لم يكتف المشاركون في اجتماعات الدورة الرابعة والثلاثين للاتحاد البرلماني العربي التي انعقدت بدمشق مؤخرا, بطرح موضوع البرلمان العربي الموحد في كلمات القيت امام المجتمعين , وفي نقاشات جرت اثناء الاجتماعات وفي الكواليس, بل تجاوزوا ذلك الى البيان الختامي الذي اصدروه في ختام اعمالهم, حيث خصوا موضوع البرلمان العربي الموحد بنقطتين, الاولى حينما اشاروا الى وضع أسس علمية لتطوير الاتحاد البرلماني ليصبح هيئة تشريعية عربية أو برلمانا عربيا موحدا يمثل البلدان العربية, والثانية عندما اكدوا موضوع عقد ندوة برلمانية عربية خلال العام الحالي تبحث في موضوع البرلمان العربي الموحد. والحقيقة ان معظم ما تم طرحه في اجتماعات البرلمانيين الاخيرة ومانتج عنها في موضوع البرلمان العربي الموحد, كان شيئاً ضبابياً غير واضح الحدود والملامح, رغم ان موضوع برلمان عربي موحد, ليس أمرا جديدا في أطروحات البرلمانيين العرب, لكن الاهتمام به ضعيف سواء من جانب البرلمانيين أو من جانب المؤسسات البرلمانية. وضعف الاهتمام بالموضوع له أسباب اساسية, من بينها ان الموضوع جديد وغير مسبوق في التجربة العربية, التي مازالت تعاني في تحديدها وتدقيقها لموضوع البرلمانية العربية وتفصيلاتها على الصعيد كل بلد عربي, حيث تتعدد وتتنوع التجارب, الأمر الذي يجعل البرلمانيين العرب امام خيارات متعددة في عملية مقاربتهم لفكرة البرلمان العربي الموحد, وأمر المقاربة هذا يتعدى الإطار التنظيمي الى موضوع المهام التي يفترض بالبرلمان العربي الموحد القيام بها, وكذلك الأمر بالنسبة لموضوع الروابط التي ستصل البرلمان العربي الموحد بغيره من المؤسسات العربية, سواء المؤسسات البرلمانية العربية, أو المؤسسات القومية ومنها جامعة الدول العربية. لقد أوضحت نقاشات جرت على هامش الاجتماعات البرلمانية, أن الكثير من البرلمانيين العرب والذين يؤيدون قيام برلمان عربي موحد, يختلفون في المفاصل الأساسية التي ينبغي أن تؤطر وتحدد الطابع العام لتجربة قومية مقبلة, بل ان النقاشات بينت اختلافات مهمة في التفاصيل, ومنها ما اذا كان ينبغي ان تغيب أو تحضر الأحزاب السياسية في التجربة البرلمانية العربية الموحدة الجديدة, وأي من الأحزاب يمكن ان ينخرط في ذلك. لقد بينت المجريات بما فيها من اطروحات ونقاشات جانبية, أنه ليست هناك توافقات مهمة, باستثناء توافق معقول على ضرورة التجربة واهميتها, وعلى ضرورة المضي بها على الطريق. وحيث ان الأمر في هذه الحدود, فقد يكون مهما اثارة بعض النقاط التي ترددت في نقاشات الكواليس البرلمانية, وكان أولها ان البرلمان العربي الموحد هو مؤسسة تمثيلية عربية شعبية, وأنه بسبب ذلك ينبغي ان يكون بعيدا عن التأثير المباشر للحكومات, وأن يضم في صفوفه ممثلين عن سكان البلدان العربية كما ينبغي ان يضم ممثلين عن الجاليات العربية المقيمة والمستقرة في بلدان الاغتراب, ليس لأن عدد هذه الجاليات كبير فقط, بل لأن أعدادها تتزايد من جهة, ولأن في صفوفها امكانيات علمية واقتصادية وثقافية مميزة, وطالما هي ملتزمة في تحديد هويتها العربية, فانه ينبغي ان يكون لها تمثيل في البرلمان العربي, وهناك كثير من الهيئات والمنظمات العربية القائمة في بلدان المهاجر. ومما تردد في النقاشات الجانبية, نقطة تتصل بمهمة البرلمان العربي الموحد, والتي ينبغي ان تكون مهمة استشارية بحثية لامهمة تشريعية رقابية عربية, وقد تكون الأولى مقدمة للانتقال الى الثانية من خلال مسيرة عمل ذات نتائج ملموسة تقرب بين البرلمان العربي الموحد والهيئات القومية العربية, وكذلك بين البرلمان الموحد وحكومات الدول العربية التي يمكن ان تتوافق ليصير البرلمان العربي الموحد مؤسسة تشريعية عربية, تبلور لها سياساتها وتعرجاتها على الصعيدين القومي والعالمي, فيما تتابع البرلمانات الوطنية السياسات الداخلية. وثمة نقطة برزت في نقاشات الكواليس مع البرلمانيين العرب, تتصل بطريقة تكوين البرلمان العربي الموحد, والذي لاشك انه لايمكن ان يتم بالإنتخاب لأسباب كثيرة ومعروفة, ولكن يمكن ان يتم بالاختيار, حيث تقوم لجنة أو هيئة تأسيسية عربية, يمكن ان يجري تشكيلها مناصفة ما بين الاتحاد البرلماني العربي وبقية المنظمات القومية, النساء والشباب والفلاحين والعمال ورجال الأعمال ومنظمات اغترابية, وتكون مهمتها تحديد الأسس التي تقوم عليها التركيبة التمثيلية للتجمعات السكانية العربية وللفعاليات الأساسية فيها وفق نسبة تمثيلية معينة ويمكن ان تساهم جامعة الدول العربية برعاية نشاط كهذا. أما النقطة الرابعة فقد اتصلت بما هو مطلوب من التجربة المجتمعة في البرمان العربي, وهنا برز تأكيد أنه على البرلمان ان يعكس وجها حضاريا عربيا في بحث وفهم القضايا العربية الأساسية السياسية والاقتصادية والثقافية وفي صلة هذه القضايا مع بقية العالم بكتله ودوله ومنظماته شركاء العرب في عالم اليوم وفي المستقبل. ان فكرة برلمان عربي موحد تستحق كل العناية والانتباه وخصوصا من جانب البرلمانيين, لأن فيها كثيراً من الايجابيات القائمة والمحتملة, خاصة وأن أمام البرلمانيين العرب تجربة ماثلة وناجحة للبرلمانية الأوروبية التي استطاعت ان تساهم بجدية في تطوير الاتحاد الأوروبي, وأن تساهم في دفعه قدما الى المستقبل. وإذا كان من الصحيح ان في أسس قيام البرلمان الأوروبي الموحد كثيراً من الايجابيات والعوامل المساعدة, فمن يستطيع ان ينكر ان في الواقع العربي عوامل مساعدة كثيرة, لكنها تحتاج الى تفعيل وتنشيط, وكلاهما ممكن اذا توفرت ارادة وقرار سياسي. كاتب وصحفي سوري