احتفلت الجزائر بعيد استقلالها السابع والثلاثين عن المستعمر الفرنسي يوم الاثنين (5 يونيو), لكنها لا تزال تصارع لوضع حد للحرب الأهلية التي ابتليت بها البلاد منذ سبع سنوات , ويتحرك الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة في محاولة لانهاء حالة التوتر الحالية, وكانت الخطوة الأولى التي اتخذها في هذا السياق هي اطلاق عدد كبير من الاسلاميين وأعضاء جبهة الانقاذ المحظورة, كما انه يخطط لاجراء استفتاء حول عفو عام عن الارهابيين الذين خاضوا حربا ضد الحكومة, لكن مشاكل الجزائر هي من التعقيد الذي يجعل من غير الواضح ان كان بوتفليقة سينجح في مواجهتها. ولفهم المناخ السياسي الراهن في الجزائر لابد لنا من دراسة تاريخها السياسي ودور الجيش في هذا التاريخ, فقد مرت الجزائر بعدد من التحولات التاريخية المهمة تميز كل منها بدور خفي أو علني للجيش. وكانت أولى هذه التحولات عام 1965 عندما استولى هواري بومدين على السلطة بانقلاب عسكري, أما الثانية فكانت بوفاة بومدين عام ,1978 وحينها خلفه الشاذلي بن جديد الذي كان عقيدا في الجيش, وهو بدوره نحاه الجيش عن الحكم عام 1992 عندما كانت جبهة الانقاذ الاسلامية في سبيلها للفوز بالانتخابات التشريعية. وأخذ مكانه في الحكم المجلس الأعلى للرئاسة الذي تزعمه الرئيس الراحل محمد بو ضياف وهو مجاهد سابق كان يعيش منفاه في المغرب, لكن بوضياف اغتيل يوم 29 يونيو 1992 باطلاق النار عليه من قبل أحد حراسه فيما قيل انها كانت مؤامرة مدبرة بين عناصر الأمن الذين كانت مهمتهم توفير الحراسة الشخصية له. وبعد فترة انتقالية لم تعرف فيها الجزائر رئيسا منتخبا ولو شكليا, انتخب الجنرال الأمين زروال رئيسا للدولة عام 1994. وأخيراً في العام الحالي 1999 ورغم كل ما قيل في الصحافة الجزائرية والعالمية, فاز مرشح آخر مقرب للجيش الجزائري بالرئاسة بعد ان انسحب ستة مرشحين آخرين في اللحظات الأخيرة لاتهامهم القائمين على الانتخابات بالفساد. وبمعنى آخر فمن الواضح تماما ان الجيش الجزائري كان له نفوذه في الحياة السياسية الجزائرية منذ ان حصلت البلاد على استقلالها عن فرنسا عام ,1962 وتم وضع مسودة دستور جديد واعادة وضع المسودة مرة أخرى بعد حظر جبهة الانقاذ, لكن أحداً لا يعرف حتى الآن ما هي المرجعيات السلطوية وما هي ميولها السياسية. الدستور من جانبه يعطي رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة, وينظر الى قراره بتشكيل مجلس للشيوخ الى جانب البرلمان الحالي كمحاولة من السلطات التنفيذية لتعزيز سلطات الرئيس باعتبار ان ثلث أعضاء مجلس الشيوخ يتم تسميتهم من قبله. تحديات الجزائر على الجبهة السياسية يحتاج الدستور الحالي لاعادة صياغته من جديد ليكون أكثر انفتاحا وأكثر تحديدا, بحيث تعرف المرجعيات السلطوية بوضوح لتنال بالتالي الاحترام داخل البلاد وتتمكن من ايجاد برنامج عمل واضح لها. أيضاً يجب التخلص من القانون الانتخابي بشكله الحالي, بحيث يتمكن أي مواطن جزائري في عمر محدد ودون سوابق جنائية من ترشيح نفسه, أي ان المرشح يجب ألا يكون من المجاهدين ضد الاستعمار الفرنسي كشرط مسبق لأحقيته بالترشيح. الى جانب ذلك على الجزائر الآن ان تحقق قدرا أكبر من الشفافية في العملية الانتخابية, فالديمقراطية ليست بوجود عدد كبير من الأحزاب وحسب, بل هي مجموعة واضحة من القواعد التي تحكم اللعبة الانتخابية والتي لا تتغير حسب ظروف المرحلة الزمنية. وكما ذكرت, فإن الظروف والمصاعب الراهنة في الجزائر كبيرة ومعقدة. اذ تحاول البلاد الآن الانتقال من النظم الاشتراكية للتنمية الاقتصادية الى اقتصاد قائم على السوق, وفي الوقت نفسه خلق ديمقراطية مستقرة. اضف لذلك ان كل هذه التغيرات يتم تفعيلها في خضم نزاع اهلي ذهب ضحيته 100 الف انسان. تلك مهمة صعبة لأي كان بمن فيهم عبدالعزيز بوتفليقة. اذ ان الحكومة تعاني من مشكلتين جوهريتين معا هما المشكلة السياسية والامنية والمشكلة الاقتصادية. والسؤال الذي يتوجب على السلطات الجزائرية الاجابة عنه هو بأي منهما تبدأ؟ فكلتاهما متفاعلتان ومترابطتان ضمنيا. وعلى كل حال يبدو ان الرئيس بوتفليقة قد حقق بعض النجاح وتحديدا بقراره الذي دفع ببعض الجماعات المسلحة لنبذ العنف. وما زال من المبكر جدا الحكم فيما اذا كان ذلك سيستمر. لكن قد يكون امام بوتفليقة فرصة جيدة باعتبار انه لم يكن متورطا بقرار حظر جبهة الانقاد الاسلامية واعتقال قادتها. وبمقدوره ايضا ان يتفاوض بقدر من حسن النوايا مع الجماعات المسلحة الاخرى لاستكشاف مدى استعدادها لوقف اطلاق النار فيما يعمل هو على وضع خطة مقبولة للجميع. والمهمة الاصعب لبوتفليقة هي استعادة ثقة الناخب الجزائري وإيمانه بالديمقراطية. فقد كان الغاء انتخابات عام 1992 نقطة انعطاف تاريخية على طريق الجزائر نحو تأسيس دولة ديمقراطية حقة. صحيح ان تأسيس جمهورية اسلامية ليس ما تحتاجه الجزائر الآن, لكن لابد من التركيز على ارساء قواعد واضحة وشفافة وثابتة تقود وتحكم اللعبة الديمقراطية. وأخيرا لابد من القول ان نتاج اي انتخابات ليس بأهمية مؤسسة دستورية صلبة ومتماسكة وعملية انتخابية واضحة. خلاصة القول ان الجزائر كانت ابعد ما تكون عن ان تضرب مثالا يحتذى داخل عالمها العربي. لكن لعل الرئيس بوتفليقة يغير ولو بعضا من ذلك الوضع. المعضلة الاقتصادية المعضلة الثانية التي تواجهها الجزائر ناجمة عن وضعها الاقتصادي. ومشكلة الجزائر الاقتصادية على علاقة كبيرة ووثيقة بقطاعها النفطي والغازي, والذي يشكل نسبة 95% من صادرات البلاد ويوفر 60% من الانفاق الحكومي. فالجزائر شأن عدد من الدول المنتجة للنفط كانت (وما زالت) معتمدة الى حد كبير جدا على منتجها هذا وقانعة بهذا الوضع, وحتى ازمة اسعار النفط عام 1986, لم تشعر الجزائر بالحاجة الى تنويع اقتصادها وتقليل اعتمادها على النفط والغاز. وفي ذلك الحين فقط بدأ التصدع يظهر في بنيتها الاقتصادية. فلم تعد الحكومة قادرة على خفض الانفاق للخروج من الكارثة, وأصبحت مجبرة على الشروع في الاصلاح الاقتصادي, لكن البدء بتبني اصلاحات اقتصاد السوق عندما تكون مجبرا ومضطرا لتبنيها لا يؤتي نتائجه المأمولة نتيجة لعامل الوقت. والمشكلة الكبرى في هذا السياق هي البطالة, والتي تغذي حالة عدم الاستقرار السياسي. اذ ان آلاف الشباب العاطلين عن العمل يشعرون بالاغتراب عن محيطهم ويجدون الحل اما بالالتحاق بصفوف الجماعات المتطرفة او اللجوء للعنف, وفي كلتا الحالتين تدفع البلاد ثمن ذلك على حساب امنها واستقرارها. والجزائر تعاني من اكبر نسبة بطالة تصل الى 30% من قوة عمالتها مقارنة بجيرانها في المغرب العربي او الشرق الاوسط وشمال افريقيا. ومما يزيد من تفاقم المشكلة ان القوة العاملة الجزائرية تنمو سنويا بنسبة 7% . وبهذه النسبة من النمو, يتوجب على بوتفليقة الآن ان يتحرك بسرعة جدا على جبهة توفير فرص العمل. وتحتاج الجزائر ايضا لأن تحقق نموا مهما في اقتصادها وبنسبة لا تقل عن 6%, حسبما يقول صندوق النقد الدولي, في الوقت الذي ينمو اقتصادها الآن بنسبة 3%, وذلك لتبدأ في عملية تقليص نسبة البطالة. وهذا الهدف يصعب تحقيقه حاليا في سوق نفطي يرفض كبار منتجيه التعاون فيما بينهم الأمر الذي يدفع بالأسعار نحو مزيد من التدهور غالبا بعد كل تحسن. والأهم من ذلك ان لا الاوبك ولا سوق النفط العالمي سيكونان المنقذ للجزائر من وضعها الحالي. فالتحسن الحالي في اسعار النفط لن يدوم, كما ان التحسن في اسعار النفط اسوأ على الجزائر من انخفاضها, لأن اي تحسن وببساطة سيدفع نحو تأجيل ما لابد منه والتأخير في اجراء التغييرات الملحة. وتمكنت البلاد باعتبار ان وزير النفط الجزائري هو رئيس منظمة الاوبك حاليا من التأثير على هذا التكتل وسياسته كما رأينا في اتفاق مارس الاخير, لكن الأوبك دائما ما كانت تنتهج سياسات اشبه بالتدبير الذاتي, والمراهنة بمستقبل البلاد على مثل هذه الاتفاقات المستقبلية ليس الاّ مقامرة مهلكة. والخطوة الاستراتيجية الجذرية للجزائر الآن والتي لا أتوقع ان تقبلها الحكومة الجزائرية ابدا هي ان تتخلى عن الاوبك وتبدأ بتخطيط استراتيجيتها طويلة الامد الخاصة بها. باحث وكاتب جزائري مقيم في الولايات المتحدة الأمريكية