السلطة ملتزمة بالاتفاقات التي تحكمها وبخاصة الامنية التي تمنعها من التعاون مع منظمات مازالت مصنفة كمنظمات ارهابية مثل حماس والجهاد والشعبية ... الخ بمعنى تمنعها ليس فقط من ان تقيم علاقات معها بل وان تلتقي معها على برنامج يتناقض مع هذه الاتفاقات. الا اذا وافقت هذه القوى على الدخول الى هذه الاتفاقات. ان السلطة الوطنية تريد ان تحتفظ لنفسها بحرية الحركة السياسية في كل الاتجاهات سواء باتجاه اسرائيل او باتجاه الغرب او بأي اتجاه تريده. وبالتالي لا تريد ان تغل ايديها عن التحرك في اي اتجاه ترى فيه مصلحتها وبالتالي ليس لديها استعداد ان تتقيد بأي مرجعية غير مرجعيتها ذاتها وغير مرجعية الاتفاقات. وحتى برنامج منظمة التحرير والميثاق الوطني الفلسطيني لم يعد هو المرجعية التي تحكم الاساس بل اصبحت الاتفاقات هي المرجعية وبالتالي فان اي اتفاق مع المعارضة بتياريها او بقواها المختلفة سيلزم السلطة باجراء مراجعة سياسية لنهجها واعادة تقييمه وهذا الامر ليس في الحسبان على الاقل في هذه المرحلة وسيلزمها ايضا بمراجعة الاتفاقات المعقودة وفق النتائج التي تم التوصل اليها واتخاذ مواقف من القضايا الاقتصادية والسياسية والامنية وهي ليست مستعدة لهذا الامر الان وليست مستعدة للنزول حتى عند شرط المعارضة الذي قل تلزمها به. ليست مستعدة ان تشرك المعارضة في القرار الان لان المعارضة اذا جاءت لن تأتي وفق هذه الشروط بل على قاعدة اللقاء في منتصف الطريق او على اساس برنامج الحد الادنى او القاسم المشترك والقاسم المشترك ليس واحدا ايضا. ان اي لقاء مع المعارضة وفق الشروط الجديدة كان سيحتم على السلطة الوطنية ان تعيد النظر في مؤسساتها القائمة السياسية والتشريعية مثل المجلس الوطني والمركزي وبقية المؤسسات الحكومية حيث يفرض اي اتفاق دخول المعارضة جسم هذه المؤسسات ولو بنسب معينة وهذا امر ليس في وارد السلطة الان. ومن شروط الوحدة الوطنية ايضا المراقبة والمحاسبة ونحن نلاحظ ان السلطة الوطنية لا تتحمل انتقادات مجلسها التشريعي ومطالباته باجراء المحاسبات والتغييرات التي تتطلبها تقارير الرقابة فما بالكم اذا كان الامر يتعلق بقوى من خارج هذه الاطر وبالتالي لن تستطيع ان تستجيب السلطة لمثل هذه الشروط مع الملاحظة التي علينا ان نعترف بها وهي ان الامر قد استفحل بمعنى ان قضايا الفساد قد زادت واتسعت دائرتها افقيا وعموديا بحيث بات من الصعب اجراء المراجعة الضروية له وبات بنفس الوقت من الصعب على المعارضة ان تقفز عن ذلك او عن تحقيق جزء منه كشرط من شروط التقائها مع السلطة واكثر من ذلك مثل هذه المحاسبة - اذا جرت - واذاكان هناك تفكير باقامة وحدة وطنية حقيقية فانها ستمس مصالح عناصر كثيرة موجودة في اطار السلطة الوطنية وهذا سيجعل هذه العناصر تقاوم مثل هذه التوجهات. بل قد نجد مقاومة من بعض العناصر والقوى داخل السلطة لفكرة الوحدة الوطنية ودخول قوى سياسية جديدة لان ذلك سيتم على حساب قوى وعناصر داخل السلطة. اما قضية الديمقراطية التي تجري المطالبة بها واذا اعتبرت شرطا من شروط الوحدة الوطنية ليس من السهل المضي بعيدا في قضية الديمقراطية وتطبيقاتها لانها ستمس ايضا كثيرا من المواقع. هذا ويلعب الاحتلال دورا بطريقة غير مباشرة وبأصابع ليست بعيدة عنا في كبح اي توجه نحو هذه القضية ويبذل كل ما في وسعه للحيلولة دون وجود اي نوع من انواع الوفاق الوطني او الوحدة الوطنية هذا هو الموقف المتعلق بجانب السلطة. التيار الاسلامي: اولا: موقف التيار الاسلامي تجاه الوحدة الوطنية لا يمكن فصله او النظر اليه بعيدا عن الموقف الايديولوجي لهذا التيار القائم على ان فلسطين وقف اسلام لا يمكن التصرف فيه او بجزء منه والقائم ايضا على ان الاسلام وقيام المجتمع الاسلامي, وحكم الاسلام, هو الحل. وبناء عليه فان التيار الاسلامي في فلسطين محكوم بالموقف العام للحركة الاسلامية على المستوى العربي والاسلامي وموقفها الايديولوجي من قضية فلسطين. وثانيا: وبناء عليه فان هذا التيار لا يؤمن بالحل المرحلي ولم يسبق له ان اعلن عن تبنيه لمثل هذا الحل حتى ولو كانت حدوده تمتد الى كامل الضفة الغربية وقطاع غزة اذ ان مثل هذا الحل مشروط لديهم بعدم تقديم اي تنازل يعترف بوجود اسرائيل او اي حق لها في فلسطين. ثالثا: لا اعتقد ان الاخوة في التيار الاسلامي يتحمسون كثيرا للتعاطي مع الحالة السياسية الرسمية القائمة في فلسطين لانها تقوم على اساس اتفاقات اوسلو التي يرفضونها وكل تعامل معها يشكل من وجهة نظرهم اعترافات باتفاقات اوسلو. وهم يعتبرون الحالة القائمة باطلة لانها بنيت على باطل وبالتالي فهم ليسوا معنيين كثيرا بانقاذ الحالة بقدر ما هم معنيون بسقوطها. رابعا: ان التيار الاسلامي عندما يرفع شعار الوحدة الوطنية, يرفعه وفق شروطه ومدى انسجامه مع نظرته لذاته وقوته, ومدى ما يستحقه تبعا لذلك من نصيب كبير في مشروع الوحدة الوطنية وعلى اساس الا يتعارض مع استراتيجيته بعيدة المدى. وخامسا: فهو يقيس مشروع الوحدة الوطنية بمقياس مصلحته الذاتية ومدى ما يحققه له من مكاسب تنظيمية وجماهيرية وسياسية او ما يعكسه عليه من خسارة في هذه المجالات. ووفق هذه المقاييس تبدو ايضا امكانية تحالف التيار الاسلامي مع فصائل المعارضة الاخرى وتحديدا فصائل منظمة التحرير الموجودة خارج السلطة مسألة ليست سهلة ولا اقول غير واردة. لذلك يبدو التيار الاسلامي غير جاد في طرح شعار الوحدة الوطنية والوصول به الى مده, والتقابل مع الاطراف الاخرى وسواء كانت داخل السلطة او خارجها, عند محطات معينة وفي مراحل معينة ولكنه يستفيد من طرح الشعار لتمرير المرحلة, وتخفيف اثار الحصار المضروب حوله كما انه لا يستطيع القفز عن مطالبه بالافراج عن المعتقلين ووقف الاعتقال والسماح له بهامش معين في حركته وهي امور ليس من السهل الاستجابة لها. وحين توضع مثل هذه المواقف والقضايا كشروط للدخول في مشروع الوحدة الوطنية فانها تبدو اكثر من كافية لان تجعل من تحقيق الوحدة الوطنية امرا غير ممكن. التيار القومي الديمقراطي ابسط ما يقال في هذا التيار انه غير متجانس فهو يضم قوى تنتمي لاحزاب قومية وبرنامجها مرتبط ببرنامج هذه الاحزاب لا تخرج عنه وهنا اشير لجبهة التحرير العربية, التي هي جزء من البعث العربي الاشتراكي الحاكم في العراق ولا يمكن الخروج عن برنامج حزب البعث وهو برنامج محدد ومعروف تجاه اسرائيل والوجود الاسرائيلي. ويضم هذا التيار ايضا قوى تربط بينها اطر توحيدية ولكنها لا تتوحد مثل الجبهتين (الشعبية والديمقراطية) وتختلف هذه القوى فيما بينها حتى بين الجبهتين الشعبية والديمقراطية حول مفهوم السلام وقضية الصلح مع اسرائيل وقضية المفاوضات نفسها. فالجبهة الشعبية مثلا ضد هذا والجبهة الديمقراطية ليست ضده. وكذلك الموقف من مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية واجتماعات هذه المؤسسات كما لاحظنا في الاجتماع الاخير للمجلس المركزي كيف اختلفت الجبهتان حين حضرت الديمقراطية وغابت الشعبية. ومن المتوقع ان تقدم الجبهة الديمقراطية على خطوة باتجاه العودة لممارسة دورها داخل مؤسسات المنظمة بما فيها اللجنة التنفيذية. وهذا التيار مرتبك ايضا فهو داخل المنظمة وخارجها في الوقت نفسه بمعنى انه موجود في عضوية المجلس الوطني والمجلس المركزي واللجنة التنفيذية ولكنه يقاطع الاجتماعات. في اطار هذا الارتباك اتت نظرته للسلطة غير واضحة خاصة في المرحلة الاولى فقد كان امام خيارات: هل يتعامل معها؟ هل يقاطعها؟ لقد كانت حالة جديدة بالنسبة له لم يكن هذا التيار مهيئا لمواجهتها. ومن جهة اخرى هذا التيار جزء من المنظمة ولكنه ليس جزءا من السلطة ويحاول ان يفرق بينهما: بين المنظمة والسلطة مع ان المنظمة والسلطة الان هما حالة واحدة شيء واحد وجسم واحد. ان وجود قيادة هذا التيار - او قيادة بعض قواه - في الخارج يخلق داخله نوعا من عدم وحدة النظرة او وحدة التقييم للوضع في الداخل وانا طبعا لا اعني ولا يمكن ان اعني ان من بالخارج متأثر بالخارج بل اقول ان الوجود على ارض الواقع ربما يعطي فرصة لتقييم اكثر موضوعية وواقعية مما يعطي لمن هو بعيد عن الواقع ومن هنا لا تكون هناك وحدة تحليل او وحدة تقييم لهذا الموقف او لهذه القضية احيانا داخل الفصيل الواحد. في الحالات اليومية تطرأ ارباكات على عمل هذا التيار اذ ليس لديه الامكانية او القدرة على الانطلاق ببرنامجه التحرري الذي مازال يتمسك به بما فيها موضوعة الكفاح المسلح بسبب الموانع والقيود التي تفرضها الاتفاقات والسلطة وعدم رغبته في الاصطدام بها وبسبب عوامل ضعفه الذاتية ايضا. * لكن علي ان اعترف ان قضية الوحدة الوطنية لدى هذا التيار هي اكثر جدية لاسباب: اولا: انه ابن المنظمة واعتاد ان يكون داخل الاطار. ثانيا: قضية الوحدة تحل بعض الاشكالات والارباكات وعدم التجانس داخله. * وقبل ان انتقل الى الخلاصة اشير الى قضيتين لهما مساس بموضوع الوحدة الوطنية, وتؤثران فيه. اولا: هناك عدد من الاحزاب والفصائل لم استطع افرادها بتيار خاص بها لانها لا تندرج تحت عنوان المعارضة فهي رسميا موجودة في اطار منظمة التحرير واطار السلطة الوطنية وان كانت لها مواقف نقدية وتحاول ان تميز نفسها داخل اطار المنظمة والسلطة عبر العديد من المطالبات الاصلاحية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. دون ان تجعل من عدم الاستجابة لمطالبها سببا لخروجها من دائرة الاطار الرسمي. وهذه القوى هي حزب الشعب الفلسطيني (الشيوعي سابقا) وحزب فدا وجبهة النضال الشعبي الفلسطيني وجبهة التحرير الفلسطينية. والوضع الذي تعيشه هذه القوى من حيث وجودها داخل اطار المنظمة والسلطة ودون ان تؤثر في مسارها او في الاجراءات الصادرة عنها صعب من قدرة هذه القوى على تمييز نفسها وحملها جزءا من مسؤولية ما يجري دون رغبة منها. ثانيا: ان قيام سلطة وطنية واقامة مؤسسات حكومية شبيهة بمؤسسات الدولة وفتح الباب امام انشاء الاحزاب السياسية وممارسة شروط المجتمع المدني في مناطق السلطة الوطنية ادخل حالة من الارباك على الفصائل والتنظيمات الفلسطينية جميعها سواء المشاركة في السلطة او الموجودة خارجها فهي من جهة مازالت تحمل اسم الفصائل وبرامجها هي برامج تحرر وطني ومن جهة اخرى بات عليها ان تتصرف كأحزاب وتمارس مهمات المجتمع المدني التي لم تكن في برامجها اصلا. الخلاصة: اولا: ابتعاد المنظمة والسلطة الوطنية عن دورهما كحركتي تحرر وطنيتين يفقد شعار الوحدة الوطنية فيهما اهم اساساته وحوافزه. ثانيا: قضية الوحدة الوطنية وللاسف الشديد لم تعد في الفترة الحالية قضية شعبية ولم تتحول رغم كل الشعارات التي ترفع حولها الى قضية فاعلة ومتفاعلة في الشارع بحيث يصبح الدور الشعبي عاملا ضاغطا على القوى السياسية لتحقيقها. ثالثا: غياب دور المنظمات الشعبية والمهنية التي اصبحت جزءا من جهاز السلطة. رابعا: الوضع الاقتصادي الضاغط على الناس وانشغالهم بهمومهم. خامسا: الاحباط العام نتيجة الاخفاقات السياسية والضائقة الاقتصادية بحيث لا يرى الناس في قضية الوحدة الوطنية ذلك المخلص الذي ينتشلهم من هذا الواقع. سادسا: لكل طرف من التيارات الثلاثة اسبابه وشروطه من جهة الموانع والعقبات او الخطوط الحمراء التي لا يستطيع تجاوزها وكذلك لكل منها ارباكاته الداخلية مما يجعل حتى وحدة قوى المعارضة ذاتها على برنامج موحد امر غير قابل للتحكم فيه فهي قد تتفق على هذه النقطة او تجاه هذه القضية او تلك او على هذا الموقف او ذاك ولكنها لا تستطيع ان تتفق على برنامج. لقد اتضح هذا الامر من خلال موقف ممثلي التيار الاسلامي في لجنة المتابعة التي انبثقت عن مؤتمر القوى الشعبية وذلك حين عبروا عن استعدادهم للتعاون والاتفاق على كل قضية على حدة دون الالتزام ببرنامج موحد (عمل بالقطاعي وليس بالجملة) وكان من نتيجة الاختلاف داخل تيارات وقوى المعارضة ان انكمشت تلك الاطر من المعارضة وتضاءل عملها. سابعا: الكل يقدم قضية الوحدة الوطنية على انها خشبة الخلاص ولكنه يتجاهل الموانع الايديولوجية والسياسية والامنية القائمة والتي تحول دون تحقيقها. الحل: * هناك تصورات عديدة منها: اولا: اما ان تسلم قوى المعارضة بشروط السلطة وتنخرط في اطرها وبرنامجها السياسي وهذا الامر يبدو غير ممكن او مستحيلا. ثانيا: او تتوحد قوى المعارضة وقياداتها على برنامج موحد وتواصل نضالها على اساسه متحملة نتائج تعارضها مع السلطة وهذا ليس سهلا للاختلافات السياسية والايديولوجية والذاتية السالفة الذكر, ولما يمكن ان يشكله مثل هذا الامر من خطر على الوحدة الداخلية للشعب وما يمكن ان يسببه من صراعات وحرب اهلية وهو امر لا يجرؤ احد على الاقدام عليه او تحمل مسؤوليته. ثالثا: او ان تحاول هذه القوى (قوى المعارضة) ان تنتزع - طالما هي لا تستطيع ان تذهب الى مواقع السلطة ولا تستطيع ان تجر السلطة الى جزء من مواقعها - (ان تعمل على انتزاع) تعهد من السلطة الوطنية بعدم التفريط في قضايا الحل النهائي وعدم التوقيع على اي حل نهائي لا يتضمن تحقيق ما جاء في البرنامج الوطني للمنظمة. رابعا: ان تعتبر المعارضة هذه المرحلة ليست مرحلتها ولا يمكنها تحقيق انجازات فيها ولا تستطيع التأثير في مواقف السلطة وبالتالي تكتفي بالمراهنة على المراحل المستقبلية وتكرس جهدها في المرحلة الراهنة على التوعية والتعبئة والتنظيم.