قبل التوصل إلى اتفاق التسوية الخاص بقضية كوسوفا.. كانت معاناة أبناء الإقليم المنكوب من جراء عمليات الإبادة والتهجير الإجباري واللجوء حديث الجميع داخل أوروبا وخارجها.. ومن المعلوم للكافة أن إقرار التسوية وانقشاع غبار المعارك لم يضع حدا نهائيا لذلك الحديث . إنهم يتحدثون الآن عن صدمة عودة الكوسوفيين والالتقاء بالوطن بعد ما نالت منه ومنهم عوارض الأزمة. وتعتبر هذه النتيجة واحدة من المفارقات المؤلمة لمسألة النزوح والعودة في سياق الحروب الأهلية وعمليات الاقتتال التي تفرض مغادرة الوطن كرها. ففي هذا السياق يؤدي الرحيل عن الوطن إلى قطيعة فجائية في مسار الحياة الطبيعية بكل مضامينها المادية والوجدانية, وهي حالة كارثية قد لا يستطيع تشخيص آلامها المبرحة إلا من قدرت لهم مكابدتها بأنفسهم. ومن دواعي الأسى أن ضمان حق العودة لا يكفل وصل ما انقطع من هذا المسار بشكل تلقائي. بمعنى أن العائدين لا يستأنفون حياتهم فورا من النقطة التي توقفوا عندها ساعة الرحيل, فبين الرحيل والعودة تتراكم كميات ونوعيات هائلة من المتغيرات التي تجعل استمرارية وتيرة الحياة الطبيعية مسألة صعبة المنال, بل وأحيانا مستحيلة لدى البعض.. ويمارس عنصر الزمن دورا مهما في حجم القطعية, فمرور الوقت يعمق الفرق بين حياة ما قبل اللجوء وبعد العودة.. وقد يبلغ هذا الدور شأنا كبيرا بحيث يسوق بعض اللاجئين إلى التكيف مع أوضاع جديدة لا يستطيعون بعدها تفضيل خيار العودة بسهولة. وتقديرنا أن الوعي بهذه الخاصة هو المسؤول عن تضمين النصوص العاطفية على حق العودة بالنسبة لكل حالات اللجوء تقريبا بعبارة (في أقرب وقت ممكن) إذ المقصود بها على الأرجح تضييق المسافة الزمنية بين الرحيل والعودة إلى أقل حد ممكن ومن ثم تحجيم الخسائر المادية والمعنوية الناجمة عن كسر رتابة الحياة واستمراريتها المعتادة بالنسبة لمن اضطر إلى اللجوء. معاناة العودة من يتفهم هذه الجوانب النظرية يستطيع أن يقدر الصعوبات التي يواجهها أبناء كوسوفا وهم بصدد العودة. وهناك نماذج أخرى يمكن أن تساعد على توضيح هذه الجوانب. ففي عام 1994 فر أكثر من مليوني رواندي من مواطنهم تحت وطأة الذعر الجماعي وحملات الإبادة التي استقرت هناك, ويقول مسؤولون في مفوضية الأمم المتحدة للاجئين إنه (عندما بدأت عمليات إعادة أولئك اللاجئين ووجه العائدون بدرجات الأذى والفوضى نفسها تقريبا,التي سبق لهم معاناتها عند اللجوء) . وقد تكرر هذا المثل في حالات أخرى كأفغانستان والصومال. ومؤدى ذلك عموما أن إعادة تطبيع حياة اللاجئين وترميمها مسألة دونها عقبات كأداء وأن المجتمعات التي ابتليت بعمليات النزوح القسري تكون في أقرب نقطة من وضعية الدمار الشامل. وفي نماذج بعينها يصل الأمر إلى اختفاء كل البنى والمؤسسات والأطر التنظيمية والاقتصادية والسياسية التي أجهد المجتمع نفسه في تكوينها لأجيال ممتدة. ولا ريب أن الحالة الفلسطينية مثالية لمن أراد اختبار هذا التقدير فقد أزال الاستعمال الاستيطاني الصهيوني مئات المدن والقرى والمحلات العامرة في فلسطين ونبذ أصحابها إلى الملاجئ. ومن وجهة نظر تستحق التأمل فإن التحطيم المعنوي والنفسي الذي يتعرض له اللاجئون بعامة لا يقل في تأثيره على حياتهم عن تداعيات الهدم المادي وهو ما يستدعي الحاجة إلى علاجات متخصصة بالتوازي مع عمليات إعادة البناء والإعمار وتكوين المؤسسات. إن غالبية الناس لا يتخيلون ضخامة المهمة الرامية إلى جمع أوصال البلاد وشتات المجتمعات التي نكبت بعمليات اللجوء ولذلك لا يكفي أن يستريح المجتمع الدولي لفكرة إعادة اللاجئين إلى ديارهم كحل يعالج حالات اللجوء. فالأفضل من ذلك بكثير أن يتم السعي جديا لاستئصال أسباب اللجوء من المنابع ومن المتصور أن مهمة كهذه تحتاج إلى تحولات في المفاهيم السائدة حول التعامل مع الصراعات الأهلية والدولية. بصيغة أخرى إننا نعتبر غيرة المجتمع الدولي على تطبيق حق العودة بالنسبة لكل من يتعرض للجوء على المستويين الفردي والجماعي اتجاه نبيل لا ينبغي التفريط فيه بأي حال. ولكن الأجدى من ذلك أن تحدث نقلة كبرى إلى الأمام بمعالجة دوافع اللجوء, ففي التحليل النهائي تبقى عمليات الاغاثة المؤقتة ثم تيسير سبل العودة أمام اللاجئين أقرب إلى علاج الأعراض الخارجية للمرض منها إلى تقصي مسبباته واستئصالها وفي بعض الأحيان تواجه هذه العمليات بالفشل الذريع, ويبدو المثل الفلسطيني بارزا مرة أخرى في هذا الإطار. اتساع الهوة والفشل هنا يقود إلى أوضاع كارثية فبمرور الوقت تتجلى الهوة بين أحوال اللاجئين حين كانوا يشكلون مجتمعا متسقا وبين ما أصبحوا عليه من أوضاع أخضعتهم لكل أنماط انتهاك حقوق الإنسان الأساسية منها والثانوية. العودة للوطن هي حقا وصدقا أعز مطالب اللاجئين وأكثرها إلحاحا والقضاء على الانتهاكات ا لمترتبة عليها بيد أن هذه العودة لا تكون في بعض الحالات حادثا سعيدا بالشكل المطلق كما هو المفترض, وذلك حين يستشعر اللاجؤن أنها مخاطرة غير مأمونة العواقب, لأن جذور الصراعات التي أدت إلى اللجوء لاتزال كامنة تحت السطح. وفي أمثلة معينة من آثر لاجئون من أقاليم مزقتها الصراعات كأفغانستان, وضعية اللجوء بكل مساوئها على خيار العودة إلى عوالمهم الأصلية إما لأن هذه العوالم قد تم تدميرها بالكامل, وإما لوجود تصور بأنها ما عادت مأمونة او لأن اللاجئين تكيفوا مع مسارات جديدة لحياتهم بغض النظر عن محاسن هذه المسارات ومثالبها. وفيما يتعلق بهذا العامل الأخير يجوز القول بأن الناس تتكيف مع كل أنماط الحياة بما في ذلك البغيض منها. هناك إذن صعوبات في إمكانية تطبيق حق العودة وصعوبات أخرى في استعادة التوازن المادي والمعنوي لكثير من اللا جئين العائدين أنفسهم إن أمكن تطبيق هذا الحق. وهذه ظواهر تحث على التبصر المعمق في انتهاج مداخل أخرى لنبذ أسباب اللجوء والقضاء عليها. ولعل البداية الصحيحة بهذا الخصوص بذل جهد في الاستطلاع المبكر بمواطن الصراعات التي تنذر بحدوث عمليات النزوح الجماعي والانقضاض عليها قبل استفحالها. ومن المؤكد أن كلفة هذه المنهجية أقل بكثير من التكاليف التي يتعين تحملها بعد وقوع هذه العمليات. كاتب وباحث فلسطيني مقيم في القاهرة