يتسم قدر كبير من كتابات الغربيين في الماضي وفي الوقت الحاضر بسمات مختلفة، واحدى هذه السمات هي محاولة فهم العلاقات بين الحاكم والمحكوم في الاراضي الاسلامية ومنها الاراضي العربية بلغة استبداد وظلم الحكام، وفي الحقيقة اتسم الحكم في اراض عربية بقدر من الاستبداد والظلم في فترات مختلفة، ولم يكن ذلك الاستبداد والظلم اللذان مارسهما الحكم سوى احدى سمات المجتمعات العربية التي كانت لها سمات اخرى ذات صلة بالسمة المذكورة، ومن تلك السمات المقاومة احيانا للاستبداد والظلم، ومن هذه السمات ايضا قدر من الانضباط الذي كان ينضبطه الحكام نتيجة التقاليد والقيم الدينية المرعية. وبالتالي فان من الخطأ الجسيم محاولة تحليل ظروف تلك المجتمعات ودراستها ومحاولة فهمها واكتناه جميع جوانب العلاقات بين الحاكم والدولة من ناحية والمحكومين من ناحية اخرى بلغة او مفهوم استبداد الحاكم وظلمه فقط، هذه الطريقة في تناول الموضوع طريقة خاطئة لانها انتقائية وجزئية اذ تجهل او تتجاهل سمات اخرى للمجتمعات العربية، لدى محاولة دراسة المجتمعات العربية ابتغاء معرفة طبيعتها يجب ان تؤخذ في الحسبان جميع سمات تلك المجتمعات للتوصل الى استنتاجات علمية صحيحة، وفي الحقيقة حقق في فترات مختلفة مثل فترة الخلافة الراشدة قدر كبير من العدل والديمقراطية وحرية التعبير عن الرأي. لقد اثرت هذه النظرة الغربية الناقصة المشوهة الى المجتمعات العربية في فكر قطاع كبير من الكتاب العرب، فاصبحوا هم ايضا يكتفون، لدى محاولة دراسة العلاقات بين الحكام والمحكومين في المجتمعات العربية، بتناول هذه السمة، سمة الاستبداد والظلم من جانب الحكم، ناسين او جاهلين لسمات اخرى اتسمت بها تلك العلاقات وكان لها اثر في سلوك الحكام وفي سلوك افراد الرعية. ولاتؤدي هذه الطريقة الناقصة في دراسة العلاقات بين الحاكم والمحكوم الى الفهم الصحيح لهذه العلاقات والى الفهم الصحيح لتاريخ المجتمعات العربية الاسلامية، هذه الطريقة الغربية تنطوي على اهمال للتاريخ وعلى اهمال لتاريخية هذه العلاقات. من بين الكتاب العرب الذين انبهروا بوجوه الحداثة الغربية من شرعوا في تحقير المجتمع العربي وقيمه بصورة كلية، دون ان يحاولوا ضبط انفسهم وتوخي التوازن والرجوع الى حس العدالة والانصاف واللوذ بالحس السليم والاحتكام الى العقل عند كتابتهم عن شؤون مجتمعهم وحضارته، وهم يكيلون بمكيالين عند الكتابة عن المجتمعات العربية والغربية، وغني عن القول ان الكيل بمكيالين لا يصح ولا يقبل في دراسة المجتمعات، اذ يجب ان يكون المكيال واحدا بالنسبة الى جميع المجتمعات. ان بعض هؤلاء المنبهرين انكر ـــ خطأ وجعلا او تحاملا ـــ ان تكون الحضارة العربية الاسلامية قد قننت العدالة او عرفت قانونا للعقوبات وان تكون قد عرفت العلوم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لان هذه العلوم ـــ كما زعم ـــ حديثة العهد، وانكر ان تكون تلك الحضارة قد ابدعت اية نظرية اخلاقية. هذه احكام اطلقها ذلك البعض من المنبهرين دون الاعتماد على سند موثوق به لانها احكام تتجافى مع الحقيقة التاريخية ولو كان ذلك البعض تجشم عناء دراسة بعض المراجع العربية القديمة المتناولة لهذه المواضيع فلعله كان سيتردد في ابداء هذه التقييمات التعسفية التي تبدي احتقار الذات وامتداح الآخر دون ان تستحق تلك الذات ذلك التحقير ودون ان يستحق الآخر ذلك الامتداح. وكان سلامة موسى، الذي كان في صدارة دعاة التغريب، من بين الذين اعتقدوا مخطئين بأنه لايوجد بديل للمدنية الاوروبية، ففي رد على سؤال طرح عليه اجاب: »ان علة الاقطار العربية ورأس بلواها اننا مازلنا نعتقد ان هناك مدنية غير المدنية الاوروبية. وهكذا بلغ الامر بسلامة موسى الى حد القول انه لاتوجد مدنية سوى المدنية الاوروبية. وبسبب ذلك السعي اللاهث الى تحقيق مثال الحداثة الغربي يقوم انفصام كبير بين شطر كبير من الفكر العربي والواقع العربي وهذا الانفصام بين الفكر والواقع العربيين يعني ان ذلك الفكر غير واقعي، اي انه لا يمت الى الواقع العربي بصلة. ومما له صلة بالانفصام بين شطر كبير من الفكر العربي والواقع العربي الفجوة القائمة او الانفصال القائم بين الدولة والمجتمع في المنطقة والسبب الاهم لذلك الانفصال هو ان الحكام يحاولون في حالات كثيرة فرض مفهوم تحديثي ايديولوجي مستمد من مفهوم الحداثة الغربي على افراد الشعب الذين في اغلبيتهم لايريدون هذا المفهوم او غير معنيين به او لا يفهمونه او لا يناسب قيمهم الاجتماعية والحياتية او خليط من هذه العوامل كلها. وفي البلد الذي يكون حكامه من ارومة غير عربية دون ان يكونوا قد اندمجوا او انصهروا في مجتمع ذلك البلد يكون اولئك الحكام على قدر اكبر من الاستعداد لتبني المفاهيم الحضارية الغربية بخيرها وشرها، يرى بعض الدارسين ان محمد علي وابنه ابراهيم باشا وحكام مصر المنحدرين من عائلة الخديوي مثال على ذلك، يرى عدد من الدارسين ان دولة محمد علي قامت الى حد كبير في فراغ اجتماعي، وكانت تلتف من خارج المجتمع حوله، ولم تكن الصفوة الحاكمة في عهد محمد علي قوية الروابط بالكيان الفكري والحضاري السائد في مصر وكانت منحسرة عن جماهير المصريين، وكانت تتولى السلطة في مجتمع فيه انشطار بين الحكام والمحكومين في الاعراف والنظم والتقاليد، وبالتالي كانت تلك الصفوة الحاكمة اوهن عزيمة واسلس قيادا تجاه جوانب الحضارة الاوروبية الوافدة عليها، وكانت تفتقر الى قدر اكبر من القدرة على الانتقاء والاختيار والطرد مما كان يفد وعلى التمييز بين ما كان يفد من تلك الحضارة ولو كانت الصفوة الحاكمة مصرية الاصل او الثقافة فلعلها كانت امضى عزيمة واقل انقيادا لتلك الحضارة الاوروبية. وعلاوة على العوامل التي اشرنا اليها سابقا والتي تجعل من المستحيل تحقيق مثال الحداثة الغربي في سياق المجتمع العربي هناك عامل آخر وهو التغلب السياسي والعسكري الغربي. ليس من الممكن التوفيق الحقيقي بين جوانب حضارية عربية اسلامية وغربية في ظل هذا التغلب وذلك لانه ليس من الممكن ان يجري في ظل هذا التغلب تفاعل حر ارادي، وهو المضمون الذي تتضمنه كلمة »التوفيق« ولعدم امكانية التفاعل الحر الارادي في هذه الحالة ـــ حالة التغلب الغربي ـــ بقي التوتر قائما بين عناصر النظامين العربي الاسلامي والغربي اللذين اراد البعض من المفكرين التوفيق بينهما. ان وسائط الاتصال الجماهيري الحديثة ـــ وعلى وجه الخصوص التلفزيون، وذلك لسهولة الفهم عن طريق السمع والمشاهدة ـــ تشكل ايضا اداة هامة اخرى في تشجيع وتسهيل دخول المفاهيم المستمدة من مثال الحداثة الغربي، ويبدو انه خصص في البلدان العربية ـــ وفي سائر بلدان العالم الثالث ـــ قدر قليل من الانتباه لهذه المسألة الخطيرة ومن الاسهل ايضا ان تدخل، عن طريق وسائط الاتصال الحديثة، المفاهيم المستمدة من مثال الحداثة الغربي وقيمه في مجتمعات بلدان العالم الثالث لان عملية الدخول هذه لاتبدو عملية اقتحامية او قسرية، ان عملية القبول لتلك المفاهيم والقيم تبدو طوعية غير قاهرة ولا تساندها حراب السلطة السياسية العسكرية الرسمية. وللاسباب كلها الواردة في ثنايا هذا المقال فان الصورة التي نتخذها عن انفسنا هي »الصورة« التي يقدمها الغرب عن انفسنا ان وعي الغرب الغالب وتصوراته وصياغاته النظرية ـــ الايديولوجية هي التي تحدد لنا الصورة التي »نقبلها« عن ذواتنا. اظن ان المثقفين العرب باغلبيتهم الكبيرة ان لم تكن اغلبيتهم الساحقة، لايعرفون ذواتهم الحقيقية الاصيلة المتميزة، وهم »يقبلون« الكثير من المسلمات الغربية ويقبلون تسميات وتصنيفات الغرب لهم ويقبلون تحديدات الغرب لمسار وعيهم وتحقيبات الغرب لتاريخهم والنظرة الغربية الى تاريخهم الاجتماعي والفكري ولنسم ذلك كله »التنظيرات الايديولوجية« الغربية عنهم، وهذه المسلمات والتسميات والتصنيفات والتحديدات والتحقيبات والنظرات الغربية هي في المقام الاول نتاج التفاعل الاجتماعي السياسي الاقتصادي الايديولوجي داخل الغرب، وهي انعكاس لما يتمخض ذلك التفاعل عنه على المجتمعات العربية، ولنقل »الاشياء غير الغربية«. هذه التنظيرات الايديولوجية تشكل مرجعا لقراءات العرب لوعي زائف بالذات العربية، وعي لايتطابق في احيان كثيرة مع الواقع المجتمعي التاريخي الحضاري العربي، ويعتمد الفكر العربي »الحديث« بقسمه الاكبر على قراءات غير محررة من الاطر المرجعية النظرية والمنهجية الايديولوجية الاتية من خارج النسق المجتمعي التاريخي الحضاري العربي، يبدأ قسم من المثقفين العرب تاريخهم عن طريق العلاقات بين ذواتهم الضائعة او الخفية او المهزومة والغرب، والكثيرون من المثقفين العرب قبلوا مقولات المستشرقين المتحيزة والخاطئة عن العرب التي في الكثير منها تتجلبب بجلباب الموضوعية في الوقت الذي لاتوجد فيه موضوعية ولا »منهج علمي« في الدراسات الاجتماعية والانسانية، انها مقولات تنطلق من مسلمات التنظير الايديولوجي. وللمحافظة على الذات الجماعية العربية ولمواجهة التحدي الغربي المتمثل، في جملة ما يتمثل فيه، في تقديم واشاعة صورة زائفة عن الذات العربية الفردية والجماعية من الحري بنا ان نعرف وجود هذا التحدي وان نعرف طبيعته وان نحيي ونستوعب ونحتضن الجوانب الحضارية السليمة في تراثنا، وان ندافع عن »الانا« الجماعية العربية بذلك وبوضع آليات دفاعية مختلفة منها ان نأخذ من الغرب ما يفيدنا في مواجهة تحديه وممارسة النفوذ السياسي والاشارة الى وجوه النقص في الحضارة الغربية وتحقيق الاستقلال الاقتصادي والوعي الاجتماعي والسياسي واحياء الجوانب ذات الاهمية بالنسبة الينا في تراثنا الثقافي المعرفي القيمي، لو امكننا انجاز ذلك لحققنا اهدافا منها الكف عن الانبهار الساذج ببعض ما يفد من افرازات الواقع الغربي المبتلى ببلايا اجتماعية كثيرة وفتاكة.