تحاول واشنطن منذ بعض الوقت أن تجمع بين الحزبين الكرديين الرئيسيين في شمالي العراق, على قاعدة العداء للنظام في بغداد. لكن لا يبدو ان جهودها هذه تحقق نجاحا كبيرا . والسبب انه رغم الخلافات الموجودة بينهما وبين بغداد, الا ان وضعية الأكراد في العراق عموما هي أعقد بكثير من أن يتم اختزالها في كلمتي ضد أو مع. فما هي مشكلة الأكراد في شمالي العراق؟ يعتبر الشعب الكردي من الشعوب العريقة في المنطقة. وقد استوطن أفراده منذ قديم الزمان (حوالي الألف الثاني قبل الميلاد) الأراضي الواقعة اليوم في غربي ايران وشمالي العراق وشرق وجنوب شرق تركيا والشريط الممتد على طول الحدود التركية السورية.. وبمساحة اجمالية تقدر بـ 410 آلاف كليو متر مربع. وهناك من المؤرخين من يميل إلى اعتبار ان سفينة نوح التي ورد ذكرها في القرآن الكريم قد رست بعد الطوفان في كردستان, وان الجبل الذي رست عليه السفينة والمعروف بـ (الجودي) ليس سوى جبل (قرارات) الكبير. والأكراد من الشعوب الجبلية, أي تلك التي تعيش وتسكن في الجبال, وتتميز منطقة كردستان عموما بالارتفاع, بما في ذلك سهولها. ولهذا السبب لم تستطع الفتوحات العربية الاسلامية اختراق هذه المناطق وتعريب الأكراد, رغم اعتناقها للاسلام. والأكراد في هذا مثلهم مثل الأتراك والفرس, الذين رغم اسلامهم ظلوا متمسكين بلغتهم وهويتهم القومية. والسبب الجغرافي نفسه هو الذي يجعل اليوم من السيطرة الكاملة على الأكراد أمرا متعذرا ومكلفا من جانب الحكومة العراقية, أو الحكومتين الايرانية والتركية. ولهذا رضخت هذه الحكومات وبصورة متفاوتة إلى الاستجابة لبعض المطالب الكردية السياسية والثقافية. وفي العراق مثلا منح الأكراد, منذ السبعينات, حكما ذاتيا واسع الصلاحيات, بما في ذلك انشاء حكومة محلية, وحق استخدام اللغة الكردية في التعليم والحياة اليومية. وهو ما لم يحظ به الأكراد في أي من الدول التي يعيشون فيها. لكن العلاقات بين الأكراد والحكومة العراقية, لم تكن دائما سهلة أو سمناً على عسل كما يقال. فبعيد انتهاء حرب الخليج الثانية أغرى الضعف الذي اعترى الحكومة المركزية في بغداد, التنظيمات الكردية بالتمرد, ومحاولة السيطرة على المحافظات الست التي تؤلف منطقة كردستان العراق. والواقع ان هذه التنظيمات (وأبرزها حزب البارزاني: الحزب الديمقراطي, والطالباني الاتحاد الوطني) لم تكف عن مقاتلة الحكومة العراقية طوال الحرب مع ايران وما بعدها. ورغم قيام بغداد بسحق التمرد الكردي بعد حرب الخليج, غير ان قوات الحلفاء, فرضت أمرا واقعا في هذه المناطق, يقضي بتوفير الحماية للأكراد. وعمليا تم عزل ثلاث محافظات كردية عراقية هي السليمانية وأربيل ودهوك, وأخضعت لادارة محلية من جانب الفصيلين المتنازعين. وساعدتهم الولايات المتحدة فيما بعد, على تشكيل حكومة وبرلمان. لكن هذه الحكومة لم تلبث ان انهارت بعد ان دب الخلاف بين الفصيلين, ونشب القتال والتناحر على الضرائب والاتاوات المالية على حركة التجارة المارة في المنطقة. وقد نجحت الولايات المتحدة, بعد محاولات عديدة, في الفصل بين المتقاتلين وتثبيت وقف لاطلاق النار منذ عامين تقريبا. غير انها لم تنجح في اقناعهما بالعودة إلى تجربة الحكم المحلي المشترك, حتى هذا اليوم. وعمليا ظلت جماعة البارزاني تسيطر على اربيل بالاضافة إلى دهوك, فيما تسيطر جماعة الطالباني على السليمانية, واستأثرت الأولى بعائدات الضرائب الأساسية. والواقع انه خلال السنوات السبع الماضية, ظهر بعض التمايز في الموقف من الحكومة المركزية في بغداد. فالبارزاني أبقى لنفسه مسافة قريبة مع الحكومة, واتصالات من حين لآخر, بينما وطد الطالباني تحالفه مع ايران, وان لم يقطع شعرة معاوية مع بغداد. لكن في الاجمال حافظ الفصيلان الكرديان على شعار البقاء داخل العراق وعارضا أية نزعات انفصالية. كما رفعنا الاشتراك بصورة مباشرة في المخطط الأمريكي الهادف للاطاحة بالحكومة العراقية, وان ظلا في الوقت نفسه يدوران في فلك السياسة الأمريكية. هذا الموقف الحذر والمتأرجح بين الولايات المتحدة وبغداد تمليه عدة اعتبارات, الرئيسي منها هو ان الأكراد مستفيدون من الوضع الحالي واستمراره في العراق - أي وضع الحصار والعقوبات من جهة وضعف السلطة المركزية من جهة أخرى. فهو يوفر لهم مداخيل مالية جيدة عن طريق الضرائب التي يتقاضونها على حركة التجارة الناشطة بين العراق وتركيا وعلى انبوب النفط المار من كركوك إلى ميناء جينهان التركي, بالاضافة إلى حصتهم من اتفاق النفط مقابل الغذاء. كما يوفر لهم الوضع الحالي استقلالية سياسية لادارة شؤونهم وسيطرة ميليشياتهم على المناطق الواقعة تحت سلطتهم. في الوقت نفسه يستفيد الأكراد من المساعدات الحكومية (النفط, لوازم التعليم وغيرها) بفضل استمرار شعور بغداد بالمسؤولية عن هذه المناطق ورغبتها في عدم اعطاء أي ذريعة للانفصال. لذلك ليس من مصلحة الفصائل الكردية رؤية نهاية قريبة للوضع الحالي. من الجهة الأخرى لا يريد الأكراد أن ينضووا من جديد تحت لواء بغداد فيخسرون كل هذه الامتيازات, بما في ذلك رعاية وحماية الولايات المتحدة. ولا يريدون أيضا أن يذهبوا بعيدا مع المشاريع الأمريكية, خشية الانتقام من جانب الحكومة العراقية. ان لسان حالهم يقول: الانتظار.. إذا نجحت الولايات المتحدة في سياستها, فإنهم معها, وإذا نجحت بغداد فإنهم أيضا معها. من جهتها لا تستطيع الحكومة العراقية في ظل أوضاعها هذه أن تحاربهم طويلا, بينما تحتاج الولايات المتحدة إليهم, فبدونهم لا توجد معارضة عراقية حقيقية. إن الأكراد يدركون هذه الحقائق, لذلك فهم يستثمرونها بذكاء لصالحهم, ففي النهاية هم ليسوا في عجلة من أمرهم. * كاتب بحريني