كان المرحوم المستشار (حكيم منير صليب) رئيس محكمة الدولة العليا التي حاكمتنا بتهمة التحريض على مظاهرات 18 و19 يناير 1977 الشهيرة, وواحداً من القضاة الذين تفخر بهم مصر , وكنا نسيء الظن به في بداية المحاكمة, فقد كنا نتعرض لحملة رسمية مكثفة يقودها الرئيس (السادات) بنفسه تتهمنا بأننا قلة منحرفة وشرذمة من العملاء تعمل لحساب العدو الاسرائيلي, ورداً على ذلك قررت هيئة الدفاع عنا تكبير القضية لتتحول الى (محاكمة للنظام) وطلبت الاستماع الى شهادة رئيس الوزراء ونصف الوزراء, لكن رئيس المحكمة اصر على انه لن ينظر في شيء, او يستمع الى قول خارج نطاق ما ورد في أوراق القضية من وقائع وأدلة وشهود على الاتهامات. ولم ندرك الا فيما بعد, وحين اصدرت المحكمة حكماً ببراءتنا جميعاً, ان المستشار (حكيم) كان حكيماً فعلاً.. اذ كان قد اقتنع من قراءته لملف القضية بأنها تخلو من اي دليل جدي على صحة الاتهامات, فلم يجد مبرراً او مصلحة لنا في تكبير الموضوع بما يحوله الى صراع صريح بيننا وبين الحكومة, سوف نكون بحكم موازين القوى الخاسرين فيه.. وقد يعرضه لضغوط تحرجه, في حين اننا يمكن ان نكسب القضية اذ حصرنا الامر في نطاقه المحدود وعالجناه بالاسلحة التي تضمن لنا ان نكسبه. وكان المستشار (حكيم) ــ فضلاً عن حكمته ــ خفيف الظل, حاضر النكتة, يلقي بتعليقات لاذعة اثناء الجلسات تفجر الضحكات وتتفجر بالدلالات. حدث في احدى الجلسات ان مثل امامه شاهد اثبات كان مفروضاً ان يشهد على وقائع بعض المتهمين من العمال, تدل على انهم قد حرضوا زملاءهم من عمال المصنع الذي يعمل مسؤولاً عن الأمن فيه, على التظاهر والتخريب فلم يذكر في اقواله اية واقعة, واكتفى بترديد التعبيرات التي كان الرئيس (السادات) قد كررها في خطاب القاه في الليلة السابقة من نوع ان (الشرذمة اللي في القفص دول معروفين في المصنع بأنهم خونة وعملاء وبيقبضوا من الاعداء) . وبعد ان عصره رئيس المحكمة, واثبت انه شاهد ما شافش حاجة, اذن له بالانصراف.. ويبدو ان احد الذين شهد عليهم, قد اخرج له لسانه أو أشار له بأصابعه, فاذا به يتوقف ليصيح في هياج شديد انا اطلب حماية المحكمة.. انا حياتي في خطر.. انا وجودي مهدد.. فلما سأله رئيس المحكمة عن الموضوع قال: فيه عندنا في المصنع شرذمة من الخونة من اتباع شرذمة العملاء اللي في القفص.. وانا خايف منهم.. وببساطة شديدة قال له: يا راجل عيب عليك.. تبقى الاغلبية كلها معاك وتعمل الهيصة دي عشان (شرذمة) زي دول.. ذلك ايضاً ما قلته تعليقاً على التحرك الذي قامت به الاحزاب السياسية ونشطاء الحركة المصرية لمقاومة تطبيع العلاقات مع اسرائيل (خلال الاسبوع الماضي, في مواجهة المؤتمر الذي عقدته (مجموعة كوبنهاجن) في (فندق ماريوت) بالقاهرة, فقد بدا لي من حيث (الكم) مبالغة شديدة لا تتناسب مع حقيقة ان (مجموعة كوبنهاجن) هي مجرد شرذمة محدودة العدد, وان الذين حضروا مؤتمرها من العرب ــ المصريين والاردنيين ــ يقلون عن مائة شخص, ولا مع حقيقة ان الاغلبية العظمى من بين النخبة المصرية والعربية ترفض هذا التطبيع كما بدا لي من حيث (الكيف) أقل بكثير من المستوى المطلوب تنظيميا وسياسيا لواحهته ما تتطلبه المرحلة الراهنة مما يعرف بمسيرة السلام, بل واقل بكثير مما تتطلبه المواجهة الحقيقية لـ (مجموعة كوبنهجان) . في مواجهة مؤتمر (المطبعين) الذي اقتصر على (شرذمة) محدودة العدد, ولكنها منظمة جيداً, وتملك خطابا سياسياً واضحاً على الرغم من تهاوي منطقه وعلى الرغم من كثرة اللافتات التي تحمل اسم منظمات مصرية تعمل في مجال مقاومة التطبيع, وكثرة النشطاء الموسميين في هذا المجال.. فقد دهم خبر عقد المؤتمر الاول لتحالف كوبنهاجن الجميع ولم يعرفوا به الا قبل ايام من انعقاده, فكان لا بد وان يحدث هذا الذي حدث وان يتحرك الرافضون للتطبيع بلا تنظيم ولاخطة ولا تنسيق, وتنافسوا في عقد المؤتمرات, فنشبت حرب الفنادق, وفي مواجهة مؤتمر واحد لشرذمة المطبعين, انحصرت ثلاثة مؤتمرات لحركة رفض التطبيع, واعطت للشرذمة المذكورة اعلاه ثقلاً لا تستحقه, وبدا الامر كما لو ان النخبة المصرية قد انقسمت الى قسمين متساويين احدهما ضد التطبيع والاخر معه. وفضلاً عن ذلك فقد حفل الخطاب الاعلامي لحركة مقاومة التطبيع بأكبر وافحش مجموعة من ألفاظ السباب والقذف, فوصف الذين نظموا (مؤتمر ماريوت) أو حضروه, بأنهم جواسيس وعملاء للموساد وأغوات وغلمان وكومبارس وخونه وعبيد للدولار وللشيكل ومخنثين, وهي الفاظ تهبط بمكانة حركة مقاومة التطبيع التي تضم أكبر مجموعة من رموز الوطن, وقد تدفع بعضهم الى عدم المشاركة في نشاطها, حتى لايتحملوا المسؤولية عن هذا الكلام غير المسؤول, الذي يزري بمكانة قائله.. أما المهم فهو انه يظهر حركة مقاومة التطبيع كما لو كانت شرذمة قليلة العدد, منفلته الاعصاب تغطي ضعفها بالصوت العالي والشتائم المقذعة, وتستخدم اسلحة فاسدة ترتد الى صدورها, كوصف اليهود والاسرائيليين بانهم (أولاد القردة والخنازير) وهو كلام لايستفيد منه سوى المتشددين الاسرائيليين, الذين يستخدمونه لكي يبرهنوا على ان العرب عنصريون ومعادون للسامية فيكسبون به الرأي العام العالمي الى صفوفهم. وجاء الخطاب السياسي لحركة مقاومة التطبيع ليتجاوز الموضوع المطروح والظرف القائم ليطرح رؤية بالغة التشدد والعصبية, لاصلة لها بموازين القوى الراهنة, فأعيد من جديد طرح اللاءات العربية الشهيرة: لاصلح ولاتفاوض ولا اعتراف ولاتصرف في القضية الفلسطينية بغير علم اهلها, وارتفع شعار: الصراع مع اسرائيل صراع وجود لاصراع حدود, وشعار: تحرير فلسطين من البحر الى النهر, وطالب أحد المؤتمرات في بيانه الختامي بالغاء اتفاقيات الخزي والعار من كامب ديفيد الى اوسلو. وهذا كله كلام جميل, لا اعتراض لي شخصيا عليه, ولكنه ــ عمليا ــ كان يمكن ان يقال منذ أربعين سنة, وربما نستطيع ان نقوله بعد اربعين سنة, ولكن قوله اليوم لاجدوى من ورائه سوى اعطاء المتشددين الاسرائيليين ذريعة للتعلل بأن العرب لايريدون السلام, واعطاء المطبعين ذريعة للادعاء بان رافضي التطبيع هم مجموعة من المغامرين الذين يريدون ان يقودوا الامة الى حرب جديدة لتهزم مرة اخرى فيكسبون بذلك انصاراً بين النخبة وبين الجماهير, وفضلاً عن ذلك فإنه خطاب يخيف النظم العربية اذ لايمكن تنفيذه عمليا, إلا بأن يشكل الرافضون للتطبيع من انفسهم مجلساً كقيادة الثورة العربية الكبرى يقوم بقلب النظم العربية القائمة ثم ينطلق لتحرير فلسطين من البحر الى النهر, من مقره في فندق (شبرد) . ولو ان هناك حركة حقيقية لمقاومة التطبيع تملك الحد الادنى من التنظيم, وتملك خطابا سياسياً واضحاً, لحصرت الأمر في نطاقه, لان قضية التطبيع واضحة وبسيطة ولاخلاف عليها بين الاغلبية العظمى, بعكس غيرها من القضايا, ومنها الحل الاستراتيجي لقضية الصراع العربي الاسرائيلي.. فالعرب يرفعون اليوم شعار (الأرض مقابل السلام) , ولأنهم وخاصة بعد حرب الخليج التي حولت الامة الى شظايا, لم يعودوا يملكون قوة لتهديد هذا السلام, وكل ما يملكونه اليوم لمقايضة الاسرائيليين به على هذه الارض, هو (التطبيع) , ولو أننا أعطيناهم (التطبيع) قبل ان يعيدوا الأرض, فلن يعيدوها, ولذلك فإن أي تفريط في سلاح المقاطعة على الصعيد الشعبي أو حتى الرسمي, هو اضرار بالموقف التفاوضي العربي, وبالمصالح القومية. والحقيقة ان هذا الخطر يتزايد بعد عودة حزب العمل الى الحكم في (اسرائيل) وهو ما كان ينبغي ان تتنبه له (حركة مقاومة التطبيع) , بصرف النظر عما تفعله (مجموعة كوبنهاجن) , اذ كان عليها ان تتوقع ان (ايهود باراك) سوف يفعل ما فعله (رابين) وأنه سوف يطالب بتنشيط التطبيع على الصعيدين الرسمي والشعبي, وان (واشنطن) ستساعده, بالضغط على الانظمة العربية, لتحقيق ذلك, بدعوى أنه يساعده على مواجهة خصومه من المتشددين الاسرائيليين وعلى كسب الرأي العام منهم.. فنعود الى ظاهرة الهرولة وتتحلل النظم العربية التي شاركت فيها, من قرار المجلس الوزاري للجامعة العربية الذي قضى بتفعيل قرارات المقاطعة. في هذا السياق يمكن ان ننظر الى نشاط (مجموعة كوبنهاجن) باعتباره خطراً ماحقاً على الموقف التفاوضي العربي, لأن هذا النشاط هو في جوهرة (تنظيم قومي للتطبيع) يضم فروعاً قطرية لهذا الغرض, على شكل جمعيات للسلام انشئت بالفعل واحدة منها في مصر والاخرى في الاردن, شاركتا في (مؤتمر ماريوت) وقد تتسع غدا لتشمل انشاء مثيلات لها في اقطار عربية أخرى. ومع ان البعض يشغل نفسه بتحليل ما يصدر عن هذه المجموعة من بيانات مشتركة مع الاسرائيليين, ليثبت انها تفرط في الحقوق العربية, إلا ان تلك ليست هي المشكلة, لأن ما يصدر عن هذه الاجتماعات لايزال في اطار الحد الادنى الذي يسعى اليه العرب والفلسطينيون ولأن الأصل في الموضوع هو أننا امام تنظيم للتطبيع الشعبي يضر وجوده بالمصالح العربية, حتى لو كان قادته سيذهبون ليطالبوا بالجلاء عن كل فلسطين من البحر إلى النهر. وليس سرا ان (مشروع كوبنهاجن) قد بدأ في زمن الهرولة, وفي عهد (رابين) وانطلاقا من المنطق نفسه, على شكل حوارات مغلقة ومحدودة العدد بين مثقفين عرب واسرائيليين, ولم يكن المشروع بعيدا عن تشجيع ودعم جهات رسمية عربية وفي مقدمتها السلطة الوطنية الفلسطينية, التي وجدت فيه ـ بعد ان وصل (نتانياهو) إلى الحكم ــ قشة تتعلق بها في محاولة لتشجيع القوى الاكثر اعتدالا, للضغط عليه لكي يواصل مسيرة السلام, ولكن هذه القوى رفضت اسلوب الغرف المغلقة واشترطت ان يكون النشاط علنيا وان يجري بين منظمات لا افراد, وذلك ما كان! وبصرف النظر عن ان المشروع سواء في صورته الاولى أو الصورة النهائية, لم يستطع ان يحقق اية اهداف, وانه بدلا من ان يشق النخبة الاسرائيلية, شق النخبة العربية, فقد آن الاوان لكي يجمد تحالف كوبنهاجن نشاطه لان الظرف الراهن, الذي تدخل فيه التسوية في مرحلتها النهائية يتطلب مزيدا من التشدد في تطبيق قرارات المقاطعة على الصعيدين الشعبي والرسمي. وذلك كله يتطلب اعادة بناء حركة مقاومة التطبيع على الصعيد الشعبي, لكي تتحول من هوجة موسمية, إلى حركة سياسية حقيقية ذات خطاب واضح ومقنع, ولا يتطلب الامر تأسيس جمعيات جديدة, تضيف إلى اللافتات الموجودة لافتة اخرى, ذلك ان هذه الحركة ـ في مصر وربما في غيرها من البلاد العربية ــ تستند إلى قرارات اتخذتها النقابات المهنية والعمالية والاحزاب السياسية, بشأن التطبيع, وكل ما هو مطلوب هو ان يجتمع مندوبون مفوضون عن هذه الهيئات, ينضم اليهم عدد من الشخصيات العامة ذات الثقل, ليكونوا بمثابة جبهة وطنية لمقاومة التطبيع, تتولى تدقيق المصطلح وضبط المفاهيم وتوحيدها, ووضع برامج النشاط, بما في ذلك ما يتطلبه الضغط على النظام العربي, لكي لا يعود مرة اخرى, إلى الهرولة. المهمة العاجلة الان, امام حركة مقاومة التطبيع, هي تجميع شظايا الامة المتناثرة على كل صعيد, لتصليب الموقف التفاوضي العربي, ووضع كل ما يمكن وضعه بين ايديه من اوراق القوة, بصرف النظر عن الموقف من التسوية الجارية, اذ المهم الان, الا يتنازل المفاوض العربي اكثر مما تنازل, وهي مهمة ليست سهلة, وحين يتم انجازها ونستعيد الارض التي احتلت عام ,1967 يصبح من حقنا ان نطالب بالحرب لتحرير فلسطين من البحر إلى النهر, وبذلك نتحول من (حرب الفنادق) إلى (حرب الخنادق) .