يظهر ان الدعوات الوطنية المخلصة التي ظهرت أخيرا وبقوة, تطالب السلطات الاتحادية العليا والمجلس الوطني والرأي العام بالتصدي لخطر الخلل الذي اصاب منظومة التركيبة السكانية, قد اثارت حفيظة البعض وأصابتهم في الصميم , فبدأوا يفكرون كالمذعورين الذين يبحثون عن غطاء أو حيلة تحمي مصالحهم الظاهرة والخفية. وسرعان ما تحول هذا الذعر لديهم الى خلط للأوراق والأفكار والحقائق الواضحة حتى لغير المبصرين. وحينما يتحول خلط الاوراق والحقائق الى حرفة يتسلل من خلالها اناس كان من المفترض ان يكونوا اول المدافعين عن قضاياهم الوطنية, يكون الخطر هنا اعظم وأشد وتكون علامات الاستفهام اكثر غموضا, خاصة اذا كان البعض يرى الصورة من زاوية ضيقة ثم يصدر حكما قاطعا عليها, ويستخدم اساليب ملتوية ظاهرها ناعم وباطنها مسموم حتى يقنع الناس انه رأى كل التفاصيل. هنا يتضح الخطر الحقيقي والمخادعة الكبرى, سواء كان ذلك بحسن نية أو سوء نية. وهذا ما وقع فيه الكاتب محمد خليفة في مقاله المنشور في جريدة (البيان) 12 يوليو 1999 تحت عنوان (عفوا سعادة اللواء... العالم تغير) . قد تكون هذا الطريقة الناعمة مفيدة في بعض القضايا, لكنها في قضية الخلل الخطير الذي اصاب التركيبة السكانية في دولة الامارات يصبح الأمر فضيحة كبرى, وتفتح مجالا واسعا للكثير من التساؤلات عن الهدف الحقيقي لأصحاب هذه الدعوات والكتابات. دعوات غريبة فرغم كثرة الدراسات والأبحاث والرسائل العلمية والمحاضرات والكتابات والندوات والمؤتمرات العلمية التي عقدت, محللة ومستعرضة السلبيات التي اصابت المجتمع من هذا السيل المتدفق من العمالة, ورغم خطورة وأهمية ما كتبه الأديب والكاتب محمد المر في كتابه (آمال وطنية) منبها المجتمع الى الخطورة التي وصل اليه الوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلد, من جراء تزايد هذه العمالة وسيطرتها الكاملة على أبرز مكونات الاقتصاد المحلي, ورغم ان الرموز التي شاركت في فعاليات تلك الندوات العلمية حول هذه القضية أو الاقلام التي كتبت في صحافتنا المحلية حول مخاطر هذه القضية, والتي لا يمكن لأحد ان يزايد على وطنيتها وثقلها ومكانتها وتعبيرها عن ضمير الامة, رغم كل المؤشرات الخطيرة التي تم ذكرها حول هذا الخلل السكاني, الا ان كاتب المقال اباح لنفسه ان يصف كل هذا الكم الهائل من الابحاث والدراسات والكتابات والدعوات الوطنية بأنها ما هي الا وهم وتهريج و(هوجة) وعنصرية وخداع وأحلام يقظة, وان هذه المجموعة التي تكتب وتتحدث وتطالب وتدعو ما هي الا رموز اجتمعت وكتبت لتمارس التهريج والوهم, وانهم في حاجة الى من يعلمهم كيف يحبون وطنهم ويخافون على مصلحته, وكيف يعبرون بصدق عن المخاطر التي قد تعبث بأمنه. وأيضا استباح لنفسه ان يطلق المفاهيم والكلمات والعبارات ويعممها, ويحاول بها ان يحط من قدر الرموز التي تقود حركة رفض المخاطر التي قد يتعرض لها الوطن من جراء الخلل في التركيبة السكانية, لوجود العمالة الوافدة ويتعامل معهم وكأنهم تلاميذ صغار يحتاجون الى من يعلمهم كيف يعالجون المخاطر التي قد تصيب بلدهم. وهذه المقالة هي تكملة لسلسلة الحلقات والدعوات الخطيرة السابقة, والتي انطلقت منذ فترة مطالبة بإعطاء الأجانب حقا شرعيا لتملك شركاتهم في الامارات بنسبة 100%. ولولا تصدي الأخ محمد المر لمثل هذه الدعوات وكشف مضامينها للرأي العام في مقاله المنشور بجريدة (البيان) في 24 مايو 1999 تحت عنوان (دعوة غريبة مرة أخرى) , فقتل هذه الدعوة في مهدها, لحدثت كارثة حقيقية للمجتمع بأكمله. فقد استعرض من خلال المقال كل الحقائق المرة التي وصل اليها وضع المواطن في بلده من جراء السيطرة الاقتصادية التي اصبحت في يد العمالة الوافدة, حتى وصل الامر الى ضرب المواطن في رزقه وتجارته وأدخلته في كارثة حقيقية جرّت على ابناء الوطن المحن والمآسي الكثيرة وهذا ما حدث في سوق الاسهم وشركات توظيف الاموال, ثم تلت هذه الدعوة بعض الدعوات المبطنة لتجنيس العمالة الوافدة كحل لهذه الازمة. وخطورة هذه الدعوات تمثلت بوضوح في مقال د. نادية بوهناد المنشور بجريدة (الخليج) في الثاني من مايو 1999 والذي طالبت من خلاله السلطات الاتحادية بتجنيس الازواج الوافدين المتزوجين من مواطنات. ونسيت أو تناست ان الدولة اغلقت باب زواج الوافد من مواطنة بعد ان اتضح للسلطات الاتحادية ان هذا الزواج في اساسه مبني على مصالح مادية لا تخدم الوطن ولا تخدم بنات الوطن. بل ان الكثيرات منهن تم استغلالهن من قبل الزوج الوافد في امور خاصة بمصالحه الشخصية. حتى الابناء اصبحوا يعيشون ثقافة مزدوجة مثلما يعيش ابناء الزوجة الوافدة, وسجل المحاكم يمتلىء بمثل هذه القضايا خاصة وان تجربة تجنيس الزوجة قد استغلها البعض لأهداف تجارية بحتة تم من خلالها اغراق البلد بتأشيرات لكل معارف الزوجة وأقاربها وحتى من لا تعرفهم, فقط لأغراض مادية. وأذكر ان احدهم بعد ان تسلمت زوجته جواز السفر رمته امام زوجها متسائلة (ماذا سوف استفيد من هذا الجواز الآن في اموري المادية) ؟ وسط دهشة واستغراب الزوج. لكن يظهر ان عقم التفكير في ايجاد حلول مناسبة وعدوى تقليد الغرب, لم تقتصر على تقليده في اللغة والمأكل والمشرب والملبس والاغاني الراقصة وتقاليع الموضة, بل حتى في مسألة التجنيس. ونسي او تناسى هذا البعض اختلاف الظروف والقيم والعادات والتقاليد والبيئة والدستور والدين والملامح والسمات الشخصية والوطنية, وأمور اخرى كثيرة قد لا يعرفها اصحاب هذه الدعوات الداعين الى التجنيس. فتعامل الدولة مع مسألة التجنيس بحذر.. يعود الى ان الدولة من خلال تجربتها العملية, اتضح لها ان اهداف الراغبين في التجنيس تتركز في الحصول على منافع مادية بسبب ثراء الدولة, وان الرغبة للانتماء المطلق لا يمكن التأكد منها أو سبر أغوارها في ظل الاغراءات المادية التي تدفع الكثيرين لطلب الحصول على الجنسية. ولا يكون الاختبار والتأكد من هذه الحقيقة الا في حالة الأزمات الكبرى التي تتعرض لها الدولة لا قدر الله, والتاريخ حافل بمشاهد من هذا النوع. حياة أو انقراض واذا كانت تلك الدعوات واضحة وصريحة, فإن ما يميز مقالة محمد خليفة عن تلك الدعوات هو المخالطات وقلب الحقائق. فما يسميه في مقالة (رفض الآخر) هو في الحقيقة (جرس انذار) , بعد ان زاد الكيل عن حده واتسعت الفجوة الحاصلة بين المواطن في وطنه وبين الوافد, بحيث اصبح الامر لا يحتمل ولا يحتاج الى جدال أو منافسة أو مساومة أو مراوغة أو تسامح أو تعاطف. فالمسألة هي مسألة حياة أو موت, بقاء أو انقراض, ذل أو رفعة, خاصة عندما تتحول الارقام الى حقائق وتتحول نسبة اجمالي عدد سكان الامارات التي كانت في عام 1970, 56% للمواطنين و44% لغير المواطنين, الى 18% للمواطنين و82% لغير المواطنين بحلول عام 2000. هنا يكون الامر قد وصل الى ما فوق مرحلة الخطر بأميال, وليس امامنا الا ان نقاوم هذا الخطر بكل السبل والوسائل الممكنة والمتاحة قبل ان يطفح الكيل ويصبح مصيرنا مثل مصير الهنود الحمر في امريكا, أو مثل مصير السكان الاصليين في بعض الدول الآسيوية والافريقية. ان هذا الانفلات في حركة تدفق العمالة الوافدة بأساليب تجارية بحتة, كان له دستور خطير في اصابة التركيبة السكانية بالخلل, حصل من خلالها تجار التأشيرات على مليارات الدراهم, وحصد الوطن من خلالها ظواهر امنية خطيرة تمثلت في انتشار جرائم المخدرات والتي بلغت خلال النصف الاول من عام 1999 فقط في امارة دبي 60%, وقضت على نسبة كبيرة من شباب الوطن وبلغت الجرائم الاخلاقية 86 قضية, والسرقات 652 جريمة, وجرائم المال 1615 وجرائم العرض 127 وجرائم التعدي على النفس 233 وتعاطي المشروبات الكحولية 559 وقضايا السحر والشعوذة 20 قضية بلغت الخسائرالمالية للمتعاملين معها 3 ملايين (الخليج 15/5/999). هذا بالاضافة الى جرائم شركات توظيف الاموال والتي بلغ حجم الايداعات فيها 3.2 مليارات درهم, طبقا للارقام التي تم حصرها من قبل المصرف المركزي, واجمالي البلاغات المقدمة من المودعين على 15 شركة 1064 بلاغا كلها تطالب باسترداد ودائعهم, وعدد ضحايا شركة واحدة منها بلغ 2300 شخص, كلهم يعانون اليوم من حالة فقر وعوز وعجز عن توفير حتى الطعام وديون لا تنتهي. وأخطر تلك الجرائم عملية تزييف البيانات في جوازات السفر وفي السجل الاجرامي لهذه العمالة, فبعضهم يكون لديه سجل اجرامي في بلده او في دولة اخرى ويدخل البلاد ببيانات مزورة, ونسبة الجرائم المروعة التي ارتكبت خلال العقود الماضية تؤكد ذلك. هذا غير القضايا التي تتم في الخفاء دون ان يتم رصدها او القضايا التي حدثت منذ اواخر السبعينات, بدءا من مسلسل اغتصاب الاطفال وقتلهم مرورا باختلاس ملايين الدراهم من المال العام والهرب بها خارج الدولة, أو تصفية الحسابات التي تقوم بها بعض عصابات المخدرات الآسيوية والتي تشبه تفاصيل احداثها بعض ما نشاهده في الافلام الهندية او الروايات الاجنبية, وقد تكون هناك فئات مندسة داخل اوكار تجسسية في بعض المرافق التجارية وأخيرا ضياع لغتنا العربية. وصاحب كل ذلك كم هائل من المخاطر والقضايا التي اصبحت ترهق كاهل وزارتي الداخلية والعدل, وتضيف اعباء ادارية ومالية باهظة على كاهل الدولة وعبئا كبيرا على الخدمات والمرافق, بالاضافة الى زيادة الالتزامات الحكومية تجاه هذه الجماعات الوافدة, منها زيادة الاعباء على رجال الامن لحفظ النظام. ورغم ان الدولة بأجهزتها الامنية تسيطر على هذه التجمعات, الا ان الخطورة بدأت تتضح من وجود هذه الكثافة السكانية للعمالة الوافدة, هذا غير ذوبان الهوية الثقافية لأفراد المجتمع والتي بدأت واضحة على السنة ولكنات وسلوكيات اطفال وشباب الامارات. ثمن مضاعف وما يروجه الكاتب في مقاله عن وديان العرق التي بذلها الوافدون, فنحن لا ننكر ان الاخوة الوافدين شاركونا في البناء ولكن لم تكن مشاركة مجانية او انسانية او عاطفية بحتة كما يقول, بل كانت بثمن دفعته الدولة مقدما من ميزانية اجيالها المقبلة. والثمن اخذه الوافد الاجنبي مضاعفا, عشرات المرات مقابل ما يحصل عليه في بلده, ثم ان هذا الثمن عاد عليه وعلى بلده بمشاريع تنموية وتحسن في ظروفه المعيشية. ويكفي ان اشير الى ان التحويلات السنوية والتي تقدر بعض المصادر انها بلغت ما يقارب 30 مليارا اصبحت مصدرا اساسيا في ميزانية بلدان العمالة الوافدة. لذلك عندما تشعر تلك البلدان بأي خطر قد يعرقل سلامة وجود عمالتها بيننا تعقد المؤتمرات وتعقد في برلماناتها جلسات خاصة وتتخذ القرارات لتثبيت العمالة في بلداننا, وتجربة رئيسة وزراء الهند السابقة انديرا غاندي بخصوص العمالة الهندية غير الشرعية عندما تعرضت لخطر التسفير, خير دليل ان الدس المسموم الذي يستخدمه بعض اصحاب الكتابات والدعوات بين السطور في هذه المرحلة الحرجة التي تجتازها دولتنا نحو قضاياها الوطنية, قد يؤدي بالمجمع الى كارثة حقيقية. وكنت أتمنى ان يستخدم اصحاب هذه الدعوات والكتابات اقلامهم وكلماتهم وعباراتهم ودعواتهم لتدعيم الوعي الاجتماعي, وليس وسيلة لتزييف وقلب الحقائق. وكان من الافضل قبل ان يطالب اصحاب تلك الدعوات بحقوق الآخرين ان يطالبوا بحقوق المواطن في بلده, حقوقه في ان يمارس تجارته بشكل آمن دون ان يتكالب عليه البعض في سوق التجارة لضرب مشروعه وتوريطه في خسارة فادحة, أو حقوقه في وظيفته دون ان يمارس عليه بعض الوافدين الاجانب اساليب متنوعة من الضغوط والمضايقات حتى يترك العمل غير مأسوف عليه, او حقوقه في الامتيازات التي قد لا يحصل عليها في بعض الشركات الا بعض الجنسيات الوافدة, حتى ولو كان المواطن يتفوق عليهم علما وتعليما وثقافة ومهارة وخبرة وذكاء, وحقوقه في الكثير من المهن والوظائف التي لا يحق له ان يمارسها حتى ولو توفرت لديه كل الشروط المطلوبة.. حقوقه ان يكتب ويتكلم ويتعلم بلغته العربية في دولته العربية. وأخشى ما أخشاه ان يكون هذا المقال بداية لظهور (لوبي الطابور الخامس) , فالاحداث التاريخية والمعاصرة عودتنا على المفاجآت. ونحن هنا نحذر من ان مثل هذه الدعوات والكتابات التي تمس مصلحة الوطن وقضاياه الوطنية قد تكون (مؤامرة) خطيرة ضد الوطن وأبنائه في بلده الام. وننبه من عبث الذين يعملون في الخفاء, وعبث الذين لا يعلمون او يجهلون حقائق الامور وخطورة وضع التركيبة السكانية او الذين تعجبهم (بهلوانيات الأفكار) . كاتب وباحث من الامارات