الآن وبعد أن هدأت نسبياً حدة الاحداث في ايران تبدو الصورة غير واضحة تماماً إزاء ما حدث خاصة وأن بداية الاحداث قد طرحت تساؤلاً بدا منطقياً والعالم يشاهد جموع الطلبة وهي تخرج في مظاهرات عارمة ضد المتشددين من رجال الدين, ذلك التساؤل طرح نفسه على النحو التالي : هل نحن أمام نفس المشهد الذي بدأت فصوله الاولى عام 1978 بمظاهرات محدودة في طهران سرعان ما اتسع نطاقها لتعم جميع أنحاء ايران ولتتطور إلى ثورة تطيح بواحد من اكثر عروش القرن العشرين قوة وفي ظل واحد من أقوى أجهزة الامن في العالم وأشدها قمعا؟ ولئن كانت الاحداث قد تحولت بشكل دراماتيكي في غير صالح الطلبة في اليوم الثامن اما بتخطيط من المتشددين وهو ما تكاد تجمع عليه الآراء, وإما لقلة خبرة الطلبة وهو أمر وارد أيضاً إلاّ أنه مستبعد إلى حد ما إلاّ أن صورة المظاهرات التي أدت الى انتصار الثورة عام 1979 والاطاحة بحكم الشاه والمجئ بالنظام الذي يحكم الآن في ايران فرضت نفسها بقوة على المشهد إذا علمنا أن الازمة التي واجهتها القيادة الدينية الروحية في ايران وهي أعلى سلطة إنما جاءت من نفس الجهة التي لعبت دوراً أساسياً في وصول هذه القيادة إلى سدة الحكم وهم طلبة الجامعة الذين قادوا أكبر حركة احتجاج جماهيري على رجال الدين المحافظين مطالبين باطلاق الحريات وتخفيف القيود على حرية التعبير وبسط سلطة الحكومة على قوى الامن والشرطة التي لا تخضع لرئيس الجمهورية محمد خاتمي على الرغم من مطالبته بذلك منذ ان تسلم الرئاسة حيث واجه تحديات كثيرة حتى أحرز في ديسمبر الماضي انتصاره الاول بارغامه وزارة الاستخبارات على الكشف عن عملائها الذين عملوا في فرق الاغتيالات التي قتلت خمسة من المثقفين اليساريين رغم السرية التي تحيط بها الوزارة عملها. ومما يلفت النظر أن شرارة الانتفاضة الطلابية التي لم يكتب لها الاكتمال قد بدأت بمظاهرة سلمية اشترك فيها نحو مائتي طالب يوم الخميس قبل الماضي احتجاجاً على اغلاق صحيفة (سلام) الموالية لخاتمي بحجة أنها نشرت مذكرة سرية لوزارة الاستخبارات وسيحاكم ناشرها آية الله محمد خوئينيا المقرب من الرئيس خاتمي امام محكمة خاصة برجال الدين بتهمة نشر وثائق سرية حول دور الاستخبارات في تقييد حرية الاعلام, ويلفت النظر أيضاً هنا أن خوئينيا كان زعيماً للطلاب الذين احتلوا السفارة الامريكية في طهران واحتجزوا طاقمها كرهائن عام 1979. وكان اغلاق الصحيفة حلقة في سلسلة تقييد الحريات التي ثار الطلاب عليها اذ سبقه مصادقة البرلمان من حيث المبدأ على فرض قيود مشددة على الصحف طرحها النواب المتشددون بهدف لجم وسائل الاعلام المتحررة قبل بدء الانتخابات للبرلمان الجديد في فبراير المقبل, والتي يخشى المتشددون أن تهدد مواقعهم خاصة بعد ان اسهمت الصحف الشعبية المعتدلة ــ التي تساند برنامج خاتمي الاصلاحي ــ في النجاح الكاسح للمرشحين الاصلاحيين في الانتخابات البلدية في فبراير الماضي. ومن شأن هذه القيود الجديدة أن تزيد من سيطرة الحكومة على الصحف والصحافيين عبر معاقبة الصحفي بصفته الشخصية وليس صحيفته وتحميله شخصياً مسؤولية ما يكتب وحظر استخدام الاسماء المستعارة مع حظر نشر أي شيء يسيء إلى سمعة رجال الدين أو يخرق (القيم الاسلامية) . إلاّ أن اكثر ما يلفت النظر ويشكل نقطة بارزة في حركة الطلبة هذه مساندتها للاصلاحيين الداعين للديمقراطية إلى حد الانتقاد الصريح والمكشوف لزعيم ايران الديني آية الله علي خامنئي, وهو الامر الذي يحدث للمرة الاولى منذ قيام الثورة. وقد تأرجح موقف خامنئي إذ أعلن في البداية حياده وعدم انحيازه لأي من التيارات السياسية في الصراع الدائر بين المحافظين والليبراليين مندداً بتصرفات رجال الشرطة في مواجهتهم مع الطلاب ومعارضاً لأعمال العنف التي مارستها (قوى الضغط الخفية) في اشارة إلى ميليشيات حزب الله, خاصة وأن تصعيد الطلبة لحركة احتجاجهم لم يأت إلا بعد هجوم انصار حزب الله ورجال الشرطة على المساكن الجامعية لطلاب جامعة طهران, ولكنه سرعان ما عدل عن موقفه هذا بعد تصاعد الاحداث وأعمال التخريب التي حدثت في البازار والتي اتهم الليبراليون وانصار الاصلاح مندسين من المحافظين بارتكابها لتصعيد الموقف فكان أن أصدر مرشد الثورة أوامره يوم الاربعاء الماضي لأجهزة الأمن والميليشيات بقمع المتظاهرين لتنقلب الامور على الطلبة لصالح المتشددين. ورغم أن الحركة قد شكلت لها مجلساً منتخباً منذ بداية الاحداث إلا أنها افتقرت إلى قيادة معروفة, وكان واضحاً أنها لا تسعى الى الوصول للسلطة بقدر ما كانت تهدف الى تهيئة الجو للرئيس خاتمي ــ الذي جاءت به الى سدة الرئاسة جموع المثقفين والنساء والشباب عن طريق صناديق الاقتراع عام 1997 ــ كي يبادر الى تنفيذ برنامجه الاصلاحي الذي يلبي مطالبها بعد وضع كل السلطات في يده خاصة اجهزة الامن والشرطة والقوات المسلحة التي هي تحت سيطرة المتشددين بالاضافة الى البرلمان والقضاء, إلا أن خاتمي وجد نفسه هو الآخر مضطراً ــ بعد امتداد التخريب الى البازار ــ إلى ادانة التظاهرات الطلابية واعتبارها انحرافات سيجري قمعها بقوة وتصميم, الأمر الذي افقده جزءاً كبيراً من رصيده, وكانت النتيجة أن غاب تماماً عن الصورة خلال المظاهرات التي نظمها المتشددون يوم الخميس الماضي لمناصرة مرشد الثورة آية الله خامنئي رافعين صوره ومعلنين ولاءهم للقيادة الدينية. ورغم ذلك فان اكثر الاسئلة الحاحاً الآن هو ذلك المطروح عن مقدار الهزة التي تعرضت لها مكانة القيادة الدينية المتمثلة في (ولاية الفقيه) وحجم المساندة التي مازالت تتمتع بها من قبل طلاب الجامعة واساتذتهم الذين يشكلون قوة شعبية لها مكانتها وقدرتها على احداث التغيير في المجتمع الايراني رغم ما ظهر من كبح جماحها في الاحداث الاخيرة, ذلك ما اكدته الاحداث قبل عشرين عاماً عندما واجهت هذه القوة نظام الشاه واجهزته الامنية والقمعية المعروفة ببطشها وقوتها. فهل تغيرت الظروف الآن نحو دفع هذه الحركة ــ من الجيل الذي نشأ في كنف الثورة ــ إلى مزيد من القوة أو العكس؟ هذا هو السؤال الذي طرحته الاحداث الاخيرة والذي يترقب الجميع جوابه.