هل تؤشر القمة الخامسة والثلاثون التي انعقدت بالجزائر مؤخراً الى تحول نوعي في ادراك القارة الافريقية لموقعها وللتحديات التي تواجهها, وهي على عتبة الألفية الثالثة؟ ذلك هو السؤال الأساسي الذي ما فتئ المتتبعون يطرحونه بعد اختتام اشغال القمة . وتعود مشروعية هذا السؤال الى الاجواء والقرارات التي خرجت بها هذه القمة, والتي ارتكزت أعمالها على ثلاثة محاور اساسية تتعلق بالنزاعات والارهاب, والاوضاع الاقتصادية والاجتماعية, واعادة هيكلة المنظمة. وينبغي الاقرار اولاً انه بالرغم من الوضعية المتردية التي تتخبط فيها اجمالاً القارة السمراء, فقد حافظت منظمة الوحدة الافريقية, كمنظمة اقليمية تأسست منذ سنة 1963 على انتظامية انعقاد مؤتمراتها على خلاف منظمات اخرى تتوفر على كافة المقومات, كما هو الامر بالنسبة لجامعة الدول العربية التي لم تستطع تجاوز تداعيات ازمة الخليج, واخفقت بالتالي منذ عشر سنوات في عقد مؤتمر للقمة ويعود ذلك الى ان مؤتمر رؤساء الدول والحكومات يعتبر حسب المادة الثانية من ميثاق اديس ابابا بمثابة الجهاز الاعلى للمنظمة, حيث يتولى مناقشة المسائل ذات الأهمية المشتركة لافريقيا. وثانياً: ان ارتفاع عدد القادة المشاركين في القمة (42 رئيساً) يعكس تشبث الدول الافريقية بهذا الاطار, بل اكثر من ذلك رغبتها في تحسين عطائه حتى ىتسنى له القيام بالمهام المنوطة به, وقد اظهرت المناقشات في هذا الصدد عدم استمرار ملاءمة ميثاق اديس ابابا للتحولات التي يعرفها العالم, وتتأثر بها القارة كما ان تفعيل المنظمة, يتطلب ضرورة اعادة النظر في بعض المقتضيات, ولا سيما ضرورة الانفتاح على مؤسسات المجتمع المدني, كما هو الامر بالنسبة للمنظمات غير الحكومية, حتى تساهم بشكل فعال في مناقشة ابداء مواقفها وتصوراتها حول المشكلات المعقدة التي تتخبط فيها القارة. ويبدو ان هذا الموضوع سيكون محور القمة الاستثنائية المقرر عقدها في الجماهيرية الليبية. ثالثاً: لقد بدأت تسود داخل المنظمة رؤية واقعية تحاول ان تستوعب عمق المعضلات التي تواجهها الدول الافريقية, وموقعها في التحولات العالمية المتسارعة, وهذه الرؤية تسعى الى القطيعة مع الممارسات الطفولية التي طبعت سلوك بعض القادة الافارقة, والتي قادت الى اخطاء قاتلة, كما هو الامر بالنسبة لادماج ما يسمى (بالجمهورية الصحراوية) الوهمية خلافاً لمنطق الاستفتاء الذي كان يتطلب التروي والمنطق في انتظار معرفة مآل الاستفتاء الاممي, مما افضى الى الانسحاب المنطقي للمغرب الذي رفض آنذاك تزكية هذا العمل اللامشروع. واذا كانت المنظمة لم تستطع لحد الساعة تصحيح هذا الخطأ بدعوى عدم وجود بند في الميثاق ينص على طرد عضو, فإن كل المؤشرات تبين ان عودة الوعي الى الاقطار الافريقية امر آخذ في التعمق فالعلاقات المغربية الافريقية انتعشت بشكل ملحوظ, كما ان افرازات الاستفتاء الذي تعد له الامم المتحدة بدأت تبين بوضوح وهم اطروحة الانفصال وبالتالي فإن استرجاع المغرب لموقعه كمؤسس وفاعل اساسي في المنظمة يعتبر من قبيل الحتمية التاريخية. ان هذه الواقعية التي بدأت تنتاب الافارقة تمليها معاينة المؤشرات المتراكمة التي ترصد تدهور افريقيا في جميع المجالات فسياسيا لم تؤد اكثر من ثلاثين سنة على استقلال اغلب الدول الافريقية الى توطيد الاستقرار السياسي بشكل نهائي فما زالت القارة الافريقية مسرحاً لصراعات مسلحة تستقي جذورها من اعتبارات اثنية وقبلية وسياسية, تحصد آلاف الضحايا ومخلفة اكثر من عشرين مليون لاجئ. وفي الواقع, فإن التدهور السياسي الذي ما زال يسم القارة الافريقية, والذي قد يعمق من هشاشة بنياتها السياسية لا يتعلق فقط بمصادر سياسية محضة, او مجرد مطالب ترابية, بل انه يتغذى كذلك من الوضعية الاقتصادية والاجتماعية المتداعية لهذه القارة فهذه المنطقة التي تحوي اكثر من نصف مليار نسمة تبدو منعزلة عن تيار العولمة الزاحف,ومستكينة لانعكاساته السلبية فالتواصل بين مكوناتها ما زال ضعيفاً ويكفي ان نشير على سبيل المثال الى ان مدينة طوكيو عاصمة اليابان تتوفر على ضعف الخطوط الهاتفية التي تتوفر عليها القارة برمتها, كما ان الديون تستنزف بالنسبة لاغلب الاقطار الافريقية جزءاً كبيراً من الميزانيات يستخدم لخدمة الدين الخارجي, بشكل يعرقل تدخلات الدولة لا سيما في مجال التجهيز والاستثمار, علاوة على ذلك, فحتى الطبيعة ليست رحيمة مع هذه القارة فالجفاف يعتبر من السمات المميزة لكثير من الدول الافريقية, وبفعل زحف الصحراء تتقلص الاراضي الصالحة للفلاحة وتهدد المجاعة بعض الاقطار وعلى المستوى الاجتماعي يكفي ان نشير الى ان مرض الايدز بات يعشعش في القارة, حيث ان ثلثي المصابين به يوجدون في افريقيا, بشكل ينبئ بكارثة عظمى تهدد مصير دول برمتها اذا لم تتكاثف الجهود الدولية من اجل مساعدة القارة السمراء على محاربة هذا الداء الفتاك. وفي مواجهة هذه المعضلات المزمنة, يظهر ان القادة الافارقة قد تخلوا عن تلك الخطابات الطنانة وادركوا ان مستقبل افريقيا رهين بالديمقراطية والتنمية ومن ثم فقد اقرت القمة مقاطعة كل نظام يستحوذ على السلطة بالقوة عن طريق الانقلابات العسكرية وهو قرار يهدف كما اشار الى ذلك الرئيس النيجيري الى محو سمعة افريقيا كقارة في حرب مع نفسها علاوة على ذلك اعادة ترتيب الاوضاع داخلياً لتهيئة افريقيا للدخول في الألفية الثالثة بعقلية جديدة. لكن مهما كانت الروح التي وجهت القمة, لا يمكن فقط المراهنة كثيراً على القرارات الصادرة عن المحفل الافريقي فلا مندوحة من جهود حثيثة لاعادة تقويم الاوضاع, ووقف التردي ويتطلب هذا الامر بالاساس الاعتماد على الذات من خلال القيام بالاصلاحات العميقة التي ترمي الى احلال الاستقرار السياسي من خلال البحث عن آليات عملية لايجاد تسوية للصراعات التي تعصف بالقارة ويفترض ذلك اعادة النظر في هيكلة المنظمة, والتفكير في تفعيل الدبلوماسية الوقائية التي تسمح بتشخيص الصراعات قبل انفجارها وكذلك تشجيع التجمعات الاقليمية على ضبط النظام الجهوي من خلال البحث عن اساليب فعالة لتدبير الصراعات, ولا سيما دفع الاطراف المتحاربة الى التفاوض, كما هو الامر بالنسبة لمجموعة دول غرب افريقيا (ايكواس) التي توصلت الى اتفاق سلام في سيراليون, ومجموعة دول الجنوب الافريقي (سادك) حيث ساعدت الاطراف المتحاربة في الكونغو الديمقراطية, على توقيع اتفاق لوقف اطلاق النار, رغم استمرار تردد المتمردين على نظام كابيلا. ومن الممكن تطبيق مثل هذه المساعي على النزاعات الاخرى التي ما زالت تهدد القارة الافريقية لا سيما في منطقة القرن الافريقي. ان ضخامة وثقل المثبطات, والمهام المطروحة لا يمكن ان تقوم به القارة لوحدها فالتأخر الكبير الذي تعاني منه يتطلب ارادة دولية لمساعدة افريقيا على النهوض وتعدد الورش التي ينبغي ان تساهم الدول الغنية في فتحها في افريقيا, وتأتي في مقدمتها ضرورة اعادة معالجة مشكلة المديونية صحيح ان مجموعة الثمانية كانت قد قررت اجراءات في هذا الصدد لصالح الدول الاكثر فقراً, لكن هذا المجهود يبقى قاصراً, حيث لم يعمم على الكثير من الدول التي تظل في حاجة الى التخفيف من اعباء الدين الخارجي. فتقارير برنامج التنمية العالمي تبين ان توفر الارادة لدى الدول الغنية من شأنه ان يقلص من هذه المديونية التي تشكل عائقاً تنموياً كبيراً, علاوة على ذلك, فإن المنافسة بين القوى الكبرى, وخاصة فرنسا والولايات المتحدة ينبغي ان لا تبقى فقط حبيسة منطق اكتساب النفوذ, بل لابد ان تتحول الى قاطرة لمساعدة افريقيا, ولا سيما الدول المنكوبة, على الخروج من محنتها انطلاقاً من مشاريع استثمارية تساهم في التخفيف من حدة الفقر والبطالة والآفات الاخرى. وبصفة عامة, فإن مواجهة المعضلات الافريقية تتطلب مجهوداً خاصاً من الدول الغنية, وقد يتم التفكير في ذلك من خلال آلية شبيهة بتلك التي اقترحت للشرق الاوسط وافريقيا الشمالية في خضم التسوية بين العرب واسرائيل فمؤتمر مشترك بين الافارقة والدول المتقدمة يمكن ان يشكل منطلقاً لتغيير الاوضاع في القارة السمراء. واذا كانت القمة الافريقية قد كشفت عن بداية تبلور رؤية جديدة للتعامل مع التحديات التي تواجهها القارة, فإن ايجابية هذه المعاينة تبقى رهينة تحويل هذه التطلعات الى افعال ملموسة, ولا ريب في ان التطورات اللاحقة ستبين مدى ارادة الفاعلين الافارقة في ادخال قارتهم الى الألفية المقبلة بروح جديدة, ويشكل اقرار السلام من خلال تسوية النزاعات التي ترهق القارة, المحك السياسي لقياس مدى جدية الزعماء الافارقة في طي صفحة الماضي وصنع مستقبل اكثر اشعاعاً. استاذ العلاقات الدولية - جامعة محمد الخامس ــ المغرب