كنت اتمنى ان تكون القمة التي انعقدت في الجزائر الاسبوع الماضي قمة عربية. وكتبت في عز ازمة الجزائر اطالب بها لتكون رسالة للعالم اننا لن نترك الجزائر تنتحر, واننا سنقف معها حتى تجتاز المحنة وتداوي الجراح وتبتعد عن الكارثة التي يريدها (البعض) ليس لها فقط .. ولكن للامة العربية كلها. ولكن احدى المآسي العربية اننا لا نعرف كيف نفعل ما نجحت افريقيا فيه, حيث حافظت على انعقاد القمة الافريقية رغم كل المآسي والحروب التي اجتاحتها ومازالت تعيش ويلاتها. ولقد كدنا نقترب من هذا الهدف ذات يوم ــ ثم جاءت حرب الخليج الثانية فارجعتنا الى نقطة الصفر, او ماهو اسوأ. ومع ذلك فالقمة الافريقية التي انعقدت كانت تحمل انباء عربية طيبة, فمعها كانت المصالحة الوطنية الجزائرية تأخذ طريقها على ارض الواقع لتنهي المأساة التي اودت بحياة مائة الف جزائري حتى الآن في هذه الحرب الاهلية غير المبررة على الاطلاق .. ولا شك ان مسيرة المصالحة لن تكون سهلة, ولكنها بدأت خطواتها, وسوف تحتاج لجهود وتضحيات من كل الفرقاء في الجزائر الشقيقة, وللمساندة والدعم من العرب اجمعين. وعلى هامش القمة الافريقية كانت الجهود المصرية تتواصل لتحقيق المصالحة بين الجزائر والمغرب, ولا شك ان الاجواء الآن افضل بكثير, وسوف تتواصل الجهود المصرية في تسوية الخلافات بين الاشقاء في المغرب العربي واعادة الحياة الى الاتحاد المغاربي, حيث توجد مبادرة لانضمام مصر الى هذا الاتحاد كعضو كامل لتحقيق المزيد من التنسيق والتكامل بين الاشقاء العرب في هذا الجزء الهام من الوطن العربي. وعلى هامش القمة الافريقية, كان لقاء الرئيس مبارك بالرئيس السوداني عمر البشير, وهو لقاء نرجو ان تكون له آثاره الطيبة ... ليس فقط في اعادة العلاقات المصرية ــ السودانية الى طبيعتها وحل المسائل المعلقة بين البلدين, وانما ايضا لمواصلة الجهود المصرية لتحقيق المصالحة بين القوى الوطنية السودانية التي تتحاور الآن للخروج من النفق المظلم الذي يساق اليه السودان, وبعد ان وضح حجم المؤامرة لتقسيم السودان وانهاء اي امكانية لاستقراره وتقدمه واستعادته لطريق الخلاص الديمقراطي. ان السودان هو قضية امن قومي لمصر, ووحدته واستقراره وتق الآن دمه اهداف مصرية مهما كان الخلاف بين الحكومات. واظن ان الاشقاء السودانيين يدركون جميعا اهمية المبادرات المصرية لتحقيق المصالحة, ويدركون ايضا حجم الخطر على السودان خاصة بعد قرارات الكونجرس الامريكي التي تستهدف تقسيم السودان وضرب وحدته بكل ما يمثله ذلك من مخاطر على المنطقة بأسرها. هل تلتئم الجراح؟ وبعيدا عن القمة الافريقية تتواصل الجهود المصرية والعربية لمواجهة الاحداث الخطيرة في المنطقة, فالمطلوب الآن ان نحقق اكبر قدر من التنسيق بين الاطراف العربية حتى لا تستغل التغييرات الاخيرة في اسرائيل في فرض تسوية لا تراعي الحقوق العربية وتستغل الخلافات بين الاطراف العربية لتحقيق الاهداف الاسرائيلية كاملة. ان دورا مصريا فاعلا ومؤثرا هو المطلوب الآن وفي كل وقت لحماية الحقوق العربية, وللتنسيق بين المواقف السورية والفلسطينية والاردنية واللبنانية, والخروج بخطة عمل عربية موحدة بدلا من ترك زمام المبادرة مع الاطراف الاخرى. واذا كانت الاتصالات مستمرة في هذا الصدد, فان القمة العربية التي اعلن الرئيس مبارك عن احتمال عقدها في الخريف قد اصبحت ضرورة, ومشاركة العراق فيها سوف تكون اعلانا عربيا بأن الجراح قد بدأت في الالتئام وان حصار العراق وتجويع شعبه وتقسيم ارضه امور لابد ان تتوقف. وفي انتظار القمة الموعودة .. امامنا صيف ساخن على كل الجبهات, وامامنا جهود ينبغي ان تبذل لاتمام المصالحات العربية, وامامنا تحديات هائلة على كل المستويات الاقتصادية والسياسية, وامامنا مخططات كاملة لخريطة جديدة للمنطقة يراد لها ان توضع موضع التنفيذ في غيابنا وعلى حسابنا, وامامنا, اذا اردنا , ان نستعيد المبادرة ونحقق الحد الادنى من التنسيق والمشاركة, ونحدد اهدافنا ونضع خططنا وندرك جيدا ان العالم الجديد لامكان فيه الا للاقوياء, واننا نستطيع ان نكون اقوياء لاننا نملك كل العناصر التي تؤهلنا لذلك . اذا امتلكنا الارادة القوية الحرة, وبدأنا العمل على الطريق الصعب .. فهل نبدأ؟! نعم ... نحن نمتلك كل عناصر القوة, ولكننا نمتلك معها القدرة على تبديد هذه القوة .. مرة بايدي اعدائنا, وعشرات المرات بايدينا! ولن ننكأ الجراح ونتحدث عن الماضي وآلامه وتجاربه المأساوية ولكننا نريد فقط ان ننظر حولنا, وان نتدبر فيما يراد لنا, وان نستعد حتى لانجد انفسنا ـ كما تعودنا ــ في موقع الضحية المغلوبة على امرها. ان الساحة تعد الآن لاستكمال المخططات التي تعرقل تنفيذها اثناء حكم نتانياهو وتحت راية سلام الشجعان ــ يجري الترويج لاستئناف سباق (الهرولة) وفتح باب التنازلات من جانب واحد ( هو العربي بالطبع) كما جرى الامر منذ بداية المسيرة الخائبة!. والمنظر الآن يذكرنا بما كان قبل اوسلو, حيث جرى الترويج لمشروع سلام اسرائيلي ــ سوري, فكانت النتيجة استدراج القيادة الفلسطينية الى اوسلو لتوقع تحت جنح الظلام على اسوأ اتفاق يمكن ان توقع عليه حركة تحرير وطني .. ثم تكون النتيجة ان تقضي السنوات في محاولة تفسير نصوصه والتفاوض لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه, ولتكون النتيجة بعد كل هذه السنوات ان 97% من الضفة الغربية مازال تحت الاحتلال, ونصف سكانها تحت الحكم المباشر للصهاينة, ونصفهم الآخر تحت الحكم المشترك للاسرئيليين والسلطة الفلسطينية والمخابرات المركزية الامريكية! اليوم يبدأ سباق المسارات مرة اخرى, ويتم التلويح بأن الاتفاق بين اسرائيل وسوريا هو الايسر, لكي تندفع السلطة الفلسطينية في مسلسل التنازلات كما حدث في أوسلو, ولإرغامها على القبول بتأجيل الاستحقاقات المقررة في اتفاق (واي بلانتيشن) والدخول في مفاوضات الحل النهائي وهي في اضعف مواقفها, ولتكون النتيجة كارثة تفوق كل التصورات والتخلي عن الحقوق المقررة للشعب الفلسطيني, وهو ما يعني في النهاية مجرد كيان فلسطيني يكون جسرا لعبور الاسرائيليين الى العالم العربي.. وليس جسرا للعودة الى الوطن المغتصب. والجزء الثاني من المخطط يجرى الترويج له من خلال استئناف مسيرة التطبيع والهرولة العربية الى تل ابيب. والحديث الآن عن استئناف مؤتمرات التعاون الاقتصادي لتنفيذ مخطط بيريز لاقامة نظام شرق اوسطي تهيمن عليه اسرائيل. والمطلوب الآن ان يكون المؤتمر في مصر, ولأن عقده في القاهرة سوف تواجهه المظاهرات المعارضة, فإنهم يريدون تهريبه الى شرم الشيخ في سيناء. ولأن مصر تريد قمة عربية في الخريف المقبل, فإنهم يطرحون هذا المؤتمر في الموعد نفسه, ليصادر على القمة العربية, وليقولوا بوضوح ان الزمان العربي قد ولى, وعلى العرب ان يدركوا ذلك, وأن يفهموا انه ليس امامهم الا خيار واحد.. ان يكونوا جزءا من شرق اوسط تحت الهيمنة الاسرائيلية التي ستكون مكلفة بحماية المصالح الامريكية في المنطقة وضمان السيطرة عليها واستغلال ثرواتها وأسواقها والتحكم في مصيرها. القمة الموعودة ومن هنا فالقمة الموعودة مطالبة بمواجهة ذلك كله.. ومطالبة بالتحرك السريع في اتجاهين اساسيين: * الاتجاه الأول: بلورة موقف عربي من قضية التسوية السياسية لا يترك الامور للظروف, ولا يترك المبادرة في يد العدو, ولا يتيح الفرصة للابتزاز الاسرائيلي, ولا يقف عاجزا امام الضغوط الامريكية التي ستتوالى في الفترة المقبلة. ان تنسيق المواقف بين الاطراف العربية امر ضروري. ولكن الاهم ان تكون هناك رؤية واضحة لملامح الحل المطلوب, وان تكون الخطوط الحمراء واضحة لأمريكا, ولاسرائيل, وقبلهم للأطراف العربية التي قد تتصور ان أي حل افضل لها من الموقف الحالي, ستكون النتيجة كارثة جديدة, وتنازلات بلا حدود, ومصادرة على حق اجيال في ان تسترد حقوقها المسلوبة. ولا ينبغي ان يقتصر التنسيق على الاطراف المتفاوضة, بل ان العرب جميعا مطالبون بالمساندة والعمل المشترك. فالسلام الحقيقي وحده هو الذي يضمن الاستقرار في المنطقة, وسلام اسرائيل سيدفع الجميع ثمنه.. من المحيط الى الخليج. ومن هنا فلا ينبغي ان يكون هناك حديث عن تطبيع أو علاقات سياسية أو ثقافية او اقتصادية قبل استرداد الحقوق واستعادة الارض وتحرير القدس. * والاتجاه الثاني الذي ينبغي ان يكون مجالا للتحرك العربي من خلال القمة, هو الاسراع في تفعيل المؤسسات العربية للعمل المشترك وخاصة في المجال الاقتصادي الذي سيكون مجالا هاما للصراع مع اسرائىل. انهم يريدون بعث الحياة في الشرق الاوسط وعلى حساب العرب ولمصلحة اسرائيل وبالتالي أمريكا. ولا مجال لتفادي ذلك الا بالتركيز على العمل المشترك العربي في المجال الاقتصادي وصولا الى تكوين التجمع الاقتصادي العربي أو السوق العربية المشتركة. وقد بدأت خطوات في ذلك الطريق ولكنها ما زالت بطيئة, والمطلوب الاسراع في هذا الطريق والتغلب على العقبات وتغليب المصلحة العربية على كل شيء, والرهان على المستقبل العربي وليس على المكاسب السريعة لهذا القطر أو ذاك. إنني أقف هنا أمام واحد من أهم وأجمل الاخبار التي سمعتها منذ فترة طويلة وأعني بها التصريحات التي جاءت على لسان الرئيس الجزائري بوتفليقة, والتي اعلن فيها ان الاستثمار الخارجي قد بدأ بالفعل في التدفق على الجزائر, وان الامارات العربية قد قدمت 2.1 مليار دولار للاستثمار في مجالات مختلفة. هذا الخبر يجب ان نحتفي به جميعا. فالأمر هنا ليس امر استثمار مالي يستهدف الربح الذي قد يكون اكبر في مكان آخر, انه استثمار اقتصادي وسياسي وموقف حكومي في وقت واحد. انه رهان ليس فقط على مستقبل الجزائر والاستقرار فيها, ولكنه رهان على مستقبل الأمة العربية الواحد, وعلى تحمل المسؤولية القومية في اصعب الظروف, وعلى توظيف الثروة العربية في المكان الصحيح والوقت المناسب ومن أجل الهدف المشترك العظيم. انه موقف يضاف لمواقف عظيمة سابقة, وكلها تؤكد اننا ــ حين نتملك الرؤية الصحيحة والارادة الواعية ــ قادرون على تحقيق الكثير, وعلى فتح ابواب الامل وكسر الحصار المضروب حولنا, وضرب محاولات الانفراد بالأقطار العربية واحدا واحدا وفرض الواقع المرير علينا جميعا. انها نقطة ضوء نتمسك بها, ونحن نتحدى كل الظروف, ونتمسك بالرهان العربي, وننتظر من الجميع ان يكونوا على مستوى المسؤولية, فالتحديات هائلة, والمخاطر كبيرة, والشعوب ــ مع التاريخ ــ لن ترحم أحدا. وداعا ... عم مصطفى لم يسعدني الحظ بالعمل مع مصطفى كمال, ومع ذلك فقد تعلمت منه ــ وتعلم غيري ــ الكثير, وتوطدت صلتي به على البعد, وهو يعيش ايام الغربة, ومع ذلك يحرص على ان ينثر على الجميع عطر مودته الجميلة وأبوته الحانية وتمسكه بأجمل ما في الحياة من قيم نبيلة. عاش مصطفى حياته.. يملك العلم ويتمسك بالتواضع, يسيطر على ادوات مهنته الصحفية ولا يبخل على الآخرين بخبرته, يقدم الكثير ومع ذلك يشعر ان امامه الكثير ليؤديه. قبل اسابيع جاءني صوته على الهاتف من بلدته القريبة من القاهرة والتي أصر على البقاء فيها طوال عمره. كان قد وقع له حادث وأصيب بكسور في ساقه, وحرمه الحادث من رحلته الاسبوعية الى القاهرة للقاء الأصدقاء. ومن فرش المرض جاءني صوته يطالبني بأن أخوض المعركة الانتخابية في نقابة الصحفيين المصريين على مقعد النقيب, ويشرح أسبابه, ويؤكد لي انه يدرك الصعوبات والعوائق ولكنه يدرك ايضا ضرورة المعركة. ويتحدث طويلا, وأنصت له, ثم أقول بصدق: ما زلت كما أنت يا عم مصطفى.. شابا وصادقا ونبيلا. ويتابعني عم مصطفى اثناء المعركة مساندا ومشجعا. ونتواعد بعد الانتخابات على لقاء لم يتم. فقد اختطفه الموت منا. ورحل الرجل بهدوء كما عاش, وترك حياة اعطاها الكثير وأخذ منها القليل. يرحمه الله بمقدار ما أعطى للوطن والصحافة والقيم النبيلة التي قاتل في ظلها وعاش على هداها.