عندما يجري الحديث عن القدس بوصفها قضية فلسطينية, وفي الأوسع قضية عربية, فإن هذا الحديث يتضمن ان القدس هي قضية اسلامية وقضية مسيحية في آن معا , ذلك ان العرب كما الفلسطينيين - يتوزعون ما بين مسلمين ومسيحيين بصورة أساسية, وبينهم من هم من ديانات أخرى. والقول في امتداد القدس كقضية اسلامية في بعدها العالمي, يتبع بالتالي القول بامتدادها كقضية مسيحية في الاطار ذاته, مما يعني انها محط اهتمام المسيحيين في العالم على نحو ما هي موضع اهتمام المسلمين, وفي الحالتين لابد وأن تتضافر الجهود بين المسلمين والمسيحيين في مواقعهم المختلفة للدفاع عن مدينة طالما كانت مشتركة في أهميتها وفي مكانتها عند المسلمين والمسيحيين. غير انه وبفعل عوامل متعددة فقد تدنى مستوى اهتمام بعض الطوائف المسيحية بموضوع القدس ولا سيما في العالم الغربي, وكان بين تعبيرات ذلك التدني تزايد التأييد لسياسات اسرائيل ومواقفها ازاء القضية الفلسطينية عموما, وحيال مدينة القدس بصورة خاصة, وبلغ الأمر مداه في العلاقات التي نمت وتطورت بين الفاتيكان زعيمة العالم المسيحي واسرائيل بعد أن اعترفت الأولى بالأخيرة, وعقدت معها اتفاقات حول عدد من القضايا. ورغم ان هذه التطورات لا تعكس كل الموقف المسيحي ازاء القدس, فلا شك انها كانت بين عوامل ساعدت اسرائيل في المضي بسياستها في تهويد القدس وتبديل ملامحها التاريخية الاسلامية - المسيحية لتصير مدينة يغلب عليها طابع الاستيطان اليهودي في بنائها وسكانها. ويقودنا الحديث عن تهويد القدس إلى قول ان التهويد بدأ مع استيلاء الاسرائيليين على غربي القدس في العام ,1948 وعندها طردوا العدد الأكبر من سكانها العرب المسلمين والمسيحيين واستولوا على بيوتهم وممتلكاتهم, وكرسوا حضورا يهوديا موازيا للقدس الشرقية العربية ذات الصبغة التاريخية الاسلامية - المسيحية, الأمر الذي هيأ لهم عند الاستيلاء على القدس الشرقية عام ,1967 وضمها إلى اسرائيل أن يصير اليهود في (القدس الكبرى) أغلبية سكانية, وكان ذلك خطوة تالية وكبرى عن طريق تحويل القدس إلى مدينة اسرائيلية. غير ان الخطوات الأكثر عملية وأهم اجرائية في تهويد القدس الشرقية بدأت مع احتلال المدينة عام ,1967 حيث أخذت تتواصل الاجراءات بما فيها من مصادرة للأراضي, ومن اعتداء على الأملاك العربية واضطهاد وتهجير للسكان وهي معروفة على نحو عام, ولعله من المفيد التركيز على اجراءات تتصل بالمسيحيين والمسيحية في مدينة القدس قامت بها سلطات الاحتلال, وهي تتابعها في اطار سياسة الاستيطان اليهودي, وفي هذا يمكن الاشارة إلى: * اجراءات ضد المؤسسات المسيحية, والتي يندرج في سياقها سرقة تاج السيدة العذراء من كنيسة القيامة عام ,1967 وكان ذلك فاتحة اعتداءات تعرضت لها الكنيسة وموجوداتها في أوقات لاحقة, ومعها تعرض دير الاقباط لاعتداءات اسرائيلية, كانت فاتحتها ليلة عيد الميلاد في 1970 حيث اعتدى رجال شرطة الاحتلال على ممتلكات ورهبان الدير, وفي العام 1973 جرى احراق المركز الدولي للكتاب المقدس في جبل الزيتون, وبعدها جرى احراق أربع مراكز مسيحية في القدس في فبراير 1974. وامتدت الاجراءات الاسرائيلية ضد الاراضي الفلسطينية التي تملكها مؤسسات مسيحية في المدينة, حيث أجبرت بطركية الروم الارثوذكس في القدس على تأجير أراض تابعة لها للسلطات الاسرائيلية لمدة 99 عاما لتقام عليها احياء يهودية, وأجبرت جمعية خيرية المانية تحت التهديد على بيع ممتلكاتها بما فيها مدرسة دار الايتام السورية لسلطات الاحتلال, وتم تحت الاكراه والاجبار تنازل الكنيسة الروسية البيضاء عن اراض وابنية تقع في المسكوبية وسط القدس للسلطات الاسرائيلية, وكذلك كان حال بطركية الارمن في القدس عندما اجبرت على بيع فندق فاست وسط القدس للاسرائيليين. * اجراءات الاحتلال الاضطهادية ضد المسيحيين في القدس, والتي لم توفر رجال الدين, ولعل من أبرز ما حدث في هذا الاعتداء على المطران فاسيلوس الرجل الثاني في البطركية الارثوذكسية للروم بالقدس في العام ,1973 والاعتداء على رهبان دير الاقباط المشار اليه, اضافة الى اعتقال المطران كبوتشي ومحاكمته الصورية مع ما رافقها من اجراءات ارهابية والحكم عليه بالسجن اثني عشر عاما, ثم ابعاده عن فلسطين. وباستثناء ذلك النمط من الاجراءات الاضطهادية ضد رجال الدين المسيحيين, فان سياسات الاحتلال أدت الى خفض عدد المسيحيين في القدس بدفعهم بطرق مباشرة أو غير مباشرة للنزوح من المدينة, التي وان اتسعت لتضم أراضي جديدة, فان عدد المسيحيين فيها انخفض في العام 1975 الى قرابة ثلاثة عشر الف نسمة بعد ان كان عددهم عام 1967 اكثر من ثمانية عشر الف نسمة, هذا باستثناء الزيادات الطبيعية التي طرأت خلال الثماني سنوات (1967 - 1975). وقد استمر الانخفاض بأعداد المسيحيين من سكان القدس ــ كحال اخوانهم من المسلمين ــ خلال سنوات الاحتلال التالية من خلال ما يسميه نور الدين مصالحة بسياسة (الترحيل السري) والتي في تفاصيلها القول بفقدان أي من سكان القدس العرب حق اقامته في المدينة اذا غادرها لسبب ما, واعتبار عرب القدس سكانا مقيمين بصورة مؤقتة في المدينة بموجب اذن تمنحه السلطات الاسرائيلية لهم, اضافة الى تقييد حق سكان القدس في بناء المساكن, ورفض الموافقة على لم شمل العائلات المقدسية. ان الناتج العام لسياسة اسرائيل في القدس هو تهويد المدينة وتحويلها الى مدينة اسرائيلية, وهو أمر يعني بالبداهة اقامة بناء اسرائيلي من جهة وتدمير الطابع التاريخي للمدينة, والذي بين أساسياته كونها مدينة مسيحية في قسم من معالمها وسكانها. ورغم ان مواجهة هذه الوقائع هي مسؤولية فلسطينية ــ عربية بالدرجة الأولى, فانها مسؤولية اسلامية ــ مسيحية على المستوى الأبعد, الأمر الذي يتطلب تقدم المسيحية بما فيها من هيئات وقيادات من أجل القدس. لقد أبرزت هيئات وقيادات مسيحية في المستويات المحلية والدولية تأييدها لقضية القدس في مواجهة السياسات الاسرائيلية, وبخاصة لجهة اعلان ضم القدس الشرقية واعتبارها عاصمة موحدة وابدية لاسرائيل, ودعت الى انسحاب اسرائيل من المدينة والحفاظ على سماتها وملامحها التاريخية وعلى تركيبتها السكانية وكان في تلك الهيئات مجلس كنائس الشرق الأوسط. غير ان الفاتيكان بمكانتها المسيحية في العالم ذهبت في اتجاه آخر عندما وقعت اتفاقا مع اسرائيل في العام 1993 يعترف بالوجود الاسرائيلي في القدس, وبالتالي بسيطرة اسرائيل على الأماكن المسيحية في المدينة, وبالقبول بما كرسته سياسات الاحتلال من نتائج على الوجود المسيحي في المدينة في معالمها وسكانها. ورغم ان هناك بعض من يسوغ نهج الفاتيكان انطلاقا من اعتبارات سياسية فيما ذهبت به في العلاقة مع اسرائيل, فان هناك حضورا مسيحيا تمثله هيئات وقيادات في أنحاء مختلفة من العالم لا تؤيد ما ذهبت اليه الفاتيكان, وفي الوقت نفسه تعارض كل ما تقوم به اسرائيل من اجراءات في القدس من تدمير للحضور المسيحي واجبار للمسيحيين على الرحيل عن فلسطين وعن القدس بصفة خاصة.