الأخطاء التي ترتكب في حق الوطن كثيرة, والذين يرتكبونها بشر غير أسوياء اطلاقا, اما لانهم لا يمتون للوطن بصلة, واما لانهم اغتالوا مراكز الاحساس في ذواتهم ليخطئوا في حق الوطن بدم بارد ! هذا النوع من الأخطاء لا يبرر بالضعف الانساني لان الذي يتورط فيه يدمنه, فيظل الخطأ يتبع صاحبه, ويتمدد في كل مكان يتواجد فيه, انه النتاج الأكثر بشاعة في تاريخ الإنسان, وحين يصبح ايذاء الوطن هواية, يصبح البحث عن مخرج انقاذا للوطن وليس لهؤلاء الحمقى أبدا. يوم نتحدث عن الوطن لا نزايد على انتمائنا, وحين ننادي بكشف الاخطاء وتحديها, فنحن لا نتحدى الوطن ولا نعاقبه, نحن نتحدى الحماقة ونقاتل الخطأ ونزداد تعلقا بالوطن. وليس منا مواطن واحد لا يعتقد بأن أول خطأ نرتكبه في حق الوطن هو الا نحبه, وأول دلائل عدم الحب هو النظر إليه على انه وظيفة وراتب وتذاكر سفر وهواتف نقالة ومنازل فخمة وامتيازات مادية باذخة. الوطن ليس وكالة توظيف أبدا, وليس فندقا بخمس نجوم, ولذلك نحزن كثيرا حينما يلعن البعض الوطن لان أناسا يسكنون منازل فخمة وهم لا يملكون, أو يصبون جام غضبهم على الوطن لان رواتبهم لا تتناسب مع متطلباتهم أو ... تسير بك السيارة مخترقة قلب الجبال وتسير بك (العبرة) مخترقة قلب الخور, وتحملك قدماك مخترقة شرايين المدينة التي ما عادت مدينتك, فتشعر بأنك تخترق قلب الوطن, تلتفت في كل الاتجاهات تبحث عنه, تريد أن تزداد التصاقا به, تبحث عن جزيئاته الحقيقية التي بعثرها الغاز والبترول وركام القادمين من كل المرافئ, تركض خلف الحقيقة تريد أن تقبض عليها قبل أن تتلاشى في زحام الشوارع, وعلى أسفلت الموانئ وفي انفاق المشاة, ودكاكين البائعين الغرباء, لكنك تشعر بأن الزمن يسرق منك الوطن بلا هوادة وبشراسة, وبأنك بحاجة إلى أحذية من ريح كي تسابق الزمن, وتعلم بأنك لن تقدر على ذلك بعد كل هذا الذي حدث ويحدث! تساءلت كثيرا كيف يتأسس الوطن في داخلنا, ولماذا نحبه وهو ليس أكثر من تراب وهواء ومجموعة منازل, وحارات موجودة في كل مكان في العالم, وحفنة من البشر يحبونه احيانا ويغتالونه بخياناتهم وسرقاتهم أحيانا كثيرة؟ وعرفت بأننا لا نتعلم حب الوطن في المدارس فهذه لم تعلم طلابها كيف يحبونه, ولا في دروس التربية الوطنية وكتب التاريخ فهذه ترسم الوطن بشعا لا روح فيه, ولا في وسائل الاعلام فهذه لا تعرف من الوطن سوى حفلات الاستقبال والكرنفالات والمراكز التجارية, والوطن ليس ذلك كله! أتعبونا وهم يلقنوننا حب الوطن على انه طبق من طعام وزجاجة مشروبات غازية وشوارع مرصوفة, ونشيد لم نعرف كيف نقنع طلابنا بضرورة ترديده فصرنا نعاقبهم بدل ان نبكي معهم! نحن نتعلم حب الوطن في رحلة الغيب وما قبل الميلاد ثم نولد به, وننمو فيه ومعه, هذا الحب الذي نولد به يصير وشما مطبوعا على الشرايين, يتوحش كل ما فينا إذا ما طال وجه الوطن أذى, أو حاول أحد أن ينال منه ولو بكلمة, وسواء كان وطني على حق أم على خطأ وسواء كان فقيرا أم غنيا جميلا أو غير ذلك, فإنه يبقى وطني, وعلي أن أحبه... ولا خيار.