حصلت حكومة باراك الائتلافية على اغلبية كبيرة في جلسة الثقة في الكنيست وصلت الى تأييد 75 نائبا دون النواب العرب وقد احتوت الحكومة على طيف واسع من الاحزاب الاسرائيلية من اليمين الى اليسار كما اعادت الى السلطة ثمانية وزراء كانوا في حكومة نتانياهو الساقطة. وقد اعطى التأييد الكبير لحكومة باراك في الكنيست الانطباع بقدرة هذه الحكومة على السير بعملية السلام وتحقيق انفراج على المسارات التفاوضية من جهة وقدرتها على تحقيق الوحدة داخل المجتمع الاسرائيلي الذي يعاني من استقطابات حادة من جهة اخرى. في العادة تمنح الحكومات الجديدة في اسرائيل فرصة المائة يوم للحكم على ادائها في الاتجاهات التي قررتها الخطوط الرئيسية لسياسة الحكومة ولكن مع حكومة باراك غير المتجانسة والاداء التفاوضي الائتلافي يمكن القول ان هذه الحكومة الواسعة لن تصمد على ذات السعة مع التقدم سواء على مستوى عملية السلام ام على مستوى السياسة الداخلية الاسرائيلية الا اذا اراد باراك حكومته حكومة شلل لا تريد ان تقدم على اية خطوات الى الامام. ان التقدم في عملية السلام لا يمكن ان يكون جديا دون اتخاذ اجراءات على مستوى الاستيطان وعلى اقل تقدير كتلك الاجراءات التي اتخذتها حكومة رابين واعتبرتها الاحزاب اليمينية الاسرائيلية في حينها سياسة تجفيف الاستيطان رغم انها زادت نسبة المستوطنين 50% وسياسة من هذا النوع لا يمكن جمعها مع الاحزاب اليمينية مثل حزب المفدال الديني وحزب (اسرائيل بعليا) وهو حزب المهاجرين الروس. فأي تقدم في عملية السلام يحتاج الى اشارات من الحكومة الاسرائيلية تعطي مصداقية امام العالم واهم هذه الاشارات تتعلق بالاستيطان الذي يتعرض لانتقادات واسعة حتى من الادارة الامريكية. واعطاء اشارات من حكومة باراك بشأن الاستيطان سيقلص من اتساع الحكومة بانسحاب حزب المفدال الذي يعتبر حزب المستوطنين وفي الوقت الذي سيواجه باراك ضغوطا من الاحزاب الداعمة للاستيطان سيواجه ايضا ضغوطا اخرى من حزب ميريتس لاعطاء الاشارات الايجابية بشأن الاستيطان وتجميده وقد رفع باراك من التوقعات بشأن التقدم بعملية السلام على كل المسارات دون اعطاء الاولوية لمسار على حساب الاخر وهذا ما قاله اثناء زيارته الخارجية الاولى الى مصر. ولا يكمن التنافض في حكومة باراك بين دعاة الاستيطان ودعاة تجميده فحسب فهذه الحكومة تعاني من تناقض اخر يخترق المجتمع الاسرائيلي وهو التناقض بين المتدينين والعلمانيين ففي الوقت الذي تضم حكومته اليسار العلماني ممثلا ميريتس فهي تضم ايضا حزب شاس الديني وقد قامت حملة كل من الطرفين في مواجهة الاخرى وقد وعد باراك اثناء حملته الانتخابية بصياغة القوانين الاساسية وعلى رأسها الدستور وفرض الخدمة الالزامية على طلاب الدراسات الدينية الذين تعارض حركة شاس خدمتهم في الجيش. وبالتالي فان اي اجراء يتعلق بتأييد هذا الطرف او ذاك في الصراع العلماني الديني في اسرائيل سيواجه باراك بتمردات من احد الطرفين. الحكومة الاسرائيلية الموسعة حكومة غير متجانسة تحمل في طياتها تناقضات متعددة وهذا لا يعني ان حكومة باراك معرضة للسقوط القريب ولكن وكما يعتقد العديد من المحللين الاسرائيليين فان حكومة تحتوي هذا الخليط غير المتجانس لا يمكن ان تستمر اكثر من عام وبذلك ستعود هذه الحكومة الى وضعها الطبيعي حسب الخيار الذي يريده باراك واذا اختار التقدم على المسارات التفاوضية فان هذه الحكومة ستعود الى حجمها الطبيعي المتجانس بتلقص الحكومة على حزب العمل والاحزاب اليسارية وفي مثل هذه الحالة ستعود الى ما لا يرغبه باراك من اعتماد حكومته علي اصوات العرب حتى لو كان ذلك من خارج الائتلاف الحكومي لتشكل بالنسبة له شبكة امان من السقوط كما شكلتها لحكومة رابين. يفضل باراك العمل وحيدا ونجاحه في المفاوضات الائتلافية لم يشبه سوى التوتر الذي ساد حزب العمل عند توزيع الحقائب الوزارية على اعضاء الحزب حيث استبعد من التشكيلة الوزارية كلا من عوزي برعام وابراهام بورج اللذين كانا على رأس قائمة الانتخابات الداخلية للحزب وتم تعيين الذين يكنون ولاء مطلقا له. وقد عانى من اول فشل بعد ان دعم اعضاء الحزب ابراهام بورج كمرشح لرئاسة الكنيست في مواجهة شالوم سيحون الذي حاول باراك فرضه على الحزب كما استبعد باراك حمائم حزب العمل عن المواقع المؤثرة في تقرير عملية السلام حيث تسلم يوسي بيلين حقيبة العدل وشلومو بن عالي وزارة الامن الداخلي وهذا السلوك فسره بعض المراقبين بطبيعة باراك كرجل عسكري لم يتخلص من التقليد العسكري في ممارسته السياسية والبعض فسره بالاقتراب من الاداء السياسي لنتانياهو والذي اعتبر السبب الرئيسي للمصير الذي حل برئيس الوزراء السابق ويحذر البعض باراك من ان امعانه في هذا السلوك سيعرضه لان يعاني مصير نتانياهو. كاتبة فلسطينية