لم يفاجأ أحد بما حصل في ايران في الاسبوع الماضي, ولن يكون الأخير من الاضطرابات التي تلجأ لها القوى المختلفة للتعبير عن نفسها في الشارع الايراني, فمنذ قدوم محمد خاتمي رئيس الجمهورية والآمال تتصاعد في الداخل الايراني وعلى المستوى العالمي بأن ثمة تغيرا ما يحدث في ايران . المشكلة التي وقع فيها الوضع الايراني, وأدت الى الفرز المشاهد, ان أطرافا في الحكم تريد التغيير والانفتاح, وقوى حقيقية اخرى تريد استمرار الحال كما هو عليه. ويبدو للمتعجل ان القضايا المعلنة المختلف عليها هي قضايا جانبية, مثل اطلاق حرية بعض الصحف التي منعت, وحريات الطلاب في جامعاتهم, ولكن الأمر أبعد من ذلك وأعمق. لقد بدأ في السنوات الثلاث الماضية سباق بين طرفين, ربما غير منظمين التنظيم الأوفى, ولكن هذين الطرفين هما قوى للاصلاح والتغيير, وقوى المحافظة على الأمر القائم, وقد تم الاصطدام في أكثر من موقعة سياسية, وهي محطات قادت الى الأحداث الأخيرة, وقد عودنا التاريخ الايراني الحديث والمعاصر ان الأمور تبدأ صغيرة ثم تتعاظم, تطبيقا للمثل العربي القائل تضرم النار من مستصغر الشرر, ولعلنا نتذكر ان الثورة الايرانية في نهاية السبعينات بدأت بمقال صغير في الصحف كتبه وقتذاك وزير إعلام الشاه ينتقد فيه الخميني, ومن وقتها تسلسلت الاحداث الى ان وصلت الى تغيير النظام برمته. فالقضايا التي يبدو انه مختلف عليها هي فقط رأس جبل الثلج الذي يظهر لمن هو بعيد عن معرفة الساحة الايرانية الداخلية, فالثورة الايرانية ذاتها كانت عبارة عن تحالف واسع شاركت فيه أطياف القوى السياسية الايرانية, بعضها استطاع الوصول الى السلطة وبعضها لم تتح له الفرصة للتعبير عن نفسه, ولكن بقي هذا الاختلاف تحت السطح وان تدثر الجميع بالدعوة الى حكم اسلامي في ايران. ثمة قوى كان يمثلها ابراهيم يزدي أو بازركان وآخرون ليس بينهم وبين الحكم الايراني فارق في الاجتهاد من حيث الموضوع ولكن الفارق في الدرجة, هؤلاء ومن يرى رأيهم في الشارع الايراني يعتقدون بمزاوجة الحكم الشرعي بأشكال الحكم الحديث القائم على تطبيق القانون الصادر عن الأمة, وابعاد رجال الدين عن السلطة المباشرة لادارة الدولة أو على الأقل غير الاكفاء منهم, وهناك رجال دين مستنيرون يرون مثل هذا الرأي أشهرهم على الاطلاق الفقيه آية الله منتظري. ولكن الموضوع أكبر من تبسيطه بهذا المعنى أو ذاك, والموضوع الأساسي في ايران ان تنطلق لتنفتح على العالم, وتتقدم ايران في الداخل لتطلق الحريات العامة وتبني نظاما سياسيا داخليا بعيدا عن الادلجة وقريبا من التعددية والانفتاح, أو ان تتقوقع على نفسها وتظل تحارب (أعداء محتملين) من الخارج, فيفوت على الشعب الايراني فرص التنمية, تلك هي المعادلة التي يدور حولها الصراع وإن كان مستترا من وراء حُجب. ما نشهده اليوم ونسمعه من أخبار عن ايران هو كما قلت رأس جبل الثلج, فقد نتج عن تراكم طويل في الفترة السابقة, وساحة المعركة هي الحريات الأساسية والصحفية, فقد أخضع عطاء الله مهاجراني وزير الثقافة الايراني منذ ثلاثة أشهر للاستجواب بحجة انه أتاح لقوى مضادة للثورة فرص التعبير عن نفسها في الصحف ومجالات التعبير الاخرى وذلك مخالف لتعاليم الثورة وحاجة المجتمع الايراني كما يراها مقدمو الاستجواب, وفي النقاش الذي دار بعد ذلك, تعرّض وزير الثقافة لهجوم عنيف كاد ان يصل الى الاخراج من الملة, جاء كل ذلك على خلفية اغتيال بعض المثقفين والناشطين في طلب الحريات من رجال القلم, وقد فشل في الاستجواب الذي قدّم لوزير الثقافة في الاطاحة به, ووقف سياساته الانفتاحية تجاه حرية التعبير, وقد اتخذ مجلس الشورى الايراني طريقا آخر لضبط الحريات وتعطيل سياسة وزير الثقافة, وبالتالي سياسة الرئيس خاتمي نفسه في هذا الموضوع باللجوء الى التشريع, وقدم تشريعا يضيق على العمل الصحفي ويفرض قيودا عليه, وقد أقر مجلس الشورى قبل أسبوعين القراءة الأولى لهذا التشريع, وتجري مداولات ساخنة حوله بين النخبة الايرانية, وبمقتضى هذا المشروع, فإن جرائم الصحافة المتعلقة بالأمن القومي سوف يجري تقديمها الى المحاكم الثورية المعروفة بصرامتها في المستقبل, وليس أمام محاكم مختصة بالصحافة كما هو سائر الآن, مما يعزز القبضة على الرأى الخارج عن السرب. على هذه الخلفية من الصراع, ربما ضاق ذرع القوى الشابة التي وعدت بالانفتاح والحريات منذ وصول خاتمي الى السلطة, خاصة في الجامعات والمدارس, وحدثت الاضطرابات التي تفاقمت خلال الاسبوعين الماضيين وقادها الطلاب الذين ولد معظمهم بعد الثورة الايرانية. التاريخ لا يعيد نفسه, وليس من الممكن التكهن بما سوف تسفر عنه الأحداث في الأسابيع والأشهر المقبلة في ايران, ولكن المعضلة التي يواجهها الاصلاحي محمد خاتمي رئيس الجمهورية الايرانية ومؤيدوه ليست بالسهلة أو الهينة, فهو يمثل تيارا متناميا يتوجه الى الانفتاح في الداخل والخارج, وقد بدا تأييد هذه السياسة جليا في نتائج الانتخابات البلدية التي تمت منذ أشهر. وما أعمال الطلاب فاقدي الصبر الاخيرة غير اضافة تعقد من مهمة الاصلاحيين, وتتيح للقوى المحافظة ان تبرز بحجة الحفاظ على مكاسب الثورة ونبذ الفوضى. الطلاب ليسوا وحدهم فاقدي الصبر, بل بعض القوى الاقليمية والدولية التي وجدت نفسها تزج بتصريحات مؤيدة للاصلاحيين, وعندا تأتي مثل هذه التصريحات من بلاد كالولايات المتحدة, لايزال الشارع الايراني يحمل ما خلفته من سياسات في ايران أو الشرق الأوسط الكثير من المرارة تصب هذه التصريحات في مجرى المحافظين ويستفيدون منها ايضا بتسيير المظاهرات المضادة. كان الارجح لو سارت الأمور على سجيتها في ايران ان تخف حدة المحافظين في الانتخابات العامة المقبلة سنة ألفين, وكان المرجح ان يأتي برلمان ايراني اصلاحي يعضد من توجهات رئيس الجمهورية والذي سار في خط تصاعدي من سياسات سابقه هاشمي رفسنجاني, والذي يمثل طموح قطاع لا بأس به من الشعب الايراني, ولكن الامور في هذا الوقت بالذات تحتمل التوجهين, ان تصاعد القوى المحافظة من هجومها على الاصلاحيين أو ان يعاود الاصلاحيون أخذ زمام المبادرة من جديد ويحافظون على مواقعهم لحين الانتخابات المقبلة, وفي الحالتين, فإن الوضع في ايران اليوم لا يسر الصديق. في الخليج, كلما استقرت ايران وتطورت اقتصاديا وسياسيا, كان ذلك أوفق لحل بعض القضايا العالقة بين الضفتين, وتمتين مسيرة التعاون التي بدأتها القيادة الايرانية في السنوات الأخيرة مع بلدان الخليج, والعكس صحيح ايضا, فأي اضطراب في ايران يسبب عدم استقرار وقلقا في الخليج, ويزيد من عناصر التوتر, ويجلب المزايدة, ويضاعف فرصة التدخل الخارجي, وبين الضفتين تاريخ طويل تعززه المصالح المشتركة وتبرره الأحداث الماضية.