما لا تظهر عملية نزوح رجال الأعمال إلا قليلا منهم ممن ساقته أقداره إلى مواقع في السلطة أو قريبا منها.. وعلى كل حال ليس بهذه الطريقة المعيبة من البداية يعاد بناء الوطن.. ولعل من يعنيهم الأمر هناك يستدركون قبل أن يتسع الخرق على الراتق. * كاتب وباحث فلسطيني مقيم في القاهرة