تركيا, وريثة الامبراطورية العثمانية بلد مترامي الاطراف, يتوسط قارتي آسيا واوروبا يربط بين بحار: الابيض المتوسط, الاسود, مرمرة وبحر ايجه, يتميز بالتنوع الحضاري والتعدد القومي والطائفي والمذهبي , يزخر بالطرق الدينية المعروفة: كالنقشبندية والنورسية والقادرية, الخ, شهدت ارضها امجاد امبراطوريات مركزية قوية: الارمينية, البيزنطية والعثمانية على الدوام تفاعلت الجغرافية والتاريخ بتعاقب الحضارات وتداخل الثقافات والعادات. نتيجة لانهيار الامبراطورية العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى, والمعاهدات والاتفاقيات الدولية التي رسمت حدود الجمهورية التركية, تعرضت الخريطة القومية لتقسيمات سياسية, فمن جهة تركت مجموعات من السكان الاتراك خارج حدود جمهورية تركيا, في بلغاريا واليونان وقبرص.. الخ ومن جهة ثانية تركت مجموعات قومية غير تركية: اكراد عرب, ارمن, بلغار... الخ داخل الجمهورية التركية, والجزء الاكبر من سكان تركيا من غير الاتراك يعيش في المناطق الشرقية والجنوبية, ويشكل الاكراد اكثر هؤلاء عدداً, ويتراوح عددهم بين 10 ــ 12 مليوناً, يدين معظمهم بالاسلام وتنتمي لغتهم الى مجموعة اللغات الهندو اوروبية, ويأتي العرب بعد الاكراد عدداً, اكثر من مليوني نسمة, معظمهم من المسلمين وقسم قليل منهم من المسيحيين الكاثوليك, اما الارمن فمعظمهم يعيشون في استانبول وهم مسيحيون على المذهب الغريغوري, اما اليونيانون فيعيشون بشكل خاص في ازمير واستانبول وهم من الارثوذكس حيث يطالبون بوضع خاص للكنيسة الارثوذكسية في استانبول على غرار الفاتيكان في ايطاليا, وهناك اليهود الذين يعيشون في المدن الكبرى, كذلك هناك مجموعات عرقية اخرى مثل: اللاز والتركمان والشركس والظاظ والعزوزيون.. الخ وهؤلاء معظمهم يعيشون في المناطق الشمالية والشمالية الشرقية, وهم يدينون بالاسلام ويتكلمون اللغة التركية. مشكلة تركيا المزمنة تكمن في اسلوب تعاطيها مع الاقليات وهوية البلاد, ويعود ذلك اساساً الى ايدلوجيتها الرسمية, الايدلوجية العلمانية ــ الكمالية, نسبة الى مصطفى كمال أتاتورك الذي فرض على البلاد نظاما دستورياً علمانياً, انكر خصوصيات تركيا والهوية الاسلامية لشعوبها واقلياتها وطوائفها, واوكلت مهمة التنفيذ للعسكر, حيث كثيراً ما تطلب ذلك اجراءات قسرية اقتضت تصفية العديد من الرموز الدينية والقومية غير التركية. ورغم ان تركيا اقرت بالحقوق القومية والدينية للأقليات بموجب البنود 37 حتى 44 من معاهدة لوزان عام ,1923 الا ان الدولة التركية الحديثة تبنت وجهة نظر قومية صرفة حيال الاقليات قائمة على استبعاد وانكار كل مظهر من مظاهر القومية للاقليات وخاصة الكردية منها ووصلت الأمور الى حد انكار وجود الأكراد رسمياً واعتبارهم اتراك جبال, حيث تم شطب كل ما يمت للأكراد وكردستان من كتب التاريخ والجغرافيا والادب والسياسة والانتروبولوجيا وقد حاولت الحكومات التركية المتعاقبة تحقيق كل ذلك بشكل دستوري وقانوني وأمني عبر استيعاب وهضم الاقليات فالدساتير التركية منذ عام 1923 وحتى الآن, اعتبرت جميع سكان تركيا اتراكاً بالضرورة, كما اتجهت القوانين التركية الى الحد من النشاطات الاقتصادية والسياسية والثقافية للأقليات, وعلى سبيل المثال, خلال عام 1934 صدر قانون خاص يتعلق بنزوح واسكان الاقليات القومية والدينية, وبموجبها تم تهجير قسم كبير من الاكراد من مناطقهم خاصة تلك التي شهدت حركات عصيان وتمردات الى المناطق الغربية, والاحصائيات الحديثة تشير الى وجود ثلاثة ملايين كردي في مدينة استانبول ونحو مليوني في انقرة وعلى الرغم من ان الاكراد قاوموا الاجراءات الاقصائية التي استهدفت هويتهم القومية وقاموا بثورات وعصيانات وتمردات على امتداد العشرينات والثلاثينات, ومن اهمها ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925 التي اتخذت طابعاً كردياً قومياً واسلامياً (اصولياً) رداً على الغاء اتاتورك الخلافة الاسلامية عام 1924 الا ان السلطات التركية قمعت هذه الثورة وغيرها بالقوة وارتكبت بحق السكان العديد من المجازر وقد نفذت حكم الاعدام في 29 يونيو (لاحظ نفس اليوم الذي صدر فيه حكم الاعدام بحق عبدالله اوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني) عام 1925 بالشيخ بيران و243 من معاونيه في ساحة المسجد الكبير بمدينة دياربكر, وبالرغم من ان السلطات التركية عمقت من اجراءاتها القمعية ضد الأكراد من حملات: قمع وقتل وتهجير وزج المئات في السجون واعلان مناطقهم مناطق أمنية وطوارىء تخضع للأحكام العرفية, ومنح سلطات مطلقة للحكام المحليين في المناطق الكردية الا ان هذه الاجراءات وغيرها لم تؤد عملياً سوى الى ظهور تنظيمات كردية تتخذ هي الأخرى من العنف وسيلة لتحقيق شعارات قومية تطلع اليها الأكراد طويلاً, وكان نتيجة الأنكار التركي للهوية القومية الكردية وتمسك الاكراد بها, تلك الحرب الدموية بين حزب العمال الكردستاني بزعامة اوجلان والدولة التركية حيث أودت حتى الان بحياة أكثر من ثلاثين ألف كردي وتركي, اضافة الى تدمير نحو اربعة الاف قرية كردية وتهجير الملايين من بلداتهم وقراهم. 2-2 وفي موازاة العنف التركي الرسمي ضد الهوية القومية للاكراد, تشن السلطات التركية حرباً منهجية منظمة ضد الاسلام والنشاط الاسلامي في تركيا بدءاً من منع الناس من التعبير عن هويتهم الاسلامية الى اغلاق المدارس الدينية وضرب نفوذ الاسلاميين وانتهاءً بالتدخل المباشر في الحياة السياسية لابقاء الاسلاميين خارج الحكم, فالسلطات التركية لم تلجأ الى التعاطي الايجابي مع مسألة الاقليات القومية والهوية الاسلامية للبلاد, وعليه بقيت هذه المسألة ثغرة عميقة في بنية المجتمع التركي تظهر الى السطح تحت هذا الظرف أو ذاك, لتخمد ثم لتظهر من جديد, وهكذا. ان القضايا المكونة لهوية البلاد والمتأصلة في ذات الشعوب وهويتها لايمكن حلها بالأساليب العسكرية والأمنية مهما طال الزمن, ولا تفيد سياسة الانكار والتجاهل وتحريف الحقائق والوقائع في شتى, انما تحتاج هذه القضايا الى سياسة واقعية عقلانية, تظهر الحقائق على ماهي عليها والتقرب منها كأمر واقع ملموس واتخاذ اجراءات سلمية تفضي الى حلول ناجعة, تساهم في التوفيق بين التناقضات والتباينات الاجتماعية المختلفة, وعلى أساس مشاركة جماعية تعمق وحدة المجتمع والنسيج الوطني من خلال الاقتناع بجدوى الاتحاد, لا من خلال الايديولوجية القسرية القائمة على القهر والنفي والانكار وتحطيم الاخر المختلف مادياً وروحياً باسم القومية الواحدة النقية واللغة الواحدة والعنصر المتفوق. ان الايديولوجية الكمالية التي تطلب من المجتمع والناس ان يكونوا اتراكاً علمانيين أو لايكونوا أضحت عقبة في وجه التطور الطبيعي الحر للمجتمع والبلاد, والحكومات التركية المتعاقبة التي حددت أولوياتها بشن حرب ضد الحركة الكردية والاسلامية باسم وحدة البلاد والحفاظ على مبادىء اتاتورك المقدسة وضعت البلاد في اتون معركة داخلية لن تزيدها سوى عنف وجرح ونزف, وبسبب هذه المفاهيم الضيقة وسياسة العنف القائمة على الانكار والقسوة فان الاقليات القومية والتيارات الدينية في معركة دفاعها عن ذاتها وهويتها, كثيراً ما تلجأ الى الارتباط بالعالم الخارجي سواء لتأمين الدعم أو لايصال صوتها ومطالبها الى الخارج مادامت الدولة الحاكمة المركزية تعتبر الاقلية القومية فصيلاً ضاراً يجب التخلص منه, والهوية الاسلامية خطراً على المبادىء العلمانية يجب استئصالها. التجربة التاريخية لسياسة تركيا حيال اقليات تؤكد ان سياستها الانكارية وأسلوبها الاقصائي ضدهم لن يؤدي الى تحقيق اهدافها في القضاء على هذه الاقليات, بل على العكس اظهرت هذه التجربة مدى تعلق هذه الاقليات بهويتها واستعدادها للتضحية في سبيلها, ولكن في الوقت ذاته اظهرت التجربة ان هذه الاقليات لن تنجح من خلال العنف في تحقيق مطالبها, والنتيجة الوحيدة التي تحققت حتى الان على الارض هي المزيد من اراقة الدماء وزرع العداء والشقاق والكراهية والشروخات في بنية المجتمع والبلاد, اضافة الى نزف الأموال والموارد والطاقات في معركة ان انطفأت اليوم ستشتعل من جديد غدا أو بعد غد, فهل من سياسة واقعية عقلانية تتبعها انقرة حيال اقلياتها القومية وهوية البلاد, تضمن لها الأمن والاستقرار والتنمية.. انه التحدي. * كاتب وصحفي سوري