مد الرئيس الأسبق محمد نجيب يده في صدره وأخرج حبلا رفيعا.. قديما.. باليا.. من النوع الذي نسميه (دوبارة) .. في نهايته مفتاحا صدئا قدمه لي ويده ترتعش على عزف الشيخوخة وقال لي : (تفضل.. هذا مفتاح المخزن الأرضي.. ستجد فيه كل ما احتفظت به من وثائق ومحاضر رسمية أثناء رئاستي للدولة.. خذه.. وفتش فيه على ما ينفعك) . كان ذلك في عام 1982 بعد أن توطدت العلاقات بيننا في منفاه القريب من القاهرة.. في البيت الريفي لزوجة مصطفى النحاس السيدة زينب الوكيل.. في منطقة (المرج) على بعد حوالي 20 كيلو مترا من قلب القاهرة.. والذي طرد منه أولاده وأحفاده بعد وفاته ولم يجدوا مكانا يأويهم حتى وفر لهم الرئيس مبارك شقة مناسبة. أما العلاقة التي توطدت بيننا فكان سببها أنني كنت أسجل ويوميا وعلى مدى شهرين مذكراته الكاملة التي صدرت فيما بعد بعنوان (كنت رئيسا لمصر) .. وقد تحملت أعصابه المنهارة.. وحالته العصبية والنفسية التي كانت تصعب على (الكافر) .. ونومته وحيدا.. فقيرا.. مريضا.. يشتهي الموت ولا يحصل عليه.. فلا أحد يعرف سر المعاملة القاسية التي نالها.. إنهم حتى لم يقولوا له: شكرا.. انتهى دورك.. ولم يتركوه في حاله.. مغلقا على نفسه باب مسكنه الذي حددوا فيه إقامته.. و"عهدوا به إلى الصغار الذين لا يأتمنوهم على أي مهمة جادة.. وتركوهم يعبثون به.. ويهينونه.. ويتسلو ن بإيذائه.. ويسخرون من شيخوخته) . نزلت معي إلى الدور الأرضي خادمته (فتحية) التي كان محمد نجيب يناديها لأسباب ظاهرة لا تخفى على أحد باسمها المذكر فتحي أفندي.. وبمجرد أن اقتربنا من المخزن حتى وجدتها تهرب منه وكأنها تفر من وكر للزواحف المؤ ذية.. وكان عندها حق.. فالمخزن مترب.. على أرضيته آثار عقارب وثعابين وحشرات أخرى يصعب التعرف عليها ويصعب تقدير خطورتها.. ويمتلئ بصناديق لا تعرف ما فيها.. ولكن الفئران تمرح فيها وتقفز منها.. وفي هذه الصناديق عثرت على محاضر قضية انقلاب المدفعية في ظرف اصفر متهالك.. وهي أول اتهام بمحاولة الانقلاب من الثورة على نفسها بعد شهور قليلة من نجاحها.. وقد نشرت هذه التحقيقات التي تولاها زكريا محي الدين وأدت إلى انقسام الضباط الأحرار إلى جزئين الأول في السلطة والآخر في السجن لبعض الوقت, في كتاب (نهاية ثورة يوليو) .. والوثائق مكتوبة على أوراق لها علامات مائية واضحة.. عبارة عن هلال وثلاثة نجوم (رمز علم وحكومة مصر قبل الثورة).. واحتفظت بنسخة منها وهي في حوزتي حتى الآن ولم يفكر أحد في أن يطلبها مني.. فلا أحد على ما يبدو يريد لثورة يوليو أن تكتب على حقيقتها. السنوات الحرجة وفي إحدى الزيارات لبيت محمد نجيب أخذني أبنه يوسف وكان هو الآخر معدما يعمل على تاكسي أرياف بالنفر ويهوى مثل أبيه تعدد الزوجات.. وعرض علي أن يبيع أوراق أبيه الشخصية.. خطاباته إلى جمال عبد الناصر.. مذكراته اليومية.. ملاحظاته على ما يقرأ.. كراساته التي سجل فيها يوميات اختطافه أثناء حرب السويس في 1956.. صور بالكربون من خطاباته إلى جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر.. وتقاريره الطبية.. وأدعيته الدينية.. وتفسيرات أحلامه التي كان يصفها بأنها تخاريف.. وكعوب شيكاته.. وأوراق استغاثة كان يلقي بها من السيارة التي اختطفته من القاهرة إلى الصعيد.. وقد اشتريت هذه الأوراق بمبلغ أظنه كان بسيطا.. على قدر ما املك.. وكان بالصدفة على قدر ما يريد.. أو كان هو في الحقيقة يريد أي شيء.. وقد نشرت هذه الأوراق في كتاب (الوثائق الخاصة للرئيس نجيب) .. ومرة أخرى لم أجد من يتحمس للحصول على نسخة من هذه الوثائق التي تروي قصة سنوات حرجة في تاريخ مصر.. سنوات ثورة يوليو التي تمر عليها هذه الأيام 47 سنة.. ولا تزال تثير الجدل والخلاف.. وتولد علامات استفهام لا تنتهي حول كتابة تاريخها.. ومصير وثائقها.. ومواقف أبطالها.. وهو ما طرحه فاروق جويدة على مدى أسابيع في الأهرام مجددا حوارا سبق أن انفجر ثم خمد واشتعل ثم انطفأ.. مانحة الفرصة لشخصيات سبق أن قالت ما عندها.. وان كانت فرصة أن تشارك في الحوار ولو بالمتابعة أجيال جديدة شابة لم تكن هناك عندما طرحت قضايا الثورة.. لسبب بسيط هو أنها لم تكن قد ولدت بعد. وربما كان السؤال الملح في حملة فاروق جويدة هو أين وثائق الثورة ؟.. وهل الوثائق تكفي للكتابة عنها؟.. هل نحن نريد فعلا كتابة ثورة يوليو بدقة وموضوعية؟.. وإذا كانت الإجابة بنعم.. فلماذا توقفت لجنة كتابة تاريخ الثورة التي شكلها أنور السادات وما الذي جعلها لا تواصل عملها ؟؟ هل صحيح أن الرئيس السادات وجد أن ما ستتوصل إليه اللجنة يخالف روايته لتاريخ الثورة.. وانه سيقلل من دوره فيها.. وأين المحاضر والشهادات الحية التي سجلتها اللجنة.. هل أهدرت هذه الوثائق أيضا ؟.. باختصار.. هل أضافت هذه اللجنة مشكلة جديدة بدلا من حل مشكلة قديمة؟ وفي الحقيقة لقد طرح السؤال اللغز عن مصير وثائق الثورة اكثر من مرة من قبل.. لعل آخرها في 1993.. عندما كان د. يونان لبيب رزق و د. رؤوف عباس, وهما مؤرخان لتاريخ مصر الحديث يتسمان بالموضوعية ويحظيان بالاحترام يناقشان شاهدة خالد محي الدين عن ثورة يوليو التي كانت قد صدرت بعنوان (الآن أتكلم) وكان أن طرحا قضية وثائق يوليو.. أين هي؟ من أخفاها ؟.. ولماذا لا تظهر على السطح إذا كانت موجودة لتحسم البطولات الوهمية التي انتفخت بها المذكرات الشخصية التي تحول كل من كتبها إلى سوبرمان.. خارق.. كان هو الوحيد البطل الشجاع الجريء بينما كان الآخرون في الجحور.. فئرانا! وأتذكر أن د. رؤوف عباس تعجب من وجود وثائق أسرة محمد علي في دار المحفوظات القومية رغم مرور ما يزيد عن 200 سنة.. وفي الوقت نفسه لا يوجد أثر لوثائق ثورة يوليو وهي "بنت امبارح" في عرف المؤرخين.. بل أن بعض هذه الوثائق تسرب للخارج وبيع مهربا مثل الآثار والمخطوطات النادرة.. فلا أحد يهتم.. ولا أحد يتألم. بل أنني لم أتعجب عندما وجدت من ينسب للدكتور يونان لبيب رزق انه سمع أن وثائق التنظيم الطليعي اشتراها بائع روبابيكيا. و قد شغلني مصير وثائق يوليو كثيرا.. فلا يجوز أن تذهب ذاكرة هذه الأمة إلى طي النسيان والإهمال.. وكان أن مددت جسورا بيني وبين اثنين أتصور انهما كانا يلمسان بأصابعهما أبعاد هذا اللغز.. سامي شرف مدير مكتب عبد الناصر وحامل مفاتيح خزانة أوراقه.. ومحمد حسنين هيكل الذي كان يجلس في عقل جمال عبد الناصر ويسبح في شرايينه ويشارك في صناعة قراراته.. وأتصور أن ما وصلت إليه عبر حوار مباشر بيني وبينهم في ذلك الوقت يستحق الانتباه. طلبات لعبد الناصر ذات يوم طلب جمال عبد الناصر من سامي شرف طلبين: ــ حصر أسماء الضباط الأحرار. ــ تجميع محاضر اجتماعات مجلس قيادة الثورة. كانت عملية حصر أسماء الضباط الأحرار عملية صعبة لان تنظيم الضباط الأحرار كان تنظيما سريا.. وكان متشعبا في مختلف أسلحة ووحدات الجيش.. ولم يكن أفراده يعرفون بعضهم البعض.. ولم يكونوا على نفس الدرجة من النشاط.. بل أن بعضهم لم يكن له دورا في التنظيم إلا دفع اشتراك شهري وكان 25 قرشا. اقتضت عملية الحصر تكليف خمسة من رجال يوليو الكبار.. قدم كل منهم ما في ذاكرته من أسماء.. ودعم الأسماء بالمواقف والمواقع.. وفي حجرة أغلقها على نفسه في مبنى السكرتارية الخاص بالرئيس.. قام شمس بدران الذي اصبح فيما بعد وزيرا للحربية بكتابة الكشوف النهائية لأسماء الضباط الأحرار وترتيبها أبجديا.. وقد كتب الكشوف بالحبر الأخضر على ورق ابيض مسطر.. وبعد أن قرأها جمال عبد الناصر أمر بحفظها في ركن الوثائق التي تحمل (سري للغاية) وهي أعلى درجات السرية. فالمعروف أن درجات الوثائق في رئاسة الجمهورية هي أربع درجات (محظور.. سري.. سري جدا.. سري للغاية) .. والوثائق المختومة بخاتم سري للغاية كان مسؤولا عن حفظها في مبنى السكرتارية الملحق ببيت جمال عبد الناصر شخص واحد هو توفيق عبد العزيز احمد وهو نجل الفنان عبد العزيز احمد الذي كان عضوا في فرقة نجيب الريحاني المسرحية.. وكانت هذه الوثائق محفوظة في حجرة خاصة في الدور الثالث في المبنى.. أعدت لهذا الغرض.. ولم يكن مسموحا لأحد بدخولها.. بل أنها لم تكن تفتح إذا ما غاب المسؤول عنها. والمؤكد أن لا أحد كان يقدر على دخول هذه الحجرة حتى هدى عبد الناصر التي انضمت إلى طاقم العمل في سكرتارية رئاسة الجمهورية بعد تخرجها من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية.. فقد كانت تعليمات أبيها المشددة أن لا تحصل على ميزة لا تمنحها لها درجتها الوظيفية.. فقد كانت سياسة جمال عبد الناصر مع اقرب الناس إليه هي درء الشبهات.. عملا بالمثل المصري القائل: الباب الذي تأتي منه الر يح سده واستريح. أما الوثائق الخاصة بمحاضر اجتماعات مجلس قيادة الثورة فلم تكن موجودة ــ حين طلبها جمال عبد الناصر ــ في مقر مجلس قيادة الثورة بالجزيرة.. ولكن الحدة التي عرفت عنه وقفت عقبة في سبيل الحصو ل على هذه المحاضر.. وكان لابد من أن يتدخل جمال عبد الناصر شخصيا.. وهو ما كان. فبعد أيام فوجئ سامي شرف بتليفون من كمال الدين حسين الذي قال بأسلوبه الصارم المعتاد: اسمع.. سأرسل لك ظرفا باسم جمال عبد الناصر. وجاء الظرف مع أحد أقارب كمال الدين حسين الذي طلب إيصالا بالاستلام لم يوقع عليه أحد.. وعندما فتحه سامي شرف وجد بداخله ملفا أو حافظة فيها 50 ورقة فقط.. هي كل وثائق مجلس قيادة الثورة.. والملف لونه بمبي كالح بفعل التراب والزمن.. وبعد أن اطلع عليها جمال عبد الناصر أمر بحفظها في ركن الوثائق السرية للغاية. هذه أولى الوثائق الضرورية عن الثورة.. وهي موجودة وان كان علينا أن نعرف.. أين ؟.. ومن يملك نسخة منها؟.. وما القانون الذي ينظم التعامل معها أو كشفها أو إباحتها.. وهل سنكتفي فقط في المتحف الذي يجهز الآن للثورة في مقر الاجتماعات الأولى في منطقة الجزيرة بالمبنى أم ستوضع هذه الوثائق فيه.. أم سنبني إلى جانب المتحف مركز لوثائق الثورة؟ ولا جدال أن الوثائق الخطية عن الثورة نادرة.. فليس صحيحا كما قالت هدى عبد الناصر أن والدها كتب مذكراته بخط يده.. وعندما شكل محمد حسنين هيكل لجنة مصغرة في أوائل السبعينات في مؤسسة الأهرام تمهيدا لإنشاء مركز لوثائق جمال عبد الناصر وثورة يوليو قفزت مشكلة الوثائق المكتوبة مرة أخرى.. ولم يكن يميل إلى إصدارها مكتوبة وهو ما يجعل من المستحيل كتابة تاريخه بالوثائق فقط. لكن يبقى السؤال الأهم أين وثائق الثورة وهل صحيح أن محمد حسنين هيكل قد حصل عليها ونقلها إلى بيته؟ وما الذي حصل عليه اشرف مروان منها.. وهل صحيح انه وضعها في مكان ما في لندن؟ القصة لا تزال مثيرة.. والتفاصيل تغري بالانتظار.. خاصة وان تاريخ ثورة يوليو يبدو لنا وكأنه مكتوب بحبر سري.. أما ما نعرفه عنها فهو في اغلب الاحوال.. مذكرات شخصية.. تمتلئ بالتخاريف والبطولات الوهمية.