الاحصائيات الحديثة تشير الى وجود ثلاثة ملايين كردي في مدينة استانبول ونحو مليوني في انقرة وعلى الرغم من ان الاكراد قاوموا الاجراءات الاقصائية التي استهدفت هويتهم القومية وقاموا بثورات وعصيانات وتمردات على امتداد العشرينات والثلاثينات, ومن اهمها ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925 التي اتخذت طابعاً كردياً قومياً واسلامياً (اصولياً) رداً على الغاء اتاتورك الخلافة الاسلامية عام 1924 الا ان السلطات التركية قمعت هذه الثورة وغيرها بالقوة وارتكبت بحق السكان العديد من المجازر وقد نفذت حكم الاعدام في 29 يونيو (لاحظ نفس اليوم الذي صدر فيه حكم الاعدام بحق عبدالله اوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني) عام 1925 بالشيخ بيران و243 من معاونيه في ساحة المسجد الكبير بمدينة دياربكر, وبالرغم من ان السلطات التركية عمقت من اجراءاتها القمعية ضد الأكراد من حملات: قمع وقتل وتهجير وزج المئات في السجون واعلان مناطقهم مناطق أمنية وطوارىء تخضع للأحكام العرفية, ومنح سلطات مطلقة للحكام المحليين في المناطق الكردية الا ان هذه الاجراءات وغيرها لم تؤد عملياً سوى الى ظهور تنظيمات كردية تتخذ هي الأخرى من العنف وسيلة لتحقيق شعارات قومية تطلع اليها الأكراد طويلاً, وكان نتيجة الأنكار التركي للهوية القومية الكردية وتمسك الاكراد بها, تلك الحرب الدموية بين حزب العمال الكردستاني بزعامة اوجلان والدولة التركية حيث أودت حتى الان بحياة أكثر من ثلاثين ألف كردي وتركي, اضافة الى تدمير نحو اربعة الاف قرية كردية وتهجير الملايين من بلداتهم وقراهم. وفي موازاة العنف التركي الرسمي ضد الهوية القومية للاكراد, تشن السلطات التركية حرباً منهجية منظمة ضد الاسلام والنشاط الاسلامي في تركيا بدءاً من منع الناس من التعبير عن هويتهم الاسلامية الى اغلاق المدارس الدينية وضرب نفوذ الاسلاميين وانتهاءً بالتدخل المباشر في الحياة السياسية لابقاء الاسلاميين خارج الحكم, فالسلطات التركية لم تلجأ الى التعاطي الايجابي مع مسألة الاقليات القومية والهوية الاسلامية للبلاد, وعليه بقيت هذه المسألة ثغرة عميقة في بنية المجتمع التركي تظهر الى السطح تحت هذا الظرف أو ذاك, لتخمد ثم لتظهر من جديد, وهكذا. ان القضايا المكونة لهوية البلاد والمتأصلة في ذات الشعوب وهويتها لايمكن حلها بالأساليب العسكرية والأمنية مهما طال الزمن, ولا تفيد سياسة الانكار والتجاهل وتحريف الحقائق والوقائع في شيء, انما تحتاج هذه القضايا الى سياسة واقعية عقلانية, تظهر الحقائق على ماهي عليها والتقرب منها كأمر واقع ملموس واتخاذ اجراءات سلمية تفضي الى حلول ناجعة, تساهم في التوفيق بين التناقضات والتباينات الاجتماعية المختلفة, وعلى أساس مشاركة جماعية تعمق وحدة المجتمع والنسيج الوطني من خلال الاقتناع بجدوى الاتحاد, لا من خلال الايديولوجية القسرية القائمة على القهر والنفي والانكار وتحطيم الاخر المختلف مادياً وروحياً باسم القومية الواحدة النقية واللغة الواحدة والعنصر المتفوق. ان الايديولوجية الكمالية التي تطلب من المجتمع والناس ان يكونوا اتراكاً علمانيين أو لايكونوا أضحت عقبة في وجه التطور الطبيعي الحر للمجتمع والبلاد, والحكومات التركية المتعاقبة التي حددت أولوياتها بشن حرب ضد الحركة الكردية والاسلامية باسم وحدة البلاد والحفاظ على مبادىء اتاتورك المقدسة وضعت البلاد في اتون معركة داخلية لن تزيدها سوى عنف وجرح ونزف, وبسبب هذه المفاهيم الضيقة وسياسة العنف القائمة على الانكار والقسوة فان الاقليات القومية والتيارات الدينية في معركة دفاعها عن ذاتها وهويتها, كثيراً ما تلجأ الى الارتباط بالعالم الخارجي سواء لتأمين الدعم أو لايصال صوتها ومطالبها الى الخارج مادامت الدولة الحاكمة المركزية تعتبر الاقلية القومية فصيلاً ضاراً يجب التخلص منه, والهوية الاسلامية خطراً على المبادىء العلمانية يجب استئصالها. التجربة التاريخية لسياسة تركيا حيال اقليات تؤكد ان سياستها الانكارية وأسلوبها الاقصائي ضدهم لن يؤدي الى تحقيق اهدافها في القضاء على هذه الاقليات, بل على العكس اظهرت هذه التجربة مدى تعلق هذه الاقليات بهويتها واستعدادها للتضحية في سبيلها, ولكن في الوقت ذاته اظهرت التجربة ان هذه الاقليات لن تنجح من خلال العنف في تحقيق مطالبها, والنتيجة الوحيدة التي تحققت حتى الان على الارض هي المزيد من اراقة الدماء وزرع العداء والشقاق والكراهية والشروخات في بنية المجتمع والبلاد, اضافة الى نزف الأموال والموارد والطاقات في معركة ان انطفأت اليوم ستشتعل من جديد غدا أو بعد غد, فهل من سياسة واقعية عقلانية تتبعها انقرة حيال اقلياتها القومية وهوية البلاد, تضمن لها الأمن والاستقرار والتنمية.. انه التحدي. * كاتب وصحفي سوري