استكمالاً لما كنا طرحناه من رؤى متواضعة لإقرار خطط استراتيجية لاستشراف المستقبل في العالم العربي, وهو ما نعتبره سباقا ضد الزمن ومحاولة لإصلاح ما أفسده الدهر من أحوالنا وتلافيا للفرص الضائعة العديدة التي فرطنا فيها منذ عصر الاصلاح والنهوض في القرن التاسع عشر الى الانهزام الثقافي أمام المشروع الغربي المسمى ظلما بالعالمي أو المعولم . ونعتقد ان للنهوض القادم المرجو أدوات قادرة على رفع التحدي الحضاري واعادة تأهيل العالم العربي للدخول في وسط دائرة التاريخ, لأنه يوجد اليوم في الخط الفاصل بين الدائرة والهامش, ويمكن ببعض المجهود الموفق ان يكتسح التاريخ ويسجل حضوره في صلب صناعة التاريخ أو لا قدر الله ان يطرد خارجه ليكون العرب تابعين ومستهلكين و(أنصار سلام) بالرغم عنهم لأنه لاحول لهم ولاقوة ليكونوا غير ذلك مثلما تدل الادبيات التي تستعمل لمداراة الهزيمة وتزيين الواقع المر. ونحسب أن الجامعات العربية ستكون حتما في الطليعة لأن الجامعات ليست قنوات لتبليغ العلوم أو تكثيف المعرفة أو تخريج الاجيال وانما هي خلايا لاستكشاف الزمن المقبل وتحدياته. ومن أدوات غزو المستقبل نعدد الاتي: 1 ــ اعادة الاعتبار للبحث العلمي بصفته حجر الزاوية في قضية عودتنا لمراكز التأثير العالمية, وأنا أقول اعادة الاعتبار عن قصد لأننا قطعنا الصلة بأصولنا الحضارية التي بوأت البحث العلمي منزلة الصدارة خلال قرون طويلة ولذا وجب علينا العودة للريادة التي فقدناها في ميادين حيوية كالطب والصيدلة والكيمياء والرياضيات والهندسة والفلك وغيرها من العلوم. ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال ارتفع الانفاق على البحث العلمي من 6 مليارات دولار عام 1955 الى 20 ملياراً عام 75 الى 80 ملياراً عام 1990 وتبلغ مساهمة الحكومة في هذه المبالغ معدل النصف تقريباً لتتحمل نصفه الثاني المؤسسات الحرة, وبلغت نسبة ما يخصص للبحث العلمي من الناتج القومي في بعض البلدان ما يلي: المانيا 88.2%, سويسرا 86.2% اليابان 76.2%, كوريا الجنوبية 3.2%. أما في بلداننا العربية فبلغت أحسن دولة بيننا نسبة 33.0%, وذكرت أفضل التقديرات أن ما ينفق سنوياً في كافة البلدان العربية على البحث العلمي لا يتعدى 200 مليون دولار بمعنى آخر بنسبة 1/120 مما تنفقه الولايات المتحدة الأمريكية. وكان نتيجة ذلك البون الشاسع استمرار التبعية العلمية والتكنولوجية والصناعية بصورة أثرت على استقلال القرار الاقتصادي وعلى استقلال الارادة السياسية. 2 ــ تنسيق جهود الجامعات العربية من أجل التخطيط لمزيد من ربط المؤسسات الجامعية بمجتمعاتها المحلية وبوطنها العربي وعالمها الاسلامي الواسع وذلك على الصعيدين التاليين خاصة: أ ــ توحيد المناهج في العلوم الانسانية من شريعة وتاريخ وأدب وجغرافيا وعلم اجتماع وفلسفة لسد الفجوات الموجودة بين مفاهيم حضارية أساسية وظيفتها تشكيل الوجدان العربي الاسلامي, فإذا أخذنا تدريس التاريخ على سبيل المثال وجدنا تبايناً كبيراً بل وفي بعض الأحيان تناقضاً بين شتى تفسيرات الأحداث التاريخية واكتشفنا أنه تقريباً لكل شعب عربي قراءة خاصة للتاريخ العربي الاسلامي المشترك. وهذا الأمر يكون خطيراً مع نشأة أجيال مختلفة المفاهيم لها رؤى متضادة لأمجادها.. حضارياً. ب ــ ضرورة تكثيف التعاون وربط صلات التبادل للخبرات والمنشورات والمناهج والتجارب بين جامعات أوطاننا ومحاولة توحيد المواقف العلمية ازاء القضايا الحديثة التي لها صلة بمستقبلنا المشترك مثل حماية البيئة والهندسة الوراثية وعلوم الاتصال ومصادر الطاقة الى غيرها من القضايا التي تعالج اليوم أكثر بالتعاون مع جامعات غير عربية لأسباب يطول شرحها. هذه جملة من المقترحات العملية أردتها قابلة للحوار والانجاز, بتضافر جهود الخيرين من الصفوة العربية في مواقع القرار أو في الحرم الجامعي العربي أو في منظمات مقتدرة كجامعة الدول العربية أو منظمة المؤتمر الاسلامي أو مجلس التعاون الخليجي, وهذه الأدوات لم نبتدعها ولم نسبق اليها, فهي التي اعتمدتها دول سبقتنا واصبحت مناراتنا مثل اليابان أو المجموعة الأوروبية, ونحن نملك رصيداً حضاريا عربيا واسلاميا تعلمت منه الانسانية قاطبة واعتبرتنا معلميها مثلما أكدت طيبة الذكر الاستاذة سيجموند هونكه التي رحلت عنا منذ أسابيع بعد ان تركت كتابها المتميز (شمس العرب تشرق على الغرب) , وهذا العنوان أمل يستدعي عملاً.. وعمل يستدعي الارادة.