يعتقد بعض الناس بأن عدة الاصلاح، اصلاح الواقع، لا تزيد عن قليل أو كثير من الكلمات، يتم اطلاقها من هنا أو هناك على الناس، فيستحيل الشر خيرا والفقر غنى والظلم عدلا ... الخ. لكن الواقع يظل كما هو حتى بعد ان تتبخر تلك الكلمات أو تتبخر بدورها ايضا، وهكذا دواليك. لو كانت المشكلة في الكلام، فإن اللغة العربية تحفل بالكثير منه، أفضله وأجوده وأكثره سحرا وبلاغة. لكن المشكلة هي في الواقع نفسه الذي هو أعقد وأكثر التباسا واستعصاء على الحلول الجاهزة. بمناسبة الحلول الجاهزة استغرب كثيرا حين تحدث بعض الناس بالنقد عن الحلول المستوردة فيما خص الجانب الاجتماعي. أي فيما خص سلوك الناس ولباسهم وأكلهم وشربهم وسائر مناحي حياتهم. فالواقع ان كلا الحلين الجاهز والمستورد يماثلان بعضهما بعضا. فهما أقرب الى وجهي العملة الواحدة. الفارق هو في ان الحل المستورد (من الشرق أو الغرب) يبعد عنا مكانيا، أي بالكيلومترات ومضاعفاتها. بينما الحل الجاهز (أي المستحضر من الماضي) يبعد عنّا زمانيا، أي يقاس بالسنوات والقرون. هذا التقابل أو التماثل بينهما ليس عديم الدلالة. وأحيانا يتساءل المرء لهذا السبب: أيهما أفضل ان نأخذ حلا من مكان (فضاء حضاري) يبعد عنّا آلاف الكيلومترات، لكن يعاصرنا، أي يعيش معنا بنفس العصر، أم نأخذ حلا مجهولا بالنسبة الينا، وتبعدنا عنه عقود وقرون! يمكننا ان نتفق بداية على ان الأفضل هو ان نبدع شيئا جديدا، بدل ان نأخذ من هنا وهناك. لكن اذا لم يكن لنا ان نبدع مثل هذا الخيار لسبب من الاسباب، فإننا مضطرون للمفاضلة والاختيار بين الموجود. وهنا نعود الى سؤالنا السابق، لنلاحظ ان احدى الفروقات وليس الفرق الوحيد بين الحلين المذكورين، يتمثل في ان المعاصرة تتيح لنا فرصة الاطلاع على الخيار الذي نريده، بحيث نستطيع ان نختبره وان نستفيد من الامكانيات التي يوفرها في الزمان والمكان المحددين. اي اننا نملك عنه معلومات أوفى وأفضل وأصدق. بينما خيار الماضي، او حلول الازمنة البعيدة، فهي لا تبعد عنا قرون فحسب، وانما هي كذلك، ولهذا السبب بالذات، تستعصي على فهمنا وادراكنا. لأننا ببساطة لم نرها ولم نعشها، ولن تتاح لنا الفرصة لاختبار وقياس مدى فائدتها، وتكوين صورة حقيقية وواقعية عنها. ومن ثم فإذا كان التفكير العقلي السليم، يقر ابتداء برفض الحلول الجاهزة والمستوردة، على اختلافها، فالأولى لنا ان نستبعد تلك التي يبشرنا بها الماضويون نسبة الماضي. لكن هذا ما لا يستوعبه الذين يتحدثون صبح مساء عن خطر المستورد والغريب.. الخ. لا يستوعبون انهم في الوقت الذي يحذرون فيه الناس من هذه الخيارات، فهم يأتون بأسوأ منها، واكثر استعصاء على التحقيق والتطبيق في الواقع. انهم يتحدثون عن الاصلاح، لكنهم، ربما من حيث لا يدرون، انما يدعون الى العطب والانحراف. أسئلة زائفة! نعم ينبغي علينا ان نبتكر الحلول لمشكلاتنا، بدلاً من الاتكاء على ما هو جاهز او مستورد منها. بيد ان العملية ليست سهلة هكذا بمثل ما تقال. فالابتكار هو اصعب الاشياء في حياة الانسان، وهو الى ذلك عملية خلق وابداع. ولكي يبدع الانسان او يخلق شيئاً جديداً، فهو مطالب بأن يهضم اولا ما هو مجود، وان يتمثل المراحل التي مر خلالها وعبرها هذا الموجود. انه بكلمة اخرى بحاجة الى استيعاب الماضي والحاضر معاً، كي ينتج في النهاية شيئاً مغايراً. وطالما ان الحال هو كذلك، جاز لنا ان نتساءل هل استوعبنا الماضي بما فيه الكفاية، وهلا هضمنا الحاضر كما ينبغي؟ لا اعتقد بأن شيئاً من ذلك قد حدث، ان المشكلة التي تواجه الانسان العربي المعاصر هي ان قضاياه تطرح في الغالب بصورة غير دقيقة وغير عملية. وكما يقال فان فهم السؤال يمثل نصف الاجابة، بمعنى ان السؤال اذا كان مصاغا بطريقة صحيحة وجيدة فانه يوفر على المجيب نصف المشقة، فكيف الحال اذا كانت الاسئلة مغلوطة؟ لاشك بان الاجابة الصحيحة عليها لن تأتي أبداً. وعلى سبيل المثال يوجد سؤال شائع ورئيسي في الخطاب العربي والإسلامي فيما يتعلق بالوجهة الحضارية هو: هل نقتبس من الغرب حضارته أم نعود الى جذورنا أم نأخذ من هذا وذاك ما يناسبنا؟ يبدو السؤال منطقيا وصحيحا لأول وهلة، غير انه عند التدقيق فيه، نكتشف انه سؤال زائف، كيف لا نقول انه ساذج. ومهما حاولنا من بعد ان نختار له من اجابة فلن نقبض سوى الريح. أولا: لان هذا السؤال يفترض خطأ اننا نقف في منطقة فاصلة بين هذه الخيارات الثلاثة، ما علينا سوى ان نمد أرجلنا خطوة للأمام فنصير مثل الغرب، أو نمدها خطوة للخلف فنصير عند تخوم الحضارة العربية الاسلامية، أو نضع رجلا هنا ورجلا هناك فنقبض من الاثنين. وهو بهذا المعنى سؤال خارج التاريخ والزمن، وبالتالي فهو سؤال مصطنع وغير واقعي. والصحيح اننا على الرغم من تخلفنا، لسنا معلقين في الهواء بانتظار لحظة الاختيار بين هذه الوجهة أو تلك. فلنا وجود تاريخي معاصر، رغم كل خصائصه السلبية، ولنا كينونة ذاتية متفاعلة مع نفسها ومع ما حولها، أيا كان حجم هذا التفاعل أو أهميته بالنسبة للآخرين. وفوق ذلك كله نحن نسير ضمن دورة الحياة الطبيعية نفسها التي يسير فيها باقي البشر الأحياء في عالمنا هذا. ومن ثم لو شئنا ان نصيغ ذلك السؤال بصورة صحيحة، لربما قلنا: بأية وسائل أو طرق نستطيع أن نتقدم، بمعايير التقدم المتعارف عليها في عصرنا، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا.. الخ؟ ما الذي يجب ان نفعله كي نصلح اقتصادنا، تعليمنا، سياساتنا؟ ما الذي يجب علينا ان نفعله كي نتخطى حاجز الأمية، أو حاجز الأمراض أو حاجز القذارة المنتشرة في الكثير من المدن العربية؟ كما نرى فان لهذه الاسئلة معنى يستطيع ان يفهمه الانسان المعاصر، سواء كان عاديا أم مختصا. ومن ثم يمكن الحصول على اجابات (أيا كان مستواها) نستطيع تطبيقها على واقعنا، بما يؤدي الى تطويره وتقدمنا. وهكذا كلما كانت الاسئلة التي نطرحها اكثر تحديدا وجدية، كلما استطعنا ان نتوقع ردودا عملية، ومن ثم انارة مساحة اكبر من الطريق الذي نسير فيه. وهذا ما يجب ان تتوجه اليه اذهاننا، بدلا من الاغراق في التفكير خارج العصر وخارج التاريخ.