يحوز الحق في التنمية اجماعاً دولياً معتبراً, أهّله لأن يكون موضع اعلان مستقل من جانب الجمعية العامة للامم المتحدة منذ العام 1986, واحتفت به كل المؤتمرات الدولية الكبرى التي ميزت العقد الماضي في علاقته بالديمقراطية وحقوق الانسان والبيئة والغذاء والصحة وقضايا التنمية البشرية والمرأة والطفل , وبالمثل الحوارات الدولية داخل الشمال وداخل الجنوب وبينهما. وتبنت العديد من المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية مشروعات وبرامج مختلفة لدعم جهود الحكومات في التنمية. وقد ساهمت هذه الجهود في بلورة الاشكاليات المختلفة امام اعمال هذا الحق, وتحديد العوائق التي تعوق اعماله, لكنها لم تتجاوز هذا الحد, فلم يتبلور توافق دولي ملموس حول سبل اعماله ولا حتى معايير ومؤشرات انجازه, وظلت جهود التنمية تدور في مدار مستقل عن التنمية (كحق) او عن التنمية في علاقتها بحقوق الانسان انطلاقاً من املاءات الواقع وشروط العلاقات الدولية. وقد اضافت التطورات المتلاحقة في موازين القوى الدولية, والتطورات في الثقافة والمعارف والاتصالات خلال العقد الاخير تحديات جديدة امام اعمال الحق في التنمية وبخاصة في البلدان النامية. كما افضت الى تبلور حقائق سياسية واقتصادية واجتماعية جديدة بالتبعية وبالتراكم, ووضع كل هذا البلدان النامية امام خيارات جديدة لم تكن واردة من قبل. وتعنى هذه الورقة بالتحديات الجديدة امام اعمال الحق في التنمية سواء في ذاتها او في تفاعلها مع التحديات القائمة مع تركيز خاص على البلدان العربية, بدءاً من تلك التحديات الناجمة عن اسقاطات النظام الدولي, الى تلك المترتبة على تفاعلات النظام الاقليمي, وانتهاء بالتحديات المنبثقة من المستوى الوطني او المحلي. اخذا في الاعتبار ان هناك درجة عالية من التداخل بين مصادر التأثير الثلاثة وبين مكونات كل تحد. حق العمل وحق الكسل لعل من اهم القضايا المرتبطة بحقوق الانسان الاقتصادية في بلدان العالم النامي, وفي مجتمعاتنا العربية, هي حق العمل المنتج لكل مواطن, فهو حق اساسي من حقوق الانسان حتى يشعر بكرامته ولا يعيش (عالة على الآخرين) , او يشعر انه خارج دائرة الانتاج والكسب والابداع. والمقصود هنا حق العمل الدائم والمنتج, وليست تلك الطائفة من الاعمال والوظائف غير المنتظمة, في اطار ما تسميه الكتابات الاقتصادية بالقطاع غير المنظم Informal sector فتلك الاعمال والوظائف قد تطعم الانسان من جوع, ولكن لا تؤمنه من خوف ومن غدر الزمان, فهي مجرد عمل مؤقت لا يصنع حياة منتظمة تساعد على الاستقرار والزواج والسكن والمضي قدما في دروب الحياة. وتلك القضية تلقي ضوءا على قصة الالاف من هؤلاء الشباب الذين دفعهم الاحباط الاقتصادي والتململ من الظلم الاجتماعي لكي يكونوا رصيدا للعنف السياسي والارهاب الاعمى. ولعل نوعية (البطالة) التي يعاني منها المجتمع المصري الان, مثله في ذلك مثل العديد من المجتمعات العربية تختلف عن نوعية البطالة التي كانت تسود في الماضي, حيث كانت (البطالة المقنعة) تسود الريف المصري في الخمسينات والستينات والنصف الاول من السبعينات. كذلك كانت هناك (بطالة) متفشية في صفوف (غير المتعلمين) وفئات العمالة غير الماهرة, التي كان ينضم بعضها الى صفوف (عمال التراحيل) اما اليوم فان (البطالة المستحدثة) هي في صفوف الشباب من انصاف المتعلمين (خريجي المدارس الثانوية والمتوسطة) الذين لهم تطلعات اجتماعية ووظيفية مرتفعة لا يمكنون من تلبيتها. وتشير بيانات تعداد السكان في مصر (نوفمبر1996) الى ان 75% من المتعطلين هم من حملة (المؤهلات المتوسطة) ومن حيث التركيب العمري للمتعطلين, نجد ان 78% من المتعطلين يقعون في الفئة العمرية من 20-30 سنة, اي هم في (شرخ الشباب ) ومعظمهم يدخلون (سوق العمل) لاول مرة وهكذا فان من الضروري انتشار (البطالة المستحدثة) وهي بطالة شبابية ونصف متعلمة, بالدرجة الاولى. وهذا النوع من البطالة له ابعاده الاجتماعية والسياسية, وليس مجرد (ظاهرة اقتصادية) ولذا فان من الضروري معالجة مشكلة البطالة على اسس راسخة وليست مؤقتة, حتى تصب سواعد الشباب في البلدان العربية في مسيرة التنمية. ان توفير (حق العمل) وسبل العيش الكريم هو مسؤولية المجتمع في مجموعه, اي مسؤولية الدولة والقطاع الخاص والجمعيات الاهلية معا... ولن يستقيم حال المجتمع اذا كان البعض يتضور جوعا ويجد مستقبله مظلما وسبل الترقي مغلقة امامه, بينما الاخرون يعانون من التخمة وينعمون بكل اسباب الرفاهة ويجدون كل السبل المشروعة وغير المشروعة مفتوحة امامهم بلا حساب. وعلى الجانب الآخر من الصورة, نجد ان هناك الكثيرين الذين ينعمون (بحق العمل) , ولكن بأية شروط وفي اية ظروف؟ فهناك من يعمل بكثافة ومشقة ولساعات عمل طويلة, حتى ايام العطلات والراحات لكي يحقق (دخل الكفاف) الذي يكفي بالكاد لسد حاجات اسرته وابنائه. كما نعلم جميعا ان هناك من اسعده الحظ بالقيام باكثر من عمل: عمل رسمي في الصباح وعمل غير رسمي في المساء لكنه في مقابل ذلك لا يجد وقتا للنوم او للراحة... او حتى لرؤية اولاده... ناهيك عن القدرة على الاستمتاع بالحياة بما يسمى (وقت الفراغ) وهؤلاء ايضا يدفعون ثمنا غاليا من لحمهم ودمهم واعمارهم لكي يواصلوا مسيرة الحياة. ويصبح (العمل) والعمل الاضافي لديهم مشقة وليس متعة... بل حملا ثقيلا ينوءون به. وبهذا الصدد, يحضرني عنوان كتاب لكاتب فرنسي متميز في علم الاجتماع هو بول لافارج عنوانه (الحق في الكسل) (Le Droita la paresse) اذ من حق هؤلاء الكادحين ليلا ونهارا بلا توقف ان يخلدوا الى قدر من الراحة, ويسعوا للحصول على (حق الكسل) ... لان قليلا من الكسل والاستمتاع بوقت الفراغ, يجدد الطاقة ويحافظ على آدمية الانسان! هكذا... فان المجتمع السليم هو الذي يكفل (حق العمل) للجميع, ويضمن (حق الكسل) لهؤلاء المربوطين في ساقية العمل ليل نهار... ويالها من (علاقة جدلية مثيرة) ! اشباع الحاجات الاساسية مع بداية الهبوط للعوائد النفطية, وتطبيق ميزانيات التقشف في العديد من البلدان النفطية وغير النفطية, فان اس (العقد الاجتماعي) القائم في البلدان العربية منذ منتصف السبعينات يتعرض اليوم لتصدع خطير. اذ ان ضغط الانفاق المالي العام في تلك البلدان سيؤدي الى تخفيض حجم الانفاق الموجه لدعم الاوضاع الاقتصادية للفئات الوسطى والشعبية, بخاصة في مجال خدمات الاسكان والصحة والسلع الغذائية المدعومة والتوسع في فرص التوظف. وهكذا, فان انحسار الموجة النفطية في المستقبل سوف يفضي الى ازمة بنيوية حادة, نتيجة عدم التوافق ــ بين مقومات البنيان الاجتماعي والطبقي ــ الذي ولدته الحقبة النفطية من ناحية ــ وبين تيارات الدخل و(الانفاق) في المجتمعات العربية المعاصرة, من ناحية اخرى, فبمجرد انتهاء مفعول (المخدر النفطي, سوف تفيق المجتمعات العربية من غفوتها ــ على حقائق الوضعية الجديدة: (وضعية ما بعد النفط) , حيث يصعب اعادة انتاج الاوضاع الاقتصادية التي سادت خلال الحقبة النفطية خلال (الخمس والعشرين سنة الماضية), بفعل (دخول ريعية) طارئة غير مرتبطة بالاساس المادي لعمليات الانتاج واعادة الانتاج في الاقتصاد العربي. وتدل كل الشواهد والمؤشرات على ان السنوات المقبلة, الممتدة خلال الحقبة الاولى للقرن الواحد والعشرين, سوف تشهد ازمة (تصدع) للاوضاع الاقتصادية والاجتماعية, المستندة الى (الحالة الريعية) التي ولدها (الريع النفطي) ومشتقاته في معظم البلدان العربية, ويمكن رصد بعض تلك التطورات المستقبلية من خلال بعض المؤشرات: تصدع ما يمكن تسميته عقد (الرشوة الاقتصادية) ــ غير المكتوب ــ بين الطبقات الحاكمة والفئات الوسطى في البلدان العربية, اذ لم يعد في مقدور (مالية الدولة) تقديم المزيد من المزايا المالية والعينية للفئات الوسطى. 2 ــ لم تعد (الهجرة للبلدان النفطية) متاحة بنفس الدرجة والاتساع لطالبي الهجرة, وبالتالي سوف يضعف دورها كآلية تساعد على وقف تدهور الاوضاع المادية والمكانة الاجتماعية للفئات الوسطى وفئات العمالة الماهرة وغير الماهرة في البلدان المصدرة للعمالة, نتيجة تراجع العائدات النفطية. تضاؤل (اثار التساقط) التى تذهب للفئات والجماهير الشعبية العريضة (العمال, وصغار وفقراء الفلاحين, والفئات الهامشية المسحوقة) وذلك نتيجة الازمة العامة لمالية الدولة, بما لها من انعكاسات سلبية في بعض المجالات الهامة مثل: دعم السلع التموينية الاساسية, مجانية التعليم, الاسكان الشعبي, خلق فرص جديدة للتوظف. اذ انه مع تصاعد وتفاقم ازمة (عجز الموازنة العامة للدولة) في معظم البلدان العربية, واتباع سياسات (التصحيح الهيكلي) التي تستند الى توصيات صندوق النقد الدولي, يجرى ضغط الانفاق الحكومي (الجاري والرأسمالي) في مجال اشباع الحاجات الاساسية للسكان, وكل هذه الاجراءات تضع الفئات الوسطى والطبقات الشعبية وجها لوجه في مواجهة الازمة الاقتصادية دون مظلة واقية, كما كان الحال من قبل. وهكذا ينتقل (العجز) من (موازنة الدولة) الى (موازنة الافراد) و(الاسر) الذين سوف يعيشون في ظل سياسة (العجز المستديم) , وحينما تتخلى الدولة عن اشباع الحاجات الاساسية للسكان, فسوف تملأ الفراغ اطراف اخرى.. وسوف يظهر ما يسمى Robin Hood effect حيث يتم اضفاء المشروعية على كل عمل تقوم به العصابات المنظمة والجماعات (غير الرسمية) والانشطة غير النظامية لاشباع الحاجات الاساسية لاقسام من السكان. في ظل الظروف الراهنة للمجتمع العربي, فاننا نعتقد انه مع انحسار الحقبة النفطية, والخروج من (الحالة الريعية) التي سادت خلال العشرين عاما الماضية, فان ذلك سوف يفرض بدوره تحولات اجتماعية وسياسية, وتصويبات اقتصادية هامة في المستقبل, لعل اهمها التمسك بالحق الاساسي في (التنمية المتواصلة) واعادة التوازن الى بنية الاقتصاد العربي, لكي يتم الاعتماد على قطاعات: الزراعة, والصناعة المتقدمة, والخدمات الحديثة, بدلا من الاعتماد في عمليات النمو على قطاعات: التجارة, المال, التشييد, البناء على النحو الذي في المنطقة العربية خلال العشرين عاما الماضية. اذ لا يمكن ان تستقيم (مسيرة التنمية) بالاستناد الى تلك الفروع الثلاثة للنشاط الاقتصادي دون هياكل انتاجية وتصديرية. على النحو الذي شهدناه في المنطقة العربية خلال العشرين عاما الماضية, اذ لايمكن ان تستقيم (مسيرة التنمية) بالاستناد الى تلك الفروع الثلاثة للنشاط الاقتصادي دون هياكل انتاجية وتصديرية متقدمة, ولذا لابد من الخروج من (الدورة الفاسدة) الراهنة لتدوير الاموال, التي لاتفضي الى تراكم انتاجي وتصديري, وتفسد حق الانسان في التنمية. التنمية تحت الاحتلال والحصار ينفرد الوطن العربي بظاهرة فريدة تؤثر تأثيرا خطيرا على حقوق الانسان والتنمية لاحد شعوبه, وهي ظاهرة الاحتلال الاستيطاني الصهيوني في فلسطين, وبغير الحاجة للخوض في رحلة العذاب الطويلة والمضنية التي يشهدها الشعب الفلسطيني في ظل هذه الظاهرة بابعادها متعددة الجوانب, فاننا نكتفي بالاشارة للنقاط التالية اتصالا بموضوع هذه الورقة: تعاني التنمية الفلسطينية من سياسات تمييزية شديدة فيما يتعلق باستخدام الموارد الطبيعية من مصادرة الاراضي وتقييد استخدام المياه ومستلزمات الانتاج في ظل السياسات الاستيطانية التي تستهدف احلال المستوطنين الاسرائيليين محل المواطنين الفلسطينيين, وقد اثرت هذه السياسات تأثيرات بالغة الخطورة على قدرة الشعب الفلسطيني على التنمية وضاعفت من حدة المشكلة السياسات التسويقية التي تفرضها السلطات الاسرائيلية. تعدد التدابير الامنية التي تفرضها سلطات الاحتلال الاسرائيلي على حركة السلع والاشخاص والعمل داخل مناطق الخط الاخضر, وفرض اشكال متنوعة من الحصار على الشعب الفلسطيني مما يعرقل العمليات الانتاجية ويزيد من اضطراب مصادر الدخل, ويفضي احيانا الى اتلاف الحاصلات المعدة للتصدير, وتشهد مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني منذ مارس 1996 بعضا من اوسع التدابير التي اتخذت في هذا الصدد في اعقاب بعض العمليات الفدائية في القدس وعسقلان تختلف عن جميع الممارسات السابقة خلال العقود الثلاثة السابقة, فبدلا من الاكتفاء باغلاق معابر الضفة والقطاع الى اسرائيل تم فرض اطواق على 486 تجمعا سكنيا في الضفة, وقطع الاتصال بين هذه التجمعات وعزلها عن العالم الخارجي, مما ادى الى ارتفاع نسبة البطالة الى 78% وألحق اذى بالغا بالزراعة, واوقف استيراد المواد التموينية او تصديرها, وما زال بعض هذه التدابير الامنية ساريا وتأثيراته قائمة. شهدت سنوات الاحتلال الاسرائيلي المديد عملية ادماج واسعة للبنية التحتية في الاراضي الفلسطينية المحتلة في البنية التحتية الاسرائيلية من كهرباء ومياه وخدمات مما يخضع القدرات الانتاجية الفلسطينية لاهداف ومخططات وسياسات الاحتلال ولم تغير اتفاقيات اوسلو كثيرا من هذا الواقع المؤسف, ولا من علاقات اسرائيل بالاراضي الفلسطينية المحتلة حيث صعدت من نزاعها على المصادر, وجمدت كل فرص التنمية الحقيقية بعرقلة المشروعات التي تخدم التجارة مثل تنمية المنافذ الجوية والبحرية والطرق والمواصلات, كما طورت سياسة الاغلاق كأداة سياسية, واستخدمتها كوسيلة للعقاب الجماعي كلما نشبت اعمال العنف حتى لو بدأت من جانب اسرائيليين واصبح الاغلاق سياسة شائعة منذ بداية عملية اوسلو وذات تأثير فادح على الاقتصاد والدخل للمواطنين الفلسطينيين. وحتى عندما تسمح اسرائيل للعمال بالانتقال للعمل فانهم يواجهون, معاملة قاسية قبل وصولهم لاعمالهم, كما يواجهون في مجال اعمالهم التمييز من جانب الحكومة الاسرائيلية. وتمثل العراق حالة فريدة اخرى في واقع مدمر للحق في التنمية, فحتى مع استبعاد التأثيرات المباشرة لعملية عاصفة الصحراء في العالم 1991, والتي استهدفت البنية الاساسية العراقية, وافضت الى خسائر قدرها صندوق النقد العربي بزهاء 190 بليون دولار, فقد شهد العراق نمطا غير مسبوق من العقوبات الاقتصادية منذ اغسطس 1990, تأسس على آليات دولية متطورة تستهدف شل التنمية تماما, وافضى الى كارثة انسانية بكل المعايير لا يتردد في الاعتراف بها حتى الذين يشاركون في ممارسة الحصار وان كانوا يحملون مسؤوليتها للنظام العراقي. ورغم كثرة ما يكتب عن وصف مأساة العراق, فان مجمل الادبيات تتناوله من احد منظورين, ادانة نظام العقوبات الذي يفرضه مجلس الامن, او ادانة النظام العراقي, لكن قلما بذلت جهود حقيقية لتقصي ظروف التنمية في العراق تحت الحصار ومستقبل هذا البلد المنكوب نتيجة لاستمرار الحصار لقرابة عقد كامل, وأسقط العراق من العديد من مصادر الاحصاءات الاقتصادية الموثقة. في هذا الاطار قد يكون من المستحيل اجراء تقييم جدي لنمط تفاعل العراق مع المأزق الراهن وقدرته على حشد مصادره البشرية الملموسة, لكن تظل دراسة ابعاد هذه الامر واجبة, اولا لاننا لا نعلم حتى الان متى تنتهي هذه الكارثة الانسانية, وثانيا لان النموذج العراقي يظل النموذج الحي للتفاعل مع الكوارث. لقد دهش المراقبون, وبينهم الباحث نفسه, لقدرة العراق على اعادة اصلاح بنيته التحتية في ظل الحظر, اذ تولى المهندسون والفنيون العراقيون اصلاح جسور بغداد التي تضررت من جراء القصف الجوي واعادة بناء مركز الهاتف المركزي ومحطات توليد الطاقة بتطوير تقانات محلية, وكذا اصلاح منشآت النفط وانابيبه مما مكن العراق من تصدير مليون برميل من النفط يوميا عندما رفع الحظر جزئيا عنه. لكن في المقابل لاحظ باحثون ان انجاز العراق في قطاعات اخرى كان اقل نجاحا, مثل مجال الانتاج الزراعي, او في مواجهة مشكلات الصحة والتعليم والصرف الصحي وتوفير المياه النقية. وليس الهدف من هذه الاشارة هو تقييم السياسات التنموية في العراق, او اظهار اوجه النجاح والقصور فهذا يخرج عن نطاق هذه الورقة, ولكن القصد هو اظهار حقيقتين, اولاهما عدم جدوى هذا الحصار في تحقيق اهدافه السياسية, واقتصار نتائجه على مضاعفة معاناة الشعب العراقي, وثانيتهما انه رغم استبسال الشعب العراقي في تحمل العقوبات, فقد احدثت هذه العقوبات تأثيرات خطيرة في التنمية, وعلى ندرة المعلومات المتابعة لتطور الناتج المحلي الاجمالي في العراق, فقد رصدت الاسكوا تدهورا شديدا في تطور هذا الناتج من 14.3 مليون دولار عام (1988) الى 4.9 مليار دولار (1994) الى 1.4 مليار دولار (1996) ويعني هذا الحاجة الى مزيد من الجهد العربي والدولي نحو وضع نهاية لهذا الحصار. ** ورقة عمل مشتركة مع محسن عوض مساعد الامين العام للمنظمة العربية لحقوق الانسان, قدمت الى ندوة الحقوق الانسانية والتنمية المنعقدة في القاهرة الشهر الماضي. * رئيس قسم الاقتصاد بكلية الاقتصاد ــ جامعة القاهرة