الأوضاع الاقتصادية الحالية في كل دول أمريكا اللاتينية غير مطمئنة, فالقارة تشهد من شمالها إلى جنوبها تحركات دولية مشبوهة تهدف في النهاية إلى زيادة تفاقم الأوضاع القاسية التي تعيشها شعوب القارة اكثر مما تهدف إلى حل مشاكلها الاقتصادية, دون النظر إلى ما قد ينتج عن ذلك من مشاكل اجتماعية تنعكس بالتالي على تلك المجتمعات بمزيد من العنف في سلوكيات أفراد تلك المجتمعات, التي تعيش تحولات سريعة لا تترك لها فرصة لالتقاط الأنفاس. في الوقت الذي فشلت فيه كل الجهود من اجل الحصول على مساعدات اقتصادية حقيقية من جانب دول الاتحاد الأوروبي خلال مؤتمر (ريو دي جانيرو) , الذي عقد في البرازيل خلال الشهر الماضي, وانتهت تلك الجهود إلى مجرد وعود وصور تذكارية, قررت الولايات المتحدة أن تعلن عن وجودها في الساحة من خلال صندوق النقد الدولي, الذي بدأ يتخذ من الإجراءات ما يبشر بشتاء ساخن جدا جنوب خط الاستواء في أمريكا اللاتينية (معظم دول أمريكا اللاتينية تقع في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية, وبينما نعاني نحن من حرارة الصيف بدأت هناك برودة الشتاء القارص). بدأ صندوق النقد الدولي يختار ضحاياه في تلك القارة التعسة بصورة انتقائية, وقرر البدء بالإكوادور التي لا يزيد عدد سكانها على 12 مليون نسمة, وتعيش أوضاعا اقتصادية واجتماعية قاسية, على الرغم من أنها تعتبر من اكثر دول جنوب أمريكا ثراء بالمواد الأولية, لكنها تعتبر في الوقت نفسه من اكثر تلك الدول فقرا, وتئن تحت ثقل ديون خارجية بلغت 16 مليار دولار, وواجهت خلال السنوات الأخيرة مع غيرها من دول المنطقة عددا من الكوارث الطبيعية من إعصار (النينيو) إلى إعصار (ميش) وغيرها من الكوارث الطبيعية. إضافة إلى انخفاض أسعار البترول خلال الأشهر الماضية, وهو المادة الخام الوحيدة التي تدر دخلا من العملات الأجنبية على البلاد, فإن الإكوادور تعيش على حافة حرب يمكن أن تشتعل في أي لحظة بسبب صراع الحدود مع جارتها البيرو, وحياة سياسية غير مستقرة بلغ فيها الصراع إلى حد العنف في الانتخابات التي جرت العام الماضي وفاز فيها الرئيس جميل معوض اللبناني الأصل. أمام هذه الأوضاع المتفجرة التي تشبه قنبلة موقوتة في حد ذاتها جاء صندوق النقد الدولي ليلقي مزيدا من الزيت على النيران المشتعلة, الصندوق يضغط من أجل زيادة معاناة سكان الإكوادور, ويطالب الرئيس جميل معوض باتخاذ إجراءات اقتصادية اكثر قسوة للحد من العجز في الموازنة العامة للدولة, وذلك برفع الدعم عن المواد الغذائية الرئيسية, بل ومد مظلة الضرائب لتشمل تلك المواد, وأيضا زيادة أسعار الوقود والمحروقات بنسبة 66 في المائة مما يزيد من الأعباء على الطبقات الفقيرة والكادحة بشكل يزيد من عجزها عن مواجهة المتطلبات المعيشية الأساسية. (روشتة) صندوق النقد الدولي المفروضة على الرئيس جميل معوض كشروط مسبقة لحصوله على مزيد من القروض, التي تُضاف بدورها إلى الديون الخارجية القديمة, وضعت حكومة الإكوادور بين المطرقة والسندان, من ناحية لم تترك له جماعة واحدة في البلاد يمكنها أن تدافع عنه, أو تقبل تلك الإجراءات الاقتصادية القاسية, بل أن جميع الجماعات الاجتماعية من أول الجماعات الفقيرة وأبناء الهنود الحمر سكان البلاد الأصليين, وحتى الجماعات التي كانت تنتمي إلى الطبقة المتوسطة تقف ضد هذه الإجراءات, بل أن طبقة التجار والأثرياء بدأت ترى في تلك الإجراءات تهديدا لمصالحها, لأن عجز الطبقة الفقيرة عن الشراء سوف يؤدي إلى مزيد من الكساد, وهذا يتحول بالتالي إلى انخفاض الإرباح التي كانت تحققها هذه الطبقة. من ناحية أخرى لم يعد أمام الرئيس جميل معوض وحكومته من سبيل سوى قبول شروط صندوق النقد الدولي, حتى لا يتعرض للعزلة الدولية التي يمكن للمؤسسات المالية الدولية أن تفرضها عليه بسبب عجز بلاده عن الوفاء بالديون السابقة, مما يضع اقتصاد البلاد في حالة من العجز الكامل, وإعلان الإفلاس, لكن هذا القبول غير المشروط لأوامر صندوق النقد الدولي يعني الانفجار الشعبي, وما يمكن أن ينتج عن هذا الانفجار من سلبيات بعيدة المدى. حكومة جميل معوض تعرف ما هو الغضب الشعبي وجربته قبل وقت ليس بالبعيد, فقد انفجرت الجماهير الغاضبة في وجهه قبل أربعة اشهر, معبرة عن رفضها للإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها تلك الحكومة عندما قررت مواجهة هروب رؤوس الأموال من البلاد عبر عدد من الإجراءات المصرفية, منها تجميد 50 في المائة من جميع الحسابات الجارية وحسابات صناديق التوفير لمدة سنة, وتجميد جميع الحسابات المصرفية التي يحتفظ بها أصحابها في حسابات مغلقة أو محددة المدة. هذه الإجراءات القاسية التي حرمت أفراد الشعب من أموالهم لم تحل المشكلة, بل زادت من حدة ارتفاع العملة الأمريكية (الدولار) مقابل العملة الإكوادورية (السوكري) , الذي فقد اكثر من 20 في المائة من قيمته في أسابيع قليلة, وزاد من وجود أزمة سيولة نقدية في البلاد تعتبرها طبقة التجار أساسية من اجل ممارسة عمليات الاستيراد والتصدير, فتوقف الإنتاج في المصانع, وانخفض الطلب على المعروض في الأسواق الداخلية, وقلل من قدرة التجار على التصدير إلى الخارج لعدم قدرتهم على دفع ثمن المنتجات, إضافة إلى ارتفاع أسعار مصروفات تصديرها بسبب ارتفاع الضرائب وسعر الدولار مقابل العملة الوطنية. في الخارج أحدثت هذه الإجراءات هزة عنيفة في الأسواق المالية الدولية, نتج عنها فقدان الثقة في قدرة الإكوادور على الوفاء بالتزاماتها تجاه المؤسسات المالية الدولية, مما دفع البنوك إلى وقف مد البلاد بما تحتاجه من أموال وقروض متفق عليها من قبل, وأدى هذا إلى عجز في مواجهة تمويل المشروعات التي تشرف عليها الدولة, وزاد من حدة مديونية المصارف المحلية التي بلغت ديونها المحلية خلال النصف الأول من هذا العام حوالي 3800 مليون دولار أمريكي, وتصل ديونها الخارجية إلى ما يزيد على ألف مليون دولار أمريكي. النتيجة النهائية لهذه السياسة أن الشركات المحلية لم تعد تجد أسواقا لها في الداخل ولا في الخارج لتصريف منتجاتها, وبينما تحاول تلك الشركات أن تخفض قدر الإمكان من حجم مكاسبها لتجعل الأسعار في متناول القدرة الشرائية المحدودة, قررت الحكومة زيادة الضرائب على تلك المنتجات, مما أدى إلى زيادة حجم الأعباء المالية على تلك الشركات, وانعكس هذا بالتالي على أسعار منتجاتها. أمام هذه الأوضاع الحالكة لم يعد أمام حكومة الإكوادور من خيار سوى قبول شروط صندوق النقد الدولي ومواجهة النقمة الشعبية العارمة, لكن يبدو أن هذا القبول لن يمكن الحكومة من حل المشاكل المزمنة التي تعيشها البلاد, بل أن رفض هذه الشروط وبالتالي عدم الحصول على القروض لن يكون الحل الأمثل, لأن الإكوادور بقبولها أو رفضها لشروط صندوق النقد كالمستجير بالرمضاء من النار, والبنك الدولي لا يعرف الفقراء, بل يفهم فقط في الأرقام الباردة المحصنة ضد العواطف النبيلة. كاتب مصري مقيم في اسبانيا