منذ فوز ايهود باراك في الانتخابات الاسرائيلية وهزيمة بنيامين نتانياهو في هذه الانتخابات, تبدو تركيا قلقة حيال مستقبل علاقاتها المحورية المميزة مع إسرائيل, وتتخوف من ان يكون للسلام المحتمل بين سوريا واسرائيل أثره السلبي على الدور الذي تتطلع اليه تركيا في النظام الاقليمي الشرق أوسطي الذي بدأ الحديث عنه مجددا مع عودة حزب العمل الى السلطة في تل ابيب. مصدر القلق التركي, يرجع الى ان اسرائيل في حال التوصل الى سلام مع سوريا قد تغير اولوياتها السياسية حيال العرب, بشكل قد يؤثر على المعاني والاهداف الجوهرية للاتفاق العسكري التركي الاسرائىلي الذي تم التوقيع عليه في فبراير عام 1996, حيث طورّت تركيا منذ ذلك الوقت علاقاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية مع اسرائيل بشكل لافت. وكانت هذه العلاقة مصدر قلق للعديد من الدول العربية وخاصة سوريا التي وجدت نفسها مع عهد نتانياهو بين (فكي كماشة) طرفها الجنوبي اسرائيل والشمالي تركيا. التحرك التركي الاخير, اي الزيارة التي قام بها الرئيس التركي سليمان ديميريل الى اسرائيل (وهي أول زيارة لرئيس دولة الى اسرائيل منذ استلام باراك الحكم) تأتي في اطار التأكيد التركي على عمق العلاقات التركية ــ الاسرائىلية, واستعداد انقرة للمضي في تطوير هذه العلاقة خلال عهد باراك, رغم قناعاتها الداخلية بأنها فقدت مع حزيمة نتانياهو الكثير من العناصر الامنية في العلاقة مع تل ابيب, واولى الدلائل الرفض الاردني مؤخرا للمشاركة في المناورات البحرية التركية ـ الاسرائيلية وكذلك إحجام كبار المسؤولين العسكريين الاسرائيليين عن اطلاق تلك التصريحات الاستفزازية حيال دول المنطقة كلما كان هناك لقاء تركي ـ اسرائيلي. تركيا التي ترى المتغيرات الحاصلة في اسرائيل والآفاق التي قد تسفر عنها هذه المتغيرات اقليميا, تدرك ان هناك قرارا امريكيا بكل ذلك لذا تعتقد تركيا ان من الاهمية المشاركة بدور اقليمي في التطورات المقبلة, والخطاب التركي خلال الايام الاخيرة ينصب في هذا الاتجاه سواء من خلال الاعراب عن الارتياح للاجواء السلمية التي عادت الى المنطقة بمجيء باراك او ابداء استعدادها للمشاركة في المحادثات المتعددة الاطراف بشأن العملية السلمية, خاصة تلك المتعلقة بالنمو الاقتصادي والمياه والنقل والمواصلات. وترى بعض الاوساط التركية ان استئناف مسيرة السلام في الشرق الاوسط قد تعيد التوازن الى سياسة تركيا حيال العرب واسرائيل اولا, ومن ثم تصحيح بعض المفاهيم حيال علاقاتها المميزة باسرائيل ثانيا, وحسب هذه الاوساط فإن استئناف المفاوضات على المسار السوري ـ الاسرائيلي سيخفف عنها موجة الانتقادات العربية حيال تحيزها لاسرائيل, ولكن ينبغي القول ان مسألة المياه بالنسبة لتركيا مسألة مزدوجة فهي قد تتحول في المستقبل الى ورقة ضغط عليها لا لها, اذ ان المسألة هنا مرتبطة بسوريا والعراق بسبب الخلاف بينهما وبين تركيا على مياه نهري دجلة والفرات, وحيال المشاريع المائية الضخمة التي تنفذها تركيا في اعالي النهرين (مشروع غاب ـ GAP دون مشاورة سوريا والعراق وبشكل يضر بمصالحهما ومشاريعهما الاقتصادية والزراعية المشيدة على الارض. واذا كان من المفترض ان تتناول المفاوضات المقبلة بين سوريا واسرائيل طبيعة السلام الشامل فإن هذه المفاوضات ستتطرق الى مسألة المياه في المنطقة ومنها المتعلقة بالخلافات السورية ـ التركية حول مياه دجلة والفرات, ويرى المراقبون ان اسرائيل قد تؤيد موقف سوريا ازاء مشكلة مياه النهرين, مما يشكل عامل ضغط على انقرة لتليين مواقفها المعلنة والمتشددة والرافضة لأى اقتسام لمياه النهرين مع سوريا وكذلك العراق, ويذهب المراقبون الى ان تأييد اسرائيل للنظرة السورية في هذه المشكلة وارد على اعتبار ان حصول سوريا على حصتها من الفرات سيدفعها الى تمرير حصة اكبر من مياه نهر اليرموك الى الاردن, مما يتيح للاخير ان يؤمن نحو مئة مليون متر مكعب من مياه غور الاردن الى الضفة الغربية, الامر الذي يسمح لاسرائيل باستغلال كميات اكبر من المياه الجوفية هناك. تركيا الدولة الاسلامية الوحيدة التي طورت علاقاتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية وبشكل كبير مع اسرائيل خلال عهد نتانياهو (بعكس الدول العربية) ولم تعط اهمية لاقامة علاقات مماثلة مع الدول العربية, تركيا هذه تجد نفسها مع مرحلة باراك مطالبة بسياسة اقليمية متوازنة, تقوم على التعاطي الايجابي مع القضايا الاقليمية بدلا من التركيز على النظرة الامنية وسياسة المحاور العسكرية. ويبدو ان تركيا تلقت هذه الرسالة مؤخرا ولكن يبقى السؤال هل تجعل تركيا من مرحلة نتانياهو درسا مهما لسياسة واقعية متوازنة حيال جيرانها العرب, انطلاقا من حقائق التاريخ والجغرافيا والانتماء الى الدائرة الحضارية الواحدة؟ * كاتب وصحفي سوري