في شهر يناير 1994 كانت الامور قد اخذت منحى الحرب نهائيا... فقد عمل الرئيس علي عبدالله صالح لقطع الطريق على محاولات الحزب الاشتراكي اذكاء روح الفتنة بين (بلاده) وبين دول المنطقة بغية جرها لتأييد خيار الانفصال الذي صار امرا شبه واقع . ويوم السادس والعشرين من يناير تعمد الرئيس صالح ان يطلق تصريحات ايجابية خلال حفل تخريج دفعة من كلية الطب التي بنتها الكويت او بالاحرى اميرها الشيخ جابر الاحمد الصباح من امواله الخاصة في حقبة ازدهار العلاقات اليمنية - الكويتية. وقال الرئيس صالح: انني اعبر بالشكر والتقدير لدولة الكويت الشقيقة التي اسهمت معنا في بداية الثورة بانجاز مثل هذه المشاريع المهمة ومازالت تواصل دعمها لليمن ونأمل ان يستمر هذا الدعم لبناء المزيد من المشروعات العلمية الشامخة التي يعتز بها كل وطني وقومي. كان صالح يعمل على تدارك المزيد من الحساسيات التي كان الحزب الاشتراكي يعمل على ترسيخها بين الكويت وبقية دول الخليج واليمن. وكان الحزب الاشتراكي اكثر في تلك الفترة من نفي اي دعم من الكويت وكان النفي يصدر بسبب ومن دون سبب لدرجة ان وزيرا يمنيا في صنعاء قال لي: ان قادة الحزب الاشتراكي يحلمون بالكويت ليلا ونهارا فأرجوك ان تتوسط لبعضهم كي يحضر الى الكويت ويقيم فيها بصورة دائمة, هذا ان رضي به الكويتيون! وفي لقائي مع حيدر ابوبكر العطاس في عدن اواخر شهر يناير وبعد شهرين من مقابلة رئيسه البيض الذي لفت الانظار بقوله انه (لن يعود الى صنعاء ابدا ابدا) اكتشفت ان هذا القرار بعدم العودة بدأ ينسحب على العطاس نفسه. وخلال وجودي في عدن سألني الاخ عمر الجادي رئيس حزب التجمع الوطني - رحمه الله - ماذا تنتظر؟ قلت له: انتظر... موعدي مع الرئيس. فرد علي بسخرية يمنية لاذعة اي رئيس فيهم؟؟! مخاوف وأسف المهم ان اللقاء مع حيدر العطاس رئيس الوزراء مسألة كانت تهم اي صحافي لان هذا الرجل لم يتحدث منذ فترة طويلة ويوصف هنا بالشخصية السياسية المحترمة فهو على دراية كاملة بما يدور في اليمن والحديث معه مفيد ومهم. وفي منزله بخور مكسر التقيت به وطرحت عليه بعض الاسئلة وبعض ما يدور في اذهان الناس ولا يخرج عن المخاوف والقلق مما ستأتي به الايام المقبلة. قال العطاس... انه غير معتكف وهو يترأس لجنة الحوار بين القوى السياسية واعلن انه انجز المهمة ويقوم بمتابعة الموقف وذكر انه سيعود الى صنعاء (ان شاء الله قريبا) ولم ينس العطاس ان يؤكد ان عليه ان يأخذ احتياطاته خوفا من الاغتيال!! وكان هذا امرا يهز اعماق علي عبدالله صالح الذي كان يشعر بغاية الاسف وهو يتهم بالقتل والاغتيال لشركائه في السلطة! وعندما سألت العطاس عن خشيته من استهدافه قال: لا, لست خائفا ولكن الواحد يقلق من الممارسات التي تعرضت لها من خلال محاولات عدة لاغتيالي ولقد تعرضت شخصيا لتهديدات وتفجيرات في منزلي واغتيال اخي هاشم وهذه الامور التي حدثت تستدعي مني ان آخذ الحذر والاحتياطات اللازمة لمواجهة اي محاولة غدر ضدي واضاف: لاشك اذا كان مدبرو مثل هذه الاعمال لن يوقفوا عند حدهم, وهذه احدى القضايا الرئيسية التي تناولها حوار القوى الوطنية, سيستمر الامر من القيادات كما سبق وتعرضت في الماضي شخصيات كثيرة من رموز الوحدة للقتل لكن التركيز كان على الحزب الاشتراكي! وفي صنعاء وعندما دخلت الى منزل الشيخ عبدالله الاحمر... وجدته يقرأ المقابلة المنشورة مع العطاس... لاحظت عليه الاستياء خاصة من قول العطاس (نحن نادمون على ثقتنا بالشمال) فاراد ان يعلق على مثل هذا الكلام... فجرى الحديث من هذا المنطلق ليشمل الازمة الراهنة والى اين ستنتهي. وجبة بعد وجبة! وقال الاحمر: هذا مجرد ادعاء. فاذا كان هناك خوف فمن الاعمال, فالمثل يقول (من اساء استوحش) اما صنعاء فهي مدينة السلام فلم يحدث في يوم ان سكان صنعاء او مشايخ صنعاء او عساكر صنعاء اكلوا بعضهم بعضا... مثل ما حدث في الحزب الاشتراكي في 13 يناير 1985 وما قبلها... وجبة بعد وجبة ونحن هنا ابرياء من هذا فصنعاء مدينة السلام وحافظة اليمن وعاصمتها التاريخية ومن دخل صنعاء كان آمنا واذا ما كانت هناك بعض الحوادث التي حصلت فهم يعرفون من اين مصدرها وهناك في الجنوب عائلات ثكلى وهناك يتامى! وعندما سألته قائلا: لكن حيدر العطاس تعرض لمحاولة اغتيال واخوه ايضا اغتيل ثم ان العطاس تعرض لبعض الاستفزازات وهو عائد بموكبه الى صنعاء. رد الاحمر على الفور قائلا: تعرض العطاس لاستفزاز كما تقول كان مجرد خطأ من احد الضباط الذي اراد ان يتأكد من الموكب فاستوقفه ليتعرف اليه ولو كان الهدف اكثر من ذلك لحدث شيىء لا نرضاه وكانت مسألة عابرة والجميع استنكرها! واضاف قوله: انت وغيرك تسمع في اليمن كلمة الثأر في كل مكان والثأر معروف عند الجميع وعند القبائل وفي القرى, اعداد كبيرة من القتلى والثكالى واليتامى كلهم قتلوا بسبب عادة الثأر... والثأر موجود في اليمن. وسألته: يا شيخ عبدالله الى اين ستنتهي الازمة الراهنة في اليمن, هل ستقودنا الى بر الامان او ان لديك مخاوف من المستقبل؟ الاحمر: انا قرأت اليوم عنوانا كبيرا للمقابلة التي اجريتها مع العطاس عندما قال: لم نندم على الوحدة وانما على ثقتنا بالشمال! ونحن نقول له: نحن لم نندم على الوحدة وانما على ثقتنا بالحزب الاشتراكي اما الشمال والجنوب ففيهما شعب واحد... والوحدة هي مكسب للجميع وهي مطلب الجميع وهـي غايـة الجميع كانـت امنية الجـميع. وبحـمد الله تحققت امنية هذا الشعب المسلم ولا نخشى على الوحدة لان الشعب سيتمسك بها ولن يفرط ويعرب عبدالله الاحمر عن ملله من الازمة وقال انها طالت اكثر من المعقول واضاف (كيف تحول هذا الحب الى هذه العداوة) ؟ ولم ينس الاحمر ان يوجه التهمة الصريحة لانصار الحزب الاشتراكي في انهم وجهوا الازمة وجهة خارجية. رد الكويت وفي بادرة لافتة رد الشيخ صباح الاحمد الذي يشغل منصب النائب الاول ووزير الخارجية في الكويت على تصريحات الرئيس صالح قائلا: ان الكويت ليست الوحيدة التي يسوؤها بأن يكون ما بين الشطر الجنوبي والشطر الشمالي هذا الجفاء والشعب اليمني يرى مصلحته اكثر من اي بلد اخر. ومن جانبه رد الوزير محمد سالم باسندوه الذي كان قد دشن الحديث عن العلاقات مع الكويت بأنه يطمئن الشيخ صباح الاحمد على ان الامور في اليمن مستقرة وان معاليه سيلقى كل ترحيب في صنعاء. وقال باسندوه: ان الظروف الراهنة لا تؤثر على مجرى الحياة الطبيعي في البلاد ورأى ان الازمة تعتبر دافعا للشيخ صباح كي يستعجل الزيارة بدل ان تكون حائلا دون القيام بها فمجيئه الى صنعاء سيقطع دابر الشكوك ويقضي على الاشاعات! كان اليمن قرر ان يدق الابواب الخليجية بعد ان تيقن ان قيادة الحزب الاشتراكي تملك برنامجا صريحا وواضحا لايقاع الفتنة! ومع مرور الوقت وبعد عشرات الساعات من الحوار والشد والجذب امكن الاتفاق على ان يشهد شهر فبراير 1994 توقيع وثيقة العهد والاتفاق في العاصمة الاردنية عمان. واطلق المسؤولون الاردنيون سلسلة تصريحات خلال اواخر شهر يناير ليثبتوا ان لقاء المصالحة بين صالح والبيض سيتم في الاسبوع الاول من شهر فبراير بحضور الملك حسين. * كاتب يمني