صدر من أسابيع كتاب جديد بعنوان (المنافع العامة العالمية) , يطرح فيه مؤلفوه عددا من الموضوعات المتعلقة بالتعاون الدولي لمواجهة التحديات التي يواجهها العالم , والتي لا يمكن التعامل معها على مستوى كل دولة على حدة, بل تتطلب تضافرا للجهود الدولية. ولكن الكتاب, الذي أصدره البرنامج الانمائي للأمم المتحدة, يثير قضايا وموضوعات هامة لا تتصل فقط بالتعاون الدولي ولكن بمفهوم التنمية, وبالعلاقة بين الدولة والسوق, وبمفهوم المنافع العامة. ومفهوم المنافع العامة من المفاهيم الأساسية سواء في علم السياسة أو علم الاقتصاد, وأغلب المفكرين السياسيين تعرضوا له بالتحليل عند تحديدهم للدور الاقتصادي والاجتماعي للحكومة. فمن الأمور المسلم بها, في الفكر الرأسمالي ذاته, ان دور الحكومة ضروري للتعامل مع نواقص السوق, وان هذا الدور هام في تحقيق الكفاءة والانصاف في تخصيص الموارد وتوزيعها. ومع الاقرار بأن الأسواق لديها آليات التصحيح الخاصة بها من خلال تفاعل العرض والطلب ونظام الأسعار, فإن تلك الآليات قادرة على مواجهة الاختلالات الروتينية والاعتيادية. ولكن عندما يتعرض السوق لاختلالات رئيسية, مثلما حدث في البرازيل أو في عدد من الدول الآسيوية, فإن آليات التصحيح الخاصة بالسوق لا تستطيع مواجهتها, ويتطلب الأمر تدخل الدولة لاعادة آليات السوق إلى العمل. دور متأرجح وللدولة دور آخر وهو تزويد المواطنين بعدد من المنافع العامة الضرورية لبقاء المجتمع واستمراره. ومفهوم المنفعة العامة يشير إلى تلك السلع والخدمات التي تحقق منافع تتجاوز المنفعة الفردية لمستهلكها أو صاحبها. وعلى سبيل المثال, فإن التعليم يبدو لأول وهلة على انه منفعة فردية للشخص المتعلم, ولكن عندما ندقق الأمر, يتبين لنا انه منفعة عامة. لان الشخص المتعلم أكثر قدرة على الانتاج, وأكثر قدرة على التعامل مع أنماط التكنولوجيا المتقدمة مما يؤدي إلى رفع كفاءة الأداء في الشركة أو المؤسسة أو الهيئة الحكومية التي يعمل بها. ومن ثم فإن التعليم هو منفعة عامة. وعبر تطور الفكر الاقتصادي والاجتماعي, ومن خلال خبرات الدول المختلفة, توسع دور الدولة أحيانا, وتقلص أحيانا أخرى في مجال المنافع العامة. فلفترة, وهي الفترة المبكرة في حياة الرأسمالية, ساد مبدأ (دعه يعمل ... دعه يمر) والذي أطلق الحرية تماما للنشاط الفردي وسعى لتقليص دور الحكومة, والتي تمثل دورها في الدفاع (الجيش) والأمن الداخلي (البوليس) وتسوية النزاعات (القضاء), وهو ما سمي بمفهوم (الدولة الحارسة) . ومع نضج النظام الرأسمالي, واتساع قاعدته الانتاجية, ظهر مفهوم دولة الرفاهية, واتسع نطاقه بعد الحرب العالمية الثانية, ووفقا له, فإن للدولة التزامات ومسؤوليات اجتماعية تتصل بضمان الحد الأدنى للأجور, والمعاشات, وتوفير فرص التعليم والخدمات الصحية, ونظم الضمان الاجتماعي ضد البطالة. وبلغ هذا الاتجاه أقصاه في دول الشمال الأوروبي كالسويد والنرويج. ومع منتصف السبعينات, وازدياد عبء الانفاق الاجتماعي على الحكومات, وتعثر تجارب التنمية في عدد كبير من الدول النامية, عاد الفكر الذي يركز على دور القطاع الخاص, والذي يدعو إلى تحديد وظيفة الدولة, إلى البروز. وكان رمز تلك السياسات الاقتصادية لرئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر والرئيس رونالد ريجان في الولايات المتحدة. وكانت هذه السياسات, والتي دعمتها المنظمات الاقتصادية العالمية بداية لمرحلة جديدة من علاقة الدولة بالسوق وبدورها الاجتماعي, سرعان ما أصبحت في منتصف التسعينات هي الموقف المعتمد دوليا والمقنن في اتفاقية الجات ومنظمة التجارة الدولية. اعادة نظر التوجه الرئيسي الآن يؤكد على دور القطاع الخاص وتوسيع نطاقه, وبيع وحدات القطاع العام, وتحرير التجارة, والمنافسة. ويتضمن هذا التوجه اعادة تعريف دور الدولة في علاقته بالسوق وبالمجتمع, كما يتضمن ان بعض الأدوار والمستويات سوف تنتقل من الدولة إلى القطاع الخاص. ولكن يبقى السؤال: عن أي أدوار؟ وأي مستويات؟ وهل يمكن أن تتراجع الدولة عن دورها في قطاعات حيوية كالتعليم والصحة؟ ومن يمكن أن يملأ الفراغ الذي سوف يحدثه مثل هذا التراجع؟ وما هو تأثير ذلك على الاستقرار الاجتماعي والسياسي؟ هذه الأسئلة, ومثيلاتها, هي موضع جدل علمي وسياسي في كثير من المجتمعات. وبالطبع تختلف الاجابات حسب ظروف المجتمع وموارده, كما تختلف من مفكر لآخر حسب موقفه السياسي والاجتماعي. ولكن المؤكد ان المستقبل سوف يتضمن أشكالا مختلفة للتعاون بين الدول والأسواق, وبين الحكومات والقطاع الخاص من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية والرفاهية الاجتماعية. فإذا كانت خبرة الخمسينات والستينات قد أوضحت قصور الدولة بمفردها عن تحقيق ذلك, فإن خبرات أخرى عديدة سابقة أوضحت أيضا قصور القطاع الخاص بمفرده عن تحقيق نفس الهدف. والجديد الذي يتضمنه هذا الكتاب, هو ان العالم اليوم يواجه تحديات كونية, وان هناك منافع عامة كونية تتعلق بأخطار وتحديات عامة كونية, مثل التفاوت بين الفرص الاقتصادية, والتدهور البيئي الحاد, والهجرة الدولية غير الشرعية, وشبكات تهريب المخدرات, والارهاب الدولي, والأوبئة والأمراض. كل هذه المشاكل لم تعد تهم دولة واحدة, أو مجموعة من الدول بعينها, ولكنها أصبحت ذات طابع عالمي أو كوني ولا يمكن رسم سياسات ناجحة للتعامل معها بدون تعاون عدد من الدول. وان ذلك يفرض علينا اعادة النظر في مفاهيم التعاون الدولي السائدة, وآلياته وذلك بهدف تقييمها وتطويرها بما يجعل العالم أكثر قدرة على التعامل مع تلك التحديات الكونية. عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ــ جامعة القاهرة