ليس من قبيل الحماس الأجوف دعوة صحيفة الأسبوع القاهرية إلى عقد مؤتمر وطني لمقاومة التطبيع مع إسرائيل.. ومولد وانفض!.. ولا كان المؤتمر مجرد رد فعل فحسب لما يسمى زورا وبهتانا بالمؤتمر الشعبي الدولي للسلام في يوم انعقاده الاثنين الماضي بالقاهرة.. لكنه جاء وبكل تأكيد تجسيدا لصحوة وطنية قومية لها ما بعدها من تداعيات إيجابية حاسمة سواء على صعيد الصراع العربي الإسرائيلي أو على صعيد الصراع العربي الناشب مع أمريكا بعدما تأكد على مدى نصف قرن مضى وحتى اشعار آخر أن إسرائيل وأمريكا وجهين لعملة العداء المستحكم ضد العرب. والشاهد أن الدعوة إلى المؤتمر السابق الذي جمع لفيفا من الفعاليات السياسية والإعلامية بمجرد إعلان الاحتجاج الوطني على عقد المؤتمر المشئوم لكونه دنس على ارض مصر وانتهاك لثوابتها القومية ونكران لكم التضحيات وآلاف الشهداء الذي سقطوا على ساحة المواجهة للغزو الصهيوني منذ نكبة فلسطين عام 1948 إلا انه أدى إلى تداعيات تلقائية غير محسوبة سلفا عبر الدعوة إلى عقد مؤتمر لاحق وأوسع لاستيعاب مختلف قوى وفصائل التيارات الوطنية المصرية بنقل تيار الاحتجاج إلى مرحلة متقدمة صوب المقاومة الفاعلة .. وهذا المؤتمر السياسي تمخض بدوره عن بلورة المقاومة في صيغة مؤسسية دائمة تعتمد التخطيط والاستراتيجية وتوزيع المسئوليات ولا تقتصر فقط على كشف وتعقب ومواجهة التطبيع وأشكال وأساليب الاختراق الإسرائيلي للمجتمع المصري فقط وإنما يمتد دورها إلى تجفيف منابع النزاعات العربية كمدخل أساسي لتمتين اللحمة القومية باعتبارها العقبة المؤكدة التي تعترض حشد الإرادة العربية والإمكانيات العربية في مواجهة التحديات الخطيرة التي تحيط بالأمة من كل جانب في ظرفها التاريخي الصعب حتى باتت أمام خيارين.. أن تكون أو لا تكون! على أن التداعيات الإيجابية المتسارعة لمؤتمر مقاومة التطبيع لم تتوقف عند مرحلة الرهان على المستقبل لكنها على مستوى الحاضر حققت الكثير.. وبينها سحب الشرعية الرسمية التي حاول المطبعون اضفاءها على مؤتمرهم .. أولا تصريح وزير الخارجية عمرو موسى الذي أدلى به لصحيفة الأهرام في الخامس من شهر يوليو الجاري مؤكدا على أن الإسراع بعمليات التطبيع بات مستحيلا ما لم تلتزم إسرائيل بالتنفيذ الكامل والأمين لقرارات الأمم المتحدة وجملة اتفاقيات السلام على مختلف المسارات .. وقال بدون تلك الخطوات المطلوبة من إسرائيل لا تستطيع مصر أن تتحدث عن أي خطوة من خطوات التطبيع .. وقد تزامن هذا التصريح مع تصريح آخر لموسى أكثر خصوصية وتحديدا حيث نفى بشكل قاطع ما تردد عن أي علاقة لوزارة الخارجية بمؤتمر قوى السلام وما أعلنه المطبعون بالتالي عن إلقائه خطاب الافتتاحية باسم الحكومة المصرية! وقد زاد من إخفاق المؤتمر بيان صادر عن السلطة الفلسطينية على شاكلة الموقف المصري الرسمي حيث نفت أن يكون لها وفد يمثلها في المؤتمر, وحتى نجوم التطبيع المصريين توارى معظمهم عن الأنظار واغتنموا السلامة من الفضيحة وتراجعوا في اللحظات الأخيرة عن حضوره اثر الزخم السياسي والشعبي العارم الذي أشاعه مؤتمر مقاومة التطبيع ! والحقيقة أنني وضعت يدي على قلبي وغيري كثير خشية عواقب ثلاث.. أولها الا يتحقق نصاب الوطنية المصرية في المؤتمر سواء من حيث الكم والكيف والتنوع وهو ما يلقي بظلاله الضعف والنقص المعيب على مناقشات المؤتمر وقراراته وجديته.. فإذا الحضور بالمئات والتمثيل كامل لألوان الطيف السياسي والفكري والديني والعلمي والفئوي والجمهوري في مختلف ربوع مصر الأمر الذي عاد بالذاكرة إلى مصداقية الستينات حين كان اجتماع الأمة على قلب رجل واحد للنهوض والبناء ومجابهة التحديات الوطنية والقومية .. والمدهش حقا كان أدب الحوار دون شبهة الاستعراض أو الذاتية وذلك النظام الدقيق الذي ساد أعمال المؤتمر وأهبة الاستعداد لكبح جماح التشويش أو التخريب. ثاني ما خشيته.. أن يتلاشى صدى المؤتمر بمجرد نهايته سواء عبر الضغوط أو التعتيم وربما توخي عدم الإحراج فإذا بالإذاعة والقنوات الفضائية ومختلف الصحف القومية تبادر إلى نقل وقائع المؤتمر وقراراته تباعا على نحو ديمقراطي ومتوازن دون اختزال أو ابتسار وإذا بالحزب الناصري وحزب العمل يتداعيان للإرادة الوطنية والقومية التي جسدها المؤتمر عبر عقد مؤتمرات سياسية عاجلة لمناهضة التطبيع. وأما عن ثالث العواقب فكان تحسب احتواء تيار مقاومة التطبيع مع إسرائيل من قبل الحكومة بدعوى أو بحجة واهية.. وهذا لم يحدث.. فقد كان طريق مظاهرات الاحتجاج على عقد مؤتمر التطبيع المشبوه سالكا إلى مكان انعقاده بفندق ماريوت.. والرد على ما أثير خلال جلساته من أباطيل وتبجح متاحا.. وكذلك كشف مصادر التمويل الأجنبي لجماعة كوبنهاجن وأهدافها المعادية .. فيما لم تتعرض السلطات الرسمية على إجراءات وترتيبات عقد مؤتمر شعبي عربي في القاهرة قبل نهاية العام الحالي لمقاومة التطبيع.. ولا اعترضت كذلك على تشكيل جمعية أو جماعة مصرية دائمة تتناقض مع نهج وأهداف جماعة كوبنهاجن.. ولعل المعاني والدلالات التي شهدتها جملة هذه التطورات تجزم بأن الأمة المصرية بكل ما تمثله شعبا ونظاما ضد التطبيع على طول الخط حتى تذعن إسرائيل للشرعية الدولية وتجنح إلى مرافئ السلام الشامل والعادل مقابل رد الحقوق المنزوعة والأرض المغتصبة للعرب. وإذا كان مؤتمر مقاومة التطبيع قد حقق نجاحات مقدرة إزاء إستعادة الوعي القوي وإدراك مدى ما تتعرض له الأمة من أخطار وتحديات والخروج من دائرة اليأس و الاستكانة والفرقة العبثية.. فالمطلوب وعلى نحو عاجل ملاحظة التطورات السياسية السلبية للهيمنة الأمريكية الرامية لتكرار نهجها السياسي وأسلوبها العسكري في كوسوفا في منطقة الشرق الأوسط بدعوى مناهضة التطهير العرقي أو تطبيق مبادئ ومعايير حقوق الإنسان .. وكل المعلومات المتوافرة تؤكد على أن العراق أول المرشحين للمؤامرة الأمريكية الوشيكة وبعده السودان وربما قبله خاصة في ضوء الترويج الإعلامي والسياسي والمعنوي المحموم بممارسته للرق.. وقرار الكونجرس مؤخرا بفرض الحظر الجوي على جنوب السودان وجبال النوبة. مطلوب من هيئة مؤتمر التطبيع أذن تكوين وفد شعبي على مستوى عال مهمته تقصي الحقائق في العراق والمبادرة إلى مصالحة قومية بين الكويت والسعودية والقيام بنفس المهمة في السودان والمصالحة الوطنية بين نظامه ومعارضيه سريعا قبل وقوع الكارثة.