حدثان يعكسان حرب الضغوط في الشؤون الاسلامية والعربية في الساحة الامريكية, الاول هو تصريح هيلاري كلينتون الاخير حول القدس الذي يعكس طبيعة التنافس واثر القضايا الخارجية في الانتخابات الامريكية. فهناك بطبيعة الحال قناعة زوجة الرئيس بأن هذه هي الطريقة الوحيدة لكسب اصوات المؤيدين لاسرائيل في ولاية نيويورك, وهناك من اكد لها من بين من يقودون لها الحملة الانتخابية بأن تصريحا مؤيدا لنقل السفارة الامريكية الى القدس ومؤيدا لفكرة ان القدس هي عاصمة اسرائيل الابدية سيفوت الفرصة على استخدام سلبي من قبل منافسها في نيويورك لتصريحها السابق المؤيد لقيام الدولة الفلسطينية. ولكن اي تصريح يعكس حقيقة اراء السيدة الامريكية الاولى اهو التصريح الخاص بتأييد الدولة الفلسطينية ام التصريح الجديد المؤيد لاسرائيل والداعي لنقل السفارة الامريكية الى القدس؟ في الحالتين يمكن القول ان التصريحين يعكسان رؤية واحتياجات متناقضة. في الحالة الاولى تحدثت السيدة الاولى بصفتها في البيت الابيض وفي الحالة الثانية تحدثت كمرشحة تسعى لكسب الاصوات في منطقة نيويورك. وربما يمكن القول بأن كل تصريح له اهدافه وله مراميه,الاول يهدف لمساعدة الرئيس الامريكي في التعامل مع رفض نتانياهو ولهذا جاء مؤيدا للفلسطينيين. اما الثاني فيهدف لكسب الاصوات في نيويورك احدى قواعد قوى الضغط المؤيدة لاسرائيل. اذن يمكن القول بانه لم يتغير شيء كبير في كلا التصريحين ولكن بنفس الوقت يشكل هذا المثل نموذجا لمدى حاجة المرشحين للكونجرس الامريكي لاصوات الناخبين حتى لو كان في ذلك اخذ الموقف الخاطىء من قضايا تعود بالضرر على السياسة الامريكية تجاه دول وشعوب اخرى. والاهم ان تصريح السيدة الاولى حول القدس لا يحمل صفة رسمية او صفة تنفيذية بل يبقى هذا التصريح مثل تصريحات كثيرة شبيهة تؤثر بشكل غير مباشر بالسياسة الامريكية, هذه التصريحات غير قادرة على تغيير الميزان المرتبط بقرارات البيت الابيض والخارجية الامريكية كما ان مسألة القدس قضية مطروحة بالمفاوضات النهائية وما يتفق عليه في تلك المفاوضات هو الذي سيتم. اما الحدث الثاني والذي يرتبط بحرب الضغوط والتصريحات فمرتبط بسحب ترشيح سالم المرياطي المدير التنفيذي لاحدى المنظمات الاسلامية الامريكية للمشاركة في لجنة شكلها الكونجرس لدراسة ظاهرة الارهاب وطرق التعامل معها. وكان ريتشارد جيبهارت رئيس الحزب الديمقراطي في مجلس النواب قد اختار المرياطي للمشاركة في اللجنة, واعطائها ابعادا مختلفة. لكن ضغوط المنظمات اليهودية تراكمت فتمت عملية سحب الترشيح وفي هذه الحالة كان من الافضل لو لم يتم الترشيح الذي عكس نوايا ايجابية من قبل النائب. ان هذه الاخطاء والرضوخ للضغط الرافض للحياد يعمق الاختلاف ويساهم في عزلة المسلمين في الساحة الامريكية. وقد اكدت توجهات الضاغطين على جيبهارت بأن ما يخص الارهاب وعلاجه يجب ان لا يحوي الا نوعية تميزت بعدائها الشامل للارهاب بما فيه النضال والكفاح ومواجهة (الاحتلال) . وبطبيعة الحال تقع الاحتجاجات العربية على كل هذا وهي احتجاجات تصدر عن جهات عدة تمسها هذه القرارات والتصريحات. لكن الاحتجاج العربي مازال ضعيفا وهو لا يؤثر بالمشهد الامريكي العام ولا يغير السياسات الا في مناطق تكثر فيها الكثافة العربية مثل ديترويت وولاية ميتشاجن. الانتخابات الامريكية والسياسة الامريكية المحلية تمثل في محصلتها شبكة في التعبير عن الفئات والجماعات اكانت هذه الجماعات تمثل جمعية الدفاع عن المستهلك ام قضايا الاسلحة ام البيئة ام الامريكيين من امريكا الوسطى. في هذه الغابة تقع حرب تصريحات وضغوط هدفها الرئيسي الفوز في الانتخابات وفي خضم الحملة الانتخابية تبدأ محاولات المستشارين العاملين لدى المرشحين في بناء توجهات المرشح انطلاقا من مدى صلاحية الشعارات ومدى مقدرتها على كسب مزيد من الاصوات والمساهمة في خسارة المرشح المنافس, القضية التي يواجهها كل مرشح مرتبطة اذن بمقدرته على تبني قضايا شعبية في امور وتفادي كل ما يخسره في كل انتخابات امريكية, وذلك في كل امر يخص منطقة الشرق الاوسط وبالتحديد اسرائيل: اكان ذلك من حيث دعم الموقف التفاوضي الاسرائيلي في عملية السلام ام من حيث محاولة تخفيف ضغوط البيت الابيض على اسرائيل في القضايا الخلافية كما حصل مع نتانياهو, بالمحصلة يقوم النظام الامريكي على هذا النمط من الضغوط والتنافس على الاصوات ولا خيار امام المهتمين والحريصين من الجانب العربي الا باعطاء هذا البعد الضاغط حقه ودوره في التفكير في الاستراتيجيات العربية للمرحلة المقبلة. استاد في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت