اخذ التعليم في عالمنا العربي يدفع تدريجيا بمحركات وموجهات دخيلة, ولم يعد للتعليم وللمعرفة مكانتهما السابقة.. تلك المكانة التي تعطي للمعرفة كفاية في حد ذاتها وكمحرك للامم الى ماهو افضل , نظرا لاقتران التعليم والمعرفة بصفة عامة بكل القيم الاخلاقية الكفيلة بتحقيق ذلك الهدف, اذ تدافعت التطورات الدولية بشكل دفع بكثير من الامور الى منعطف خطير, وما يعنينا هنا هو بالتحديد ما آل اليه وضع التعليم والمؤسسة التعليمية في غمرة تلك التحولات, اذ اصبح التعليم مجرد اداة او وسيلة لتوفير احتياجات وشروط سوق العمل. شأن مجتمعي لقد تزايد الاهتمام على المستوى الدولي في السنوات الاخيرة بمسألة التعليم, حتى اصبحت قضية التعليم تأتي في مقدمة القضايا التي تعقد بشأنها المؤتمرات والندوات, واذا كان ذلك يعكس تطورا دوليا ايجابيا نظرا لاهمية التعليم في بناء المجتمعات والنهوض بها وضرورة اعطائه الاهتمام الرسمي والاهلي الذي يتناسب وتلك الاهمية, فان الملفت للنظر هو اهتمام القطاع الخاص بهذه القضية وتزايد تغلغله في توجيه مسار العملية التعليمية. وقد يحاول البعض تبرير ذلك التدخل باعتباره يمثل تحولا ايجابيا في نشاط واهتمام هذا القطاع, بل ربما يحاول البعض ان ينسب لذاته شرف حمل رجال الاعمال على المساهمة في الدفع بالعملية التعليمية وان تحملهم لبعض المسؤوليات تجاه التعليم ماهو الا ضريبة متواضعة يدفعونها مقابل العديد من التسهيلات الرسمية والمجتمعية التي يتمتعون بها والتي تساهم في تعظيم ارباحهم وقد يرى البعض في ذلك الرأي حجة مقنعة ومبررة لمعظم تدخل القطاع الخاص في العملية التعليمية. واود الاشارة هنا الى ان تدخل القطاع الخاص في المسيرة التعليمية, سواء في دولة الامارات او في غيرها يعد مسألة قديمة نسبيا, وقد بدأت في دولة الامارات باصدار قانون التعليم الخاص (اي القانون الذي يسمح بفتح المدارس الخاصة باعتبار ان ذلك يمثل تلبية لحاجة العديد من الجاليات الاجنبية في الدولة). وبمرور الوقت تزايد عدد المدارس الخاصة بشكل ملحوظ واصبحت تستقطب المواطنين والوافدين على حد سواء, بل واصبح مجال التعليم الخاص يمثل مصدرا للثراء ربما ينافس اشكال الاستثمار الاخرى, ولا ضرر اذا كانت تلك المدارس سوف تقدم بالفعل فرصا تعليمية افضل, او انها ستكون بمثابة المنافس بالنسبة للتعليم الحكومي وستدفع به لعملية تقييم مستمرة لرفع نوعية الخدمة التعليمية الحكومية. وللاسف الشديد فان بعض المسؤولين عن التعليم الحكومي هم اول من استفاد من قانون التعليم الخاص, واخذوا يتحايلون عليه وكانوا من اكبر المستثمرين في هذا المجال وذلك ما جعل مصلحتهم تتفق مع تراجع نوعية الخدمة التعليمية الحكومية, باعتبار ان ذلك الوضع سوف يدفع بالمقتدرين وربما بغير المقتدرين للبحث عن خيار تعليمي آخر مهما كلفهم الامر. ولا تعني تلك الاشارة اعطاء افضلية للتعليم الخاص على التعليم الحكومي في دولة الامارات, فمازال التعليم الحكومي من وجهة نظري الخاصة رغم ما يرد عليه من تحفظات, يحتفظ بالعديد من جوانب القوة مقارنة بالخدمة التعليمية في معظم المدارس الخاصة, لعل في مقدمتها الفروق المتعلقة بمستوى وخبرة الهيئة التدريسية. فالقطاع الحكومي في الغالب يستقطب نخبة من ذوي التخصصات العلمية والتربوية في الوقت ذاته بالاضافة الى خضوع الهيئة التدريسية في المدارس الحكومية لمقابلات واختبارات صارمة تنسق تعيينهم كما يشترط للتعيين عدد من سنوات الخبرة, بالاضافة الى عملية المتابعة والتوجيه المستمرة من قبل الوزارة طوال سنوات عملهم, كل تلك المسائل قد تكون ضمانات لتقديم خدمة تعليمية افضل, وتبقى بعض جوانب القصور الاخرى في الخدمة التعليمية الحكومية يمكن معالجتها فيما لو توفرت الرغبة الاكيدة لذلك. كما ان الاشارة السابقة لاتعني انتقادا للمدارس الخاصة او لرجال الاعمال المستثمرين في هذا القطاع, فهناك الكثير من رجال الاعمال الذين كان لهم دور رائد في مجال الخدمة التعليمية, سواء في السابق اى قبل قيام الدولة, حيث ساهم بعض الاثرياء في انشاء المدارس والانفاق على شيوخ العلم والمدرسين بل والطلبة من مالهم الخاص, كما يساهم بعضهم اليوم في الدفع بالعملية التعليمية والثقافية الى ماهو افضل, وهناك العديد من الرواد في هذا المجال من امثال جمعة الماجد والحاج سعيد احمد لوتاه وسلطان بن علي العويس. التعليم (السوقي) وما اود الاشارة اليه عند الحديث عن تغلغل القطاع الخاص في العملية التعليمية, هو ابعد من ذلك بكثير, انما اعني تغلغلا يتفق مع توجهات النظام الاقتصادي الدولي الجديد, المتجه بقوة وعلى نحو غير مسبوق اليوم الى تعظيم الربح وتحقيق المصالح الاقتصادية للشركات الرأسمالية الكبرى, وتقديم ذلك الهدف على اي اعتبار آخر. ومعه يصبح مجال التعليم مجرد مجال للاستثمار والاخطر هو ان يصبح التعليم مجرد اداة لخلق وتوفير ما يحتاجه السوق الرأسمالي من شروط سواء تمثلت تلك الشروط في تقديم تخصصات معينة على حساب تخصصات اخرى, او الغاء تلك التخصصات بشكل نهائي باعتبارها تخصصات غير ذات قيمة (او هي اشبه بعملة قابلة للصرف في سوق العمل! والغريب ان اصطلاح (سوق العمل) اصبح شائعا ومتداولا, واصبح الخضوع لشروطه مسألة يسعى اليها القائمون على العملية التعليمية بكل مراحلها, واخذ ذلك المفهوم يمر بصورة طبيعية دون ان يتوقف ليسأل ذاته اي سوق هذا الذي اصبحنا تخضع لشروطه, بل ونطالب جميع القطاع بما فيها قطاع التعليم بالخضوع له؟ أليس هو السوق الرأسمالي المتجرد من اي غاية اخرى سوى غاية الربح وتعظيم المصالح المادية حتى وان تعارضت مع اسمى القيم الانسانية؟! واذا غاب ذلك عن ذهن الانسان العادي, فكيف يغيب عن ذهن المثقفين والاكاديميين والذين من المفترض ان يكونوا على اطلاع ودراية بخلفيات الامور والفلسفة التي تقف وراء تلك السياسات وتحركها؟ اهكذا وبكل بساطة تمرر الامور ويحمل الجميع على القبول بها؟ لقد كانت التربية كفاية مقترنة بالتعليم بل وتسبقه في عالمنا العربي, وكان للعلم وللمعرفة مكانتهما واحترامهما كفاية لذاتهما, الى جانب دورهما في النهوض بالامة ولم يكن النهوض بالنسبة لنا كأمة عربية يعني مجرد تعظيم مكاسبنا المادية, بل ان المعرفة تقاس وتقيم بقدر ما تحققه للانسان من سمو اخلاقي. وتقدم الامم وتفاضلها فيما بينها انما يحدد, وفق ثقافتنا العربية الاسلامية, بمدى ما تتحلى به من قيم واخلاق انسانية (انما الامم الاخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت اخلاقهم ذهبوا) اين منا تلك الموجهات؟ واين هم من سياساتنا التعليمية؟ تلك السياسة التي اخذت تنأى بشكل تدريجي عن موجهاتها الاصيلة وتكاد تدفع بموجهات وحيدة الا وهي احتياجات سوق العمل. التعليم واحتياجات سوق العمل التعليم واحتياجات سوق العمل شعار يرفعه الكثيرون وتوصية يخرج بها معظم المشاركين في الفعاليات التي تعقد بشأن التعليم, بالاضافة الى شعار آخر مرتبط به ويحظى بتأكيد مماثل, ألا وهو ضرورة ان يلاحق التعليم في عالمنا العربي التطورات الدولية في مجال تقنيات المعلومات بغض النظر عن الأوراق المقدمة والتجارب التعليمية التي تتضمنها, ويغيب عن بال المشاركين والحضور ومن يقرأ تلك التوصيات العديد من المفاوضات, لعل من أهمها ان تقدم نظاما تعليميا وأفضليته لا تقاس بورقة بحثية ربما يتفنن مقدمها في تأليفها وتطعيمها بالبيانات المقدمة لوجهة نظر, بل ويستخدم أفضل التقنيات وأساليب العرض لتأكيد ما تضمنته تلك الورقة, بقدر ما تقاس بالنتاج العام للعملية التعليمية, أي بمخرجات تلك العملية التي لا تقاس بتلك الاوراق والتقنيات بقدر ما تقاس بالطلبة الذين خضعوا لذلك المنهج التعليمي: ما هو مستوى تحصيلهم العلمي مقارنة بطلبة خضعوا لمناهج مغايرة وربما أقل تطورا في مجال استخدام التقنيات وأساليب التدريس الحديثة؟ وما هي سمات شخصياتهم وأيهم يعد أكثر نضجا واتزانا؟ وما هي القيم التي يحملها اولئك الخريجون؟ وما هي تأثيرات تلك المعارض والقيم على جعل أولئك الطلبة مواطنين فاعلين في بناء مجتمعاتهم؟ الى غير ذلك من المحكات التي يمكن ان تقاس بها مخرجات العملية التعليمية. تحفظات ... ولكن ونظامنا التعليمي في العالم العربي, رغم كل التحفظات التي ترد عليه والنقد الموجه له, وكذلك انظمة التعليم في بعض الدول كالهند وغيرها, أعتقد بأنه نظام تعليمي جيد ويتمتع بالكثير من نقاط القوة. صحيح ان تلك النقاط بدأت في التراجع لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها هنا, لكن احد الاسباب الرئيسية لذلك التراجع هو اغفال المسؤولين عن العملية التعليمية لنقاط القوة التي مازال النظام التعليمي في البلاد العربية وغيرها من الدول النامية, في غمرة تأكيدهم على ضرورة توفر مؤشرات ومعايير لتطوير العملية التعليمية مستقاة أساسا من خبرة مجتمعات أخرى, بغض النظر عن المردود الحقيقي لتلك المؤشرات. ولا أريد هنا التقليل من أهمية التطور في الدفع بالعملية التعليمية, ولكن لا ينبغي ان يكون الهاجس الوحيد للمسؤولين عن التعليم أو المحك الوحيد للحكم على أفضلية نظام تعليمي دون غيره. والأخطر من ذلك هو جعل احتياجات السوق بمثابة الموجه الأساسي للعملية التعليمية خاصة في مراحلها الأخيرة, أي التعليم الثانوي والجامعي, ومن يدري ربما تصبح الموجهات موجهات عامة تفرض على العملية التعليمية منذ مراحلها الأولى. مازلت أذكر جيدا مكانة العلم والمعرفة التي غرست بداخل كل منا منذ بداية التحاقنا بالمدرسة, ومكانة المدرسة آنذاك باعتباره مصدر المعرفة والموجه الأول للنشء, وكم كانت تلك المكانة تمتزج بدرجة من القداسة والتبجيل. ولم يكن المدرس يحظى بهذه المكانة لدى النشء فحسب, بل كان أولياء الامور, بل وجميع أفراد المجتمع يجلون المعلم ويقدرونه, ولا غرابة في ان يكون للمدرس تلك المكانة لدى أمة تقدر العلم, وتدرك بأنه السبيل الوحيد للحراك الاجتماعي ولتحديد مكانة الفرد وتحسين واقعه الاجتماعي, وهو السبيل الى تحقيق التنمية الشاملة أو الدفع بعجلتها. وها نحن اليوم نحمل بوعي أو دون وعي, وبارادة حرة أو بضغط, وطأة التحولات الدولية الجديدة لنحصر الغاية من التعلم والمعرفة بصفة عامة في حدود ضيقة يمليها السوق الرأسمالي ويمكن تحديدها بعبارة موجزة ألا وهي توفير الشروط الملائمة لعمل هذا السوق. واذا كانت الشروط الاقتصادية معروفة ومدركة الى حد ما, كتوفير المواد الخام والأيدي العاملة والطاقة والسوق المستهلكة والتنظيم والادارة وما يتصل بالعملية الانتاجية بصفة عامة, فما هي الشروط التي يحتاجها سوق العمل وينبغي ان تسعى العملية التعليمية بكل مراحلها لتحقيقها؟ بل ينبغي ان تصاغ السياسات التربوية في ضوئها؟ ان أول تلك الشروط مرتبط بتغيير فلسفة التعليم, إذ ينبغي ان تكون الغاية منه تحديدا هي خلق القيم والشخصية والمعارف التي تحتاجها تلك السوق, ونبذ واغفال أو الالغاء النهائي لكل القيم والمعارف التي قد تتعارض وتعظيم فرص الاستثمار الاقتصادي. واذا ما تم تبني تلك الفلسفة التعليمية فكل الشروط الاخرى سوف يتم بلوغها بسهولة ويسر, إذ سيتم التعامل مع القدرات العقلية والبدنية للنشء وفن احتياجات تلك السوق, بحيث يعطي كل الجرعة المعرفية من تخصص ما ليسد احتياج ما دون غيره ضمن العملية الاقتصادية المراد ادارتها واستمرارها, ولا يعود لذلك الفرد دور ما خارج تلك العملية. وباختصار شديد سوف يتم تحويله الى مجرد جزء خاص من تلك الآلة الآخذة في الدوران دون توقف. وضمن تلك الفلسفة التعليمية لن يكون بمقدور أي منّا ان يدرك الى أين ستسير به تلك الآلة. وتلك مسألة تصب في صالح من يقف وراء تلك الفلسفة, فالمهم هو ان تؤدي ما يطلب منك باتفاق ولست مطالبا بأن تعرف ما هو أبعد من ذلك, وان بدا التخصص الدقيق ضرورة لتطوير العملية المعرفية والانتاجية في مرحلة من مراحل التطور العلمي والتقني, فإن من مراحل التطور العلمي والتقني, فإن نشأة العلوم أساسا لم تقم الا على شمول المعرفة واتصال جوانبها المختلفة ببعضها البعض, كما ان الحقائق العلمية تثبت لنا يوما بعد يوم أهمية التكامل المعرفي وانه السبيل الوحيد للاقتراب من حقيقة الامور. غير ان فلسفة التعليم التي يريدها السوق الرأسمالي لا تعترف بذلك كله, فكما تحكم قوانين تلك السوق بتعظيم أرباح ذوي النفوذ الاقتصادي وتقديمها على أي اعتبار آخر, وكما هي الفلسفة الرأسمالية بصفة عامة تسير لخدمة الصفوة السياسية والاقتصادية, فهي تتعامل مع التعلم والمعرفة بذات المنطق. فالمهم ان تكون هناك صفوة من العقول المبدعة المبتكرة لتعظم انتاجية تلك السوق فرص استثمارها, وليبقى الجميع في مستوى تعليمي تفرضه احتياجات تلك السوق ولا شيء آخر. ان تلك الحقيقة يستطيع ان يتلمسها من هو على دراية بواقع التعلم في الدول الرأسمالية كالولايات المتحدة, فبينما هناك عقول وخبرات جبارة الا انها تظل محدودة جدا, وتلقى كل رعاية مادية ومعنوية ونظرا لأهمية الدور الذي تقوم به في خدمة تلك السوق, فإن الغالبية العظمى من الشعب الامريكي لا تتوفر لها الظروف الأسرية والمجتمعية التي تساعدها على اتمام التعليم الثانوي ومؤشرات التعلم والذكاء في تراجع, وفرص التعليم المتاحة أشبه بالسوق الاستهلاكية, تجمع بين الغث والسمين وبين ما يمكن ان يقبل عليه العامة وما هو مخصص للصفوة فقط. تلك هي قوانين السوق وقيمه التي أصبحت تطال كل شيء, حتى الغايات المعرفية. رئيسة قسم العلوم السياسية- جامعة الامارات