حدثت تغيرات في الغرب في القرن العشرين اثرت في المشهد العالمي. انتقلت قاعدة الاقتصاد الرئيسية من الزراعة الى الصناعة ثم الى المعلومات . واكتشفت اجزاء من الكون, بما فيها ملايين الكواكب. واكتشفت عوالم في الخلية والذرة الدقيقتين. واستهلكت موارد طبيعية بكميات هائلة. وبلغت الشعوب مستوى ارفع من الثروة ورفاهة العيش والترف ورغد العيش. ويوجد مفهوم اوضح للمادة والفضاء والبدايات. لقد مر عدد اكبر من الناس بقدر اكبر من التغير في عاداتهم وسلوكهم ومواقفهم في العيش خلال فترة زمنية اقصر, وانتقل قدر كبير من الافكار التي تحملها هذه التطورات الى اجزاء اخرى من المعمورة. لقد حدثت هذه التغيرات بسرعة فائقة, بسرعة اكبر من السرعة التي حصلت بها تغيرات في العهود السابقة. ان التغيرات التاريخية استغرق حصولها قرونا, اما الانتقال الذي تمر به البشرية في الغرب ومناطق اخرى من العالم فانه يحدث خلال فترات زمنية اقصر, احيانا خلال عقود او بضع سنوات. في الماضي كان من الصعب هدم مدينة واليوم يمكن تدمير كوكب خلال دقائق. ومما له صلة بالموضوع ان عدد سكان كوكب الارض في القرون الخامس والسادس والسابع لم يتجاوز المليون تقريبا, واليوم يتجاوز عدد السكان ستة ملياردات. عند دراسة المجتمع البشري في الغرب وفي اجزاء اخرى من العالم خلال القرن الذي نحن على وشك توديعه, يجب النظر الى هذا المجتمع في هذا السياق, سياق التغير الكبير والسريع. ويوحي المنظور التاريخي بأنه تأتي اوقات في الشؤون البشرية تفسح فيها طريقة واحدة لتنظيم الحياة لطريقة اخرى. منذ وقت مديد وعيت هذه الحقيقة. في سنة 1913 لاحظ الاستاذ سانتيانا الذي كان استاذا في جامعة هارفارد (ان الصفة الحضارية المميزة للعالم المسيحي لم تختف بعد, ومع ذلك فان حضارة اخرى بدأت تحل محلها) . وفي سنة 1928 كتب المؤرخ ويل ديورانت ان (السلوك والاعتقاد البشريين يمران الآن بتحولات اعمق واشد اقلاقا من اي [تحول] منذ انهى ظهور الثروة والفلسفة ديانة اليونان التقليدية) . وفي سنة 1954 سأل ادلاي ستيفنسن, الذي كان مرشحا للرئاسة مرتين عن الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة: هل مشاكل امريكا ليست سوى اعراض سطحية لشيء اعمق, لازمة خلقية وبشرية في العالم الغربي قد تضاهي ايضا الازمة في القرون الرابع والخامس والسادس حين حولت الامبراطورية الرومانية الى الاقطاع والمسيحية البدائية؟) وسأل ستيفنسن: (هل الامريكيون يمرون باحدى الازمات الكبيرة في التاريخ, حينما يتوجب على الانسان ان يقوم باختيار قوي آخر؟) وفي سنة 1962 قال دوايت آيزنهاور, رئيس الولايات المتحدة عن الحزب الجمهوري في ذلك الوقت: (نحن نعيش في المراحل الاخيرة من الامبراطورية الرومانية) . تؤثر هذه التغيرات الكبيرة في شتى مجالات الحياة. ومن هذه المجالات العالم والتكنولوجيا والثقافة والمجال الروحي ــ النفسي. وفي هذا المقال نتناول المجالين الاولين. عالمية الحدث المفهوم الذي يزداد شيوعا هو اضفاء الطابع العالمي. الاتصالات الحديثة المعززة اوجدت عصرا ذا صبغة عالمية. هذه الحقيقة معروفة منذ سنوات كثيرة. لقد ادرك كثير من المحللين الطبيعة العالمية للاحداث والتطورات الاقتصادية. ان تصميم وانتاج المنتجات الالكترونية بحجم صغير مثل جهاز الكمبيوتر والتلفزيون قد عجلا باضفاء الطابع العالمي الى درجة غير معهودة في اوائل القرن العشرين. لهذا التغير معان. لعل احد معانيه اضعاف مفهوم الدولة الامة كما عرفت منذ منتصف القرن السابع عشر. نتيجة عن هذا التغير يمر العالم بعملية تشظي بعض الدول التي ستدوم عددا من السنين. وما فتئ هذا الامر يحدث منذ بداية القرن العشرين. في الربع الاول من القرن انحلت ثلاث امبراطوريات كبيرة ــ العثمانية والنمساوية ــ الهنجارية والالمانية. وفي السنوات الخمس والعشرين التالية انحلت ثلاث امبراطوريات كبيرة اخرى: البلجيكية والهولندية والفرنسية. وبعد ذلك بوقت قصير انحلت الامبراطورية البريطانية. وفي سنة 1991 تفككت الامبراطورية السوفييتية. ومنذ ذلك الوقت انسلخت جمهوريات عن روسيا التي تضم مائتي مجموعة عرقية, ويحتمل ان تنسلخ جمهوريات اخرى خلال السنين المقبلة. ومنذ سنوات قليلة ما فتئت يوغسلافيا تعاني من عملية التفكك. ويرى محللون ان عملية التشظي هذه يحتمل ان تحدث في بلدان تقع في جنوب شرقي آسيا والشرق الاقصى حيث تضم دول مجموعات عرقية ولغوية مختلفة لها عادات وتقاليد مختلفة وطرق خاصة بها في الحياة, وحيث رسخ الحكم الاجنبي وعمق هذه الاختلافات. وتوجد مناطق اخرى ليست في حالة مناعة من عملية التشظي. تدعو حركة سياسية قوية في ايرلندا الشمالية الى الانسلاخ عن بريطانيا. وتدعو حركة سياسية قوية في اسكتلندا الى الاستقلال السياسي. ولشعب الباسك في اسبانيا مطالب قومية. وتبين استطلاعات للرأي العام ان اهالي ولاية كاليفورنيا يشعرون بقدر من القرابة من سكان حوض المحيط الهادئ اكبر منها من سكان الشاطئ الشرقي للولايات المتحدة. وافادت مصادر بان السلطة التشريعية للولاية ستنظر في اقتراحين بتقسيم كاليفورنيا الى ولايتين جديدتين. وافادت تقارير بان خمسا وعشرين مقاطعة صوتت بالفعل تأييدا للانسلاخ عن الولاية القائمة. وتدعو حركة سياسية قوية في كيبيك الى الاستقلال السياسي عن كندا. ان الدافع الاساسي الناشط في هذه السياقات هو انه حينما تتبنى الدول والمجتمعات طرقا جديدة لرؤية مكانها في العالم وطرقا جديدة لانتاج السلع وللاتصال ولتنظيم حياتها, يتبنى اناس طرقا لادارة وتنظيم حياتهم تمكنهم من ممارسة قدر اكبر من التحكم المحلي. تحولات التكنولوجيا منذ القرن السابع عشر مرت الثورة التكنولوجية والتكنولوجيات الناجمة عنها ببضع مراحل. لقد اخترعت تكنولوجيات قبل ذلك القرن, غير ان تحقيق الاختراعات التكنولوجية امتاز بالسرعة منذ ذلك القرن, وخصوصا في القرنين التاسع عشر والعشرين. لقد حققت الاختراعات التكنولوجية عن طريق التأمل واجراء التجارب العلمية, وشهد العقدان الاخيران من القرن التاسع عشر اختراعات تجسدت في السيارات وصناعة الفولاذ والكهرباء والمستحضرات الصيدلية. لقد حولت في هذه الفترة طرق الحياة للشعوب التي مستها آثار هذه الاختراعات. وشهد الربع الاخير من القرن التاسع عشر والربع الاول من القرن العشرين اكتشاف علوم نظرية صرفة, مما تضمن النفاذ الى الجزء الصغير للذرة والخلية والى الكون الكبير, مما افضى الى اكتشاف واختراع التكنولوجيات المتقدمة والفعالة التي يستعملها الناس في الوقت الحاضر. وتقوم الحاجة الان الى طرح السؤال التالي: هل نشهد دخول البشرية في مرحلة جديدة فريدة في الاكتشافات العلمية؟ اعتبر البشر خلال التاريخ العلم والتكنولوجيا اداتين مساعدتين للانسان وتوسيعا للقدرة البشرية على التحكم بالاشياء يبدو ان بعض التكنولوجيات توجد بموجب قوانينها الخاصة بها وعلى نحو مستقل عن حاجة البشر اليها ولاغراض ليس لها دخل يستحق الذكر بتوسيع القدرة البشرية. هذه التكنولوجيات تزاحم وتحل محل المعنى والمغزى البشريين. ومن الامثلة على ذلك الفكرة التي يتضمنها ما قاله جيران لينير مؤسس الشركة الاولى (للواقع الفعلي) . عندما تكلم لينير, مبتكر مصطلح (الواقع الفعلي) , عما يحدث في صفوف المهتمين بعلوم الكمبيوتر قال: (ثمة ادراك ان الاشياء ستتغير بمعدل سريع الى درجة انه عند نقطة معينة سيتغير شيء ما مثير جدا فيما يتعلق بالحالة الجوهرية للناس في الكون) . وثمة مثال اخر, وهو قيام باحثين في معهد معني بعلم الروبوت وتابع لجامعة كارنغي مالن في الولايات المتحدة باستحداث روبوت سيقوم بحلول 2020, حسب قولهم, باداء وظائف كثيرة يمكن للبشر ان يؤدوها غير انه سيؤديها على نحو افضل. ويقولون انه بحلول سنة 2030 سيكون هذا الروبوت (اشد اشكال الحياة ذكاء على الارض) وانه من المفترض (انه سيحبنا) , اي البشر, و(سيسمح لنا بان نواصل بقاءنا) . ولا يسعنا الا ان نسأل عما اذا كان من الممكن في النهاية استحداث روبوت كهذا والسؤال الاكثر اهمية هو ما هو الدافع وراء رغبة اية منظمة في تمويل روبوت كهذا يتفوق اداؤه على اداء البشر ويتفضل حضرته بان يسمح للجنس البشري بان يواصل وجوده؟ ويعرب اصحاب الرؤى التكنولوجيون عن مزيد من الامكانيات الحياة المصطنعة التي تنشىء حضارتها واعادة تشكيل آلات فتصبح موجودات نفسية وتصميم (الاطفال) والتحكم بنوع الوليد واستنساخ الاحياء من بشرة الجلد ومن الحليب, وايجاد عقول متحررة من الجسد, وليس ذلك سوى غيض من فيض. وانا لست متخصصا في شؤون التكنولوجيا, غير انه يبدو لي ان البشر يواجهون خطر اخضاع الكائن البشري ومتطلبات الاخلاق لاملاءات الكمبيوتر. يجري حمل البشر على الاسراع بحركة الحياة ابتغاء تلبية متطلبات النبض الالكتروني الذي يتخلل العالم. ان ما يجري هو ان البشر يتخلون عن مركزهم الخاص بهم, وعن وجودهم البشري, ويسلمون ذلك الوجود الى الكمبيوتر. لا يعني هذا العرض انه لا قيمة للتصنيع في تحقيق التنمية البشرية المرجوة. انني ارى ان البشر هم اوج الخلق وليس الكمبيوتر الذكي المجرد من الانسانية. وليس الذكاء العقلاني هو القيمة العليا في الحياة. القيمة العليا في الحياة عبارة عن وعي هو اندماج بحثنا عن المعرفة في الحفز المجهول الذي ينبع من اعماق الروح. البشر بحاجة كبيرة, وهم يوشكون على دخول القرن الحادي والعشرين, الى قدر اكبر من ذلك الوعي للكمبيوتر نوع من الذكاء ولكن لا يوجد ذلك الوعي سوى الرباط الانساني المتجاوز لمجال الذكاء الآلي. * كاتب سوري