انعقاد القمة الافريقية وحضور معظم رؤساء القارة واجتماعهم بمدينة الجزائر العاصمة، هو بداية طيبة للجزائر الجديدة بقيادة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، والجزائر دولة عربية كبرى راودها منذ اعوام حلم قيادة الامة العربية ، وهو حلم مشروع لاى دولة عربية تمتلك الادوات المطلوبة لمن يتولى القيادة ولولا ضعف اللغة العربية في الجزائر لكانت احق الدول بمركز القيادة بعد عزل مصر في مؤتمر بغداد عقب اتفاقية كامب ديفيد والسذج وحدهم يتصورون ان مشكلة البربر هي التي تعوق خطوات الجزائر العربية لان البربر عرب بالمصلحة وعرب بنضالهم التاريخي مع عرب الجزائر، ولقد كان القائد طارق بن زياد فاتح بلاد الاندلس بربريا، وهو صاحب المقولة الشهيرة.. العدو امامكم والبحر من ورائكم فأين المفر!؟ وفي الماضي القريب كان مصطفى بن بولعيد من اشهر واخطر قادة حرب التحرير، وهو بربري وكان يتولى قيادة اخطر مناطق الجزائر وهي منطقة القبائل، وقد تمكن الفرنسيون من قتله بمؤامرة دنيئة حيث انفجر فيه جهاز لاسلكي، ولو عاش مصطفى بن بولعيد حتى نهاية حرب التحرير لكان له شأن آخر في الجزائر المستقلة واذا كان الرئيس بن بللا هو اول رئيس للجزائر الجديدة، الا ان الرئيس بومدين هو صاحب الفضل في الكشف عن الوجه العربي للجزائر، وهو الذي اصر على كتابة لافتات المحلات والمتاجر باللغة العربية، وهو الذي فرض اللغة العربية لغة رسمية، وكان الجنرال الشاذلي بن جديد هو الحاكم الوطني الثالث في تاريخ الجزائر وكان رجلا عسكريا وكان حريصا على شرفه العسكري وكان على استعداد لكي يخسر حياته نفسها ولا يخسر شرفه، وهذا هو السبب الذي جعله يقدم استقالته من منصب رئيس الجمهورية رافضا الغاء الانتخابات التي اسفرت مرحلتها الاولى عن فوز ساحق للتيار الاسلامي وهكذا بدأت مشكلة الجزائر التي استمرت نحو 9 سنوات والتي تصور الكثيرون انها ستعود بالجزائر الى القرون الوسطى وتصور السذج ايضا ان الوباء الجزائري سينتقل الى مصر بالعدوى، وتصور البعض انها نبوءة صحيحة خصوصا بعد قتل عشرات السياح اليونانيين في شارع الهرم، واغتيال السياح الالمان في ميدان التحرير، واغتيال عدد من اصحاب الجنسيات الاوروبية واليابانية في الاقصر، ولكن هؤلاء الذين همسوا بهذه المقولة كانوا اكثر سذاجة من الآخرين كما انهم كانوا يجهلون ما يجرى في الجزائر ويجهلون ما يجرى في مصر ايضا! لان سر الازمة الجزائرية يختلف اختلافا جذريا عن الازمة المصرية. الازمة الجزائرية بدأت بعد خروج الشاذلي بن جديد من السلطة، وبعد انتهاء دور جبهة التحرير الجزائرية بعد انسحابها من السلطة. وبعد انتهاء دور مجاهدي الجزائر الذين اشعلوا الثورة وانتزعوا الجزائر من براثن الاستعمار الفرنسي بعد ذلك انفرد بالسلطة في الجزائر عدد من الجنرالات وما اكثر الجنرالات في الجزائر ولكن ما اعمق الفارق بينهم. كان هناك دائما نوعان من الجنرالات، الجنرالات الذين كانوا في خدمة فرنسا حتى في ايام حرب التحرير، والجنرالات الذين حاربوا فرنسا وانتصروا عليها. وكان التوازن قائما بينهم حتى لحظة خروج الشاذلي بن جديد في تلك اللحظة انفرد جنرالات فرنسا بالسلطة، وغاب عن المسرح جنرالات الشعب الجزائري من قادة الثورة. وبدأت اقذر حرب في التاريخ الحديث بين الموظفين الكبار من جنرالات الجيش وبين مقاتلي التيار الاسلامي الذين شعروا بالاحباط بعد ان سلبهم الجنرالات حقهم في حكم الجزائر بعد ان حصلوا على اغلبية ساحقة في انتخابات حرة مباشرة. وسقط في تلك الحرب شيوخ في الثمانين واطفال في سن الرضاعة، وسقط ما يقرب من مائة الف شهيد تم ذبح بعضهم من الوريد الى الوريد. وظهر واضحا ان الجنرالات الموظفين لن يستطيعوا المضي بالجزائر ابعد من المدى الذي وصلوا اليه فكان لابد من انتخابات جديدة وقيادة جديدة، وجاء عبدالعزيز بوتفليقة وهو كادر ثوري قديم، وكان قائدا لجيش التحرير في الغرب، وكان مقر قيادته في مدينة وجدة بالمغرب. واذكر انني قضيت ليلة كاملة معه في معسكره بمدينة وجدة برفقة الرئيس بومدين والاستاذ الكبير محمد عودة. كان يفكر بصوت عال، ويحلم بجزائر جديدة لها صوت مسموع وتكون مقرا وممرا للثورة وللثوار. اذكر انه بعد عدة اسابيع من لقائنا في معسكر مدينة وجدة، دخلت قوات جيش التحرير الجزائري لاول مرة الى الجزائر، دخل جيش الشرق من الطاف في تونس ودخل جيش الغرب من وجدة في المغرب، وتطورت الاحداث بسرعة اكثر من اللازم، وجاء اليوم الذي سقط فيه بن بيللا وسلطت الاضواء بشدة على بوتفليقة. واستمر تحت الاضواء حتى رحل بومدين الى جوار الله، فرحل بوتفليقة الى خارج الجزائر، وتصور الجميع ان بوتفليقة قد انتهى. ولكن ها هي الظروف تفرض عودته، جنرال من جنرالات الثورة في مواجهة جنرالات الادارة الفرنسية، ورجل من رجالات القائد بومدين امام رجال من حاشية الحاكم الفرنسي لاكوست. انه دخول جديد للجزائر ولكن هذه المرة من خلال صندوق الانتخاب. والحمد لله لان بوتفليقة فعل الشيء الذي كان يجب ان يفعله. وهو فتح ابواب السجون والافراج عن الاف المواطنين، والاجتماع بقادة المعارضة، وهبت رياح الاستقرار على الجزائر، وجاء الوقت الذي سمح بعقد مؤتمر القمة الافريقي في العاصمة الجزائرية. ولكن... هل يسمح بوتفليقة بتسلم السلطة للتيار السياسي الذي حقق الاغلبية في الانتخابات التي جرت في عهد الشاذلي بن جديد؟ وهذه هي نقطة الخلاف الرئيسية بين ما يجري في الجزائر وما يجري في مصر. لقد حصل التيار الاسلامي السياسي على الاغلبية في انتخابات حرة مباشرة بالجزائر. ولكن التيار الاسلامي السياسي في مصر لن يحصل على اكثر من عشرة مقاعد في اي انتخابات حرة مباشرة تجرى تحت اشراف الامم المتحدة. وطغيان الاغلبية الاسلامية في الجزائر له اسباب موضوعية، فعندما دخلت فرنسا الى الجزائر، اكتفى المستعمرون باحتلال الشاطىء الجزائري، اقاموا هناك وزرعوا الجبال المحيطة بالكروم لانتاج الخمور، وتركوا الداخل في حالة سيئة، فلا تنمية ولا تطوير ولا اهتمام برفع مستوى المعيشة او زيادة دخل الفلاحين ـــ وبينما عاش المستعمرون على الشواطىء يسهرون ويسكرون، عاش الفلاحون في الداخل يواجهون مشاكلهم بالحلول الذاتية، وبقدر ما كان هذا الاهمال نقمة للفلاحين الجزائريين، كان نعمة ايضا لانه حافظ على الشخصية الجزائرية نقية ومتشبثة بقوة بجذورها الممتدة في بطن التاريخ الى اعماق بعيدة. كانوا يتكلمون العربية بينما الجزائريون الذين يعيشون على الشاطىء يتكلمون الفرنسية، كان التعليم في القرى الجزائرية باللغة العربية، بينما كانت اللغة العربية على الشاطىء من المحرمات، المضحك حقا انه عند دخول جيش تحرير الجزائر الى العاصمة طردوا المستعمرين من الشاطىء واقاموا بدلا منهم وفي مساكنهم. وظلت الاحوال في الداخل كما كانت دائما، وكانت فرصة امام الاسلام السياسي ليملأ الفراغ ونجح فعلا في ذلك وهو وضع يختلف كثيرا عن الوضع في مصر، حيث بعض التنظيمات تحاول فرض برنامجها على الاغلبية بالقنبلة والمسدس بينما في الجزائر اغلبية تسعى لتنفيذ برنامجها من خلال الاستيلاء على آلة السلطة وهذا هو الفرق، ومرحبا بالقائد الثائر بوتفليقة!