مازال للرياح دور تؤديه في تلبية الاحتياجات البشرية في أيام القرن المقبل الوشيك.. وكم شغلت الرياح الأفق والخواطر في سياق ثقافتنا العربية والإسلامية إلى حد جدير بالتأمل والتفكير العميق . نكاد نقول أن ثمة ظاهرة فكرية معرفية حركية يمكن أن نطلق عليها وصف (جدلية الرياح) في نسقنا المعرفي العربي الإسلامي.. وكم يعلمنا الكتاب الأكبر والأكرم في ثقافتنا الإيمانية أن للرياح دورا مزدوجا تؤديه.. فهي سوط العذاب وأداة العقاب حين تكون الرياح صرصر عاتية فإذا هي تعصف بإنسان الحياة المتميزة التي أنشأها قوم عاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد.. وهي أيضا الأداة التي تمحو اللغو من القول أو العمل حين تذرو الهشيم فيذهب أدراجها ويتبدد لأنه لا يمكث في الأرض ولا ينفع الناس.. وذهاب ريح الجماعة هو آية الفشل وعلامة التمزق وعنوان التشرزم النابع من تنازع أفرادها بحكم أهواء الأفراد وصراع المصالح. جدلية الرياح لكن جدلية الرياح هي أيضا التي تجعل الرياح لواقح ترسلها عناية السماء.. فإذا بها تحمل كما هو معروف حبوب اللقاح من صوب إلى صوب ومن صقع إلى نجع.. تخصب النبات وتحفظ ما نصطلح على تسميته باسم التنوع البيولوجي الذي يشمل الملايين من أصناف الكائنات الحية والأنواع والفصائل البيولوجية التي تحفظ للحياة عنصر التعدد والتنوع في إطار من وحدة الكون واتساق معزوفة الخلق المتجانس البديع.. والرياح اللواقح أيضا ينصرف جهدها إلى إخصاب السحب المتكاثفة وهي تحمل في بطونها شآبيب المطر تهطل بالحياة والنماء على ربوع الأرض وهو ما يحفظ بنفس القدر دورة التنوع فوق كوكبنا عبر اختلاف المواسم وتعاقب الفصول.. ثم تعالى إلى الموجات الأثيرية التي تحملها الرياح للغلاف الجوي المحيط بكوكب الأرض مليئة هي بمليارات الذبذبات.. مليارات الألغاز والرسائل تجتاح النفوس وخلجات الخواطر وإبداع العقول.. هي النبضات اللاسلكية !.. الموجات الكهرومغناطيسية تنقلها لواقح الرياح عبر أركان المعمورة وعلى اجواء الأثير فإذا بالكوكب الأرضي كما اصبح بديهيا يتحول إلى سوق أو سويقة مصغرة.. يشملها واحد من الاحياء المتواضعة الصغيرة في إطار القرية العالمية التي سندخل بالعيش فيها إلى سنوات ألفية جديدة توشك على المثول. الرياح والشعراء والعشاق جدلية الرياح في ثقافتنا هي التي أوحت للشعراء أن يخاطبوا ريح الشمال ويبعثوا بها برسائل العشق المدنف والغرام المتحكم إلى أفئدة الأحبة عبر امتداد البوادي واتساع رقعة الأمصار.. ولا تزال تربض في الخاطر أنشودة المغني الفلسطيني محمد غازي المفعمة بالشجن وهو يردد في أحد المواويل قائلا: حجبوها عن الرياح لأني قلت يا ريح بلغيها السلاما ولو رضوا بالحجاب هان.. ولكن منعوها يوم الرحيل الكلاما تلك أفكار وردت على الخاطر ونحن نقرأ الدراسة التي كتبها الباحث كولن وودارد خصيصا لجريدة أمريكية هي كريستيان ساينس مونيتور ونشرتها الصحيفة الرصينة في عدد آخر يوليو 1999. والدراسة تعود من جديد لتناول موضوع سبق وان تطرقنا إليه في هذه الزاوية.. فيما نشرك قارئ (البيان) الكريم في واحد من اهتماماتنا من منطلق نحدب عليه حرصا واهتماما وهو أن القارئ العربي الذكي ليس بحاجة إلى آراء كثيرة بقدر حاجته إلى معلومات اكثر.. بل أننا في زيارتنا الأخيرة ومازالت ممتدة وقت كتابة هذه السطور إلى الولايات المتحدة فوجئنا بان القوم قد تحولوا من الحديث عن مجتمع المعلومات إلى الحديث عن مجتمع المعرفة.. بمعنى انهم قد تخطوا مجرد البيانات أو المعلومات المجموعة بالطرق المنهجية المتعارف عليها إلى حيث ينشدون أو يتوخون أن تتحول المعلومات إلى رؤى والى خطط والى استراتيجيات والى مادة حية يتم هضمها و أصل تلافيف المجتمع الإنساني المعاصر فتشكل من ثم جزءا من نسيجه نتيجة عمليات الهضم والاساغة والتمثيل (بمعنى التمثل الغذائي الخاص في جسم الكائن الحي) وعندئذ تتحول المعلومات إلى معارف وتصبح جزءا لا يتجزأ من رؤية الناس وسلوكياتهم وتشكل من ثم مواقف الناس ونظراتهم إلى مشاكل البلاد وشئون المعاش وقضايا العالم الأكبر الذي يعيشون فيه. طاقة الطواحين والآبار ها نحن أذن نعود إلى موضوع طاقة الرياح الذي اصبح يحتل شأنا مهما وبندا لا يستهان بمغزاه على اجندة اهتمامات المجتمع الأمريكي في هذه المرحلة بالذات.. ولان الرياح لواقح كما تعلمنا من الأثر الشريف في عقيدتنا وثقافتنا فهي بهذا المعنى أيضا مصدر إضافي من مصادر توليد الطاقة الكهربية بالذات.. صحيح أن المصدر سبق الناس إلى اكتشافه منذ قرون عدة واستخدمه الهولنديون بالذات في إدارة الطواحين بل واستخدمه بدو السواحل الشمالية في مصر في إدارة آبار المياه واستخراجها لأغراض الزراعة وهو ما حدث أيضا في كثير من دول أوروبا الغربية منذ العصور الوسطى.. لكن الصحيح كذلك أن ظلت البشرية ترنو إلى تحقيق ما يوصف بأنه اقتصاديات استغلال الطاقة الريحية.. بمعنى أن تجاوز الاستخدامات المنزلية أو الفردية كي ترقى إلى حيز التسويق والاستغلال التجاري. وقد تجلى هذا الاهتمام بالذات في مؤتمر نيروبي الشهير الذي انعقد عام 1981 تحت شعار نحو مصادر للطاقة الجديدة و المتجددة.. وهو عنوان يفهم منه بمنطق المخالفة أن الوقود الاحفوري - النفط - بالذات سواء المستخرج من باطن الأرض أو من قيعان البحار هو بالضرورة مصدر غير متجدد وبالتالي غير مستدام للطاقة إذا استخدمنا احدث مصطلحات الأمم المتحدة رغم أن البشرية حريصة على محاولة تطويل اجل هذا المصدر النفيس من مصادر الطاقة من خلال ما توظفه في استكشافه والتنقيب عنه من استثمارات هائلة لا تنهض بها سوى المشاريع العملاقة.. مع العلم انه كثيرا ما يلوحون أمامنا نحن أبناء الوطن العربي والشرق الأوسط بإنذارات وتحذيرات بان البترول إلى نفاد وعائداته إلى تحجيم وهو نذير نفهم انه اقرب إلى التشهير بل والابتزاز وليس إلى نصح الصديق الحريص الأمين. نتائج مؤتمر ريو وبصرف النظر عن الجدل المحتدم في أن النفط مازال ينطوي على كميات هائلة في باطن الأرض واحتياطيات مؤكدة تكفي لاحتياجات قد تصل بالبشرية إلى منتصف القرن المقبل فقد جاء الاهتمام مؤخرا بما يوصف بأنه الشأن البيئي ليضيف بعدا جديدا إلى أبعاد اهتزاز مكانة النفط كمصدر أساسي بالنسبة لسكان الكرة الأرضية.. ولفظة مؤخرا هنا ترجع تحديدا إلى انعقاد مؤتمر دولي آخر يتساوى بل يفوق في الأهمية مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية في ريودي جانيرو بالبرازيل في مثل هذه الأيام من صيف 1992.. وقد أتيح لكاتب السطور حضور هذا المؤتمر الحافل ومتابعة وقائعه ومناقشاته في حينها. لقد جاء مؤتمر ريو بفكرة يمكن تلخيصها في أن العالم مطالب بعدم التركيز بالذات على المحروقات الاحفورية بحكم ما يخلف عنها لدى إحراقها من انبعاثات كربونية تؤدي مع تواترها ومن ثم تكاثفها وارتفاع نسبتها إلى تلوث البيئة الكوكبية وقد تكون بين الأطراف المتهمة بذنب حارت البرية ولا تزال في أمره وهو التسبب في اهتراء طبقة الأزون المحيطة بالكوكب والى حدوث ثقب بها يؤدي مع اتساع خرقه وتفاقم مغبته إلى عواقب غاية في السلبية تنطوي على أخطار جسيمة تلحق بعافية البيئة وحالة المجموعات الحية من نبات وحيوان وإنسان. هنالك اكتسبت طاقة الرياح أهمية إضافية وعلى مستويات شتى.. لأنها طاقة متجددة موصولة مستدامة.. كما قد نقول بقدر تجدد واستدامة الرياح في الغلاف الجوي المحيط بكرة الأرض.. ومن ثم يمكن إلى حد ما الركون إلى رصيدها في حال إمكان استثمارها كما يمكن التخطيط لها في الأجل الأطول والمدى البعيد لأنها طاقة رخيصة إذا أمكن ترويضها بالمقارنة إلى طاقة البترول بكل مغارمه الباهظة الكلفة و المرتفعة من حيث مخاطر الاستثمار ناهيك هن تكاليف التكرير والنقل عبر الخطوط الإقليمية والدولية وهي عمليات تقف دوما عند خطوط التماس بين النشاط الاقتصادي وبين جوانب الاستراتيجيات والسياسة والعلاقات الدولية. ولأنها وهذا هو الجديد طاقة نظيفة خالية من الانبعاثات والمخلفات والنفايات ومن ثم فهي تحمل اللقب المحدث الأخير (صديقة البيئة) ولا تقتضي استثمارات هائلة في بعض الأحيان لإزالة ما قد يخلف عن عملياتها وتشغيلها من تلوث أو أضرار بالبيئة مما يضيف بالتالي إلى جاذبيتها كموئل لتوظيف الاستثمارات زهيدة التكلفة نسبيا والمأمونة المخاطر في التحليل الأخير. رياح طاقة وليدة مع هذا كله نبادر فنقول من باب التحوط والاحتراز.. ان طاقة الرياح مازالت تحبو في مهدها رغم أن الجهود قائمة على قدم وساق من اجل تطوير استخدامها واستحداث الآليات والآلات والأجهزة التي تتيح هذا الاستخدام على نحو ارشد وأضمن وأوسع نطاقا وهي جهود انقضى عليها اكثر من ربع قرن وتحولت من مختبرات العلماء وتجارب معمل الباحثين إلى حيز الاستخدامات الميدانية والرصد الدقيق من حيث إمكانات التشغيل واقتصاديات الأداء وجدواه وعوائده وإمكانات استدامته أو استمراره ولقد بدأ ربع القرن المذكور بالذات في أعقاب حرب أكتوبر 1973 حين استخدم العرب في الشرق الأوسط سلاح البترول وحدثت أزمة طاحنة في الطاقة المحركة وتعلمت دول الغرب الدرس جيدا وبدأت معها محاولات طرق الأبواب التي كانت موصدة على تجارب المعامل وبيانات المختبرات من اجل الترشيد.. بمعنى تحجيم استخدام الطاقة المستمدة من أنواع الوقود الاحفوري وتواكب مع هذا بالضرورة توظيف استثمارات هائلة وحشد قدرات علمية على ارفع مستوى من اجل استكشاف مصادر جديدة ومتجددة للطاقة في محاولة لم يكتب لها النجاح بعد لإنزال البترول من فوق عرشه الذي تربع عليه كما هو معروف على امتداد عقود طويلة تمتد إلى الثلاثينات بل وما قبلها من هذا القرن العشرين. ظلوا يحاولون مع الطاقة النووية وخاصة بالنسبة لمفاعلات توليد الكهرباء ولكن خصوم هذا المصدر الخطير من مصادر الطاقة مازالوا يرفعون عقائدهم محذرين ومنذرين من أي عطل آلي أو أي خطأ بشري أو خلل في الحسابات ناهيك عن أي فعل عمدي بقصد التخريب أو التعطيل هنالك تكون الطامة الكبرى.. وفي مقدمتها تسرب الإشعاع.. وبغير هذه الأخطاء ثمة طامة حالة (بتشديد اللام) وتتمثل فيما ينتج عن استخدام طاقة المفاعلات النووية من ركام نووي ومخلفات مشعة من شأنها إلحاق ابلغ الضرر بالبيئة الطبيعية والمخلوقات الحية على السواء. هنالك يقول قائلهم: ألم يأتكم نبأ مفاعل شيرنوبيل وكارثته التي ما برحت على رؤوس الأشهاد.. وفي هذا الإطار تبرز أهمية الطاقة الريحية التي اتخذناها محورا لهذا الحديث وتبرز أهمية الدراسة التي نحيل إليها في هذه السطور وقد نشرتها كرستيان ساينس مونيتور.. فإلى الجزء الأخير ان شاء الله. كاتب سياسي مصري ملحوظة مهمة السطور التالية للنشر في قلب الموضوع داخل إطار منفصل .. أنها طاقة نظيفة خالية من الانبعاثات والمخلفات والنفايات ومن ثم فهي تحمل اللقب المحدث والأثير وهو: صديقة البيئة..