خلال الحملة الانتخابية الرئاسية في الجزائر, تعددت التساؤلات حول قدرة المرشح الفائز على اخراج البلاد من الوضعية التي تتردى فيها منذ اجهاض المسلسل الديمقراطي في سنة 1992 بفعل الاجتياح الاسلامي لها, مما ادخل البلاد في حمام من الدم, ومسلسل العنف والعنف المضاد. وقد ازدادت الشكوك بعدما كان الكل يقدم السيد عبدالعزيز بوتفليقة كمرشح للجيش, وهو الامر الذي استند عليه باقي المرشحين للانسحاب من الانتخابات, علاوة على ماضي الرئيس الجديد بوصفه كان وزيرا للخارجية في عهد الراحل بومدين, وظل مبعدا عن الشؤون العامة لمدة عشرين سنة, مما طرح تساؤلات حول قدرته على التكيف مع التركة السلبية التي تراكمت خلال السنوات الماضية, ودرجة استقلاليته في مواجهة المؤسسة العسكرية, ومختلف مراكز القوى والنفوذ الاخرى. بيد انه ينبغي الاقرار, ان مرحلة مابعد الانتخابات بدأت تبرز تدريجيا حقيقتين اساسيتين: تتمثل الاولى في خطأ القرار السياسي الذي اتخذه باقي المرشحين في الانسحاب من الانتخابات فالضجيج الذي احدثه هذا القرار, والذي كان يستهدف الانقاص من مصداقية الانتخابات بدأ يتراجع, وحتى ردود الفعل, وبالاساس الفرنسية التي شككت في شرعية الانتخابات بدأت تتغير, وخاصة بعد قيام وزير الداخلية الفرنسية بزيارة للجزائر لحضور اجتماع وزراء داخلية غرب البحر المتوسط, واستقباله من طرف الرئيس الجزائري, بشكل مثل نوعا من الاعتذار الشفوي الفرنسي عن الموقف السابق الذي اثار امتعاضا في الاوساط الجزائرية, اما الحقيقة الثانية فتتمثل في كون الرئيس الجزائري حاول منذ تسلمه لمقاليد السلطة خلق ديناميكية جديدة في البلاد من خلال التسلح بممارسة جديدة تتسم بالواقعية والشجاعة في التصدي للمشكلات العويصة التي تعاني منها البلاد, لقد تجلى ذلك واضحا من خلال تشخيصه لاحوال الجزائر, حيث رسم صورة قاتمة للاوضاع في كافة المجالات, ولاسيما الاقتصادية والاجتماعية مركزا على ضرورة المصالحة الوطنية لمواجهة الحرب المدنية التي عرفتها البلاد, والتي خلفت اكثر من مائة الف قتيل. يتمحور تحرك الرئيس الجديد حول مفصلين اساسيين, يرتبط الاول باعادة تفعيل دور الجزائر على المستوى الدولي وينصب الثاني على خلق المصالحة الوطنية من خلال اطلاق مجموعة من المبادرات. على المستوى الدولي, اكتست مشاركة الرئيس الجزائري على رأس وفد من مئة شخصية في منتدى كروس مونتانا بسويسرا لحظة هامة توخى من خلالها الرئيس الجزائري اعطاء صورة عن الوضع السياسي والاقتصادي والامني في الجزائر, وذلك في محاولة لشرح الاختيارات التي ينوي الدفع بها, وكذلك جذب الاستثمارات الاجنبية التي تأثرت بالاوضاع الامنية المتدهورة. ولايقتصر الامر على هذا المنتدى, بل ان الجزائر باتت تشكل مجالا للاهتمام بالنسبة للولايات المتحدة صحيح ان الاستراتيجية الامريكية, كما لاحظنا في مقالة سالفة تسعى الى منافسة الوجود الاوروبي من خلال التشجيع على تعاون امريكي مغاربي يضم الدول الثلاث, وهي الجزائر وتونس والمغرب, وذلك في اطار ما عرف بمبادرة ايزنستات, الا انه يبدو من خلال المقترحات الملموسة التي تحدث عنها المسؤولون الامريكيون, ان السوق الجزائرية ستستقطب الجزء الكبير من هذه الاستثمارات بحكم الثروات النفطية التي تختزنها, وطبيعي ان هذا الاهتمام الامريكي بالمنطقة لايمكن الا ان يثير مخاوف الفرنسيين ومن ثم يمكن الحديث عن وجود نزعة في فرنسا للضغط على المسؤولين الفرنسيين من اجل التعامل مع الاوضاع الجزائرية بعقلية جديدة لاتتأثر كثيرا بالبعد التاريخي والوجداني في العلاقات الجزائرية الفرنسية, وسواء تعلق الامر بمنافسة, او تكامل اوروبي امريكي في المغرب العربي, وفي الجزائر خصوصا, فإن هذا الامر لايمكن الا ان يزيد من هامش المناورة بالنسبة للرئيس الجزائري. ان اعادة تنشيط دور الجزائر الدولي يمر بالاساس عبر تطبيع العلاقات مع جوارها المباشر, اي المغرب العربي, وفي هذا الصدد تواترت المؤشرات الدافعة نحو التفاؤل باحتمال اعادة سكة اتحاد المغرب العربي الى مجراها الطبيعي فهناك تبادل البرقيات المفعمة بروح الاحترام والرغبة في البناء المشترك, التي تبودلت بين العاهل المغربي الحسن الثاني, والرئيس الجزائري بوتفليقة, وهناك اجتماع خبراء الاتحاد المغاربي على مستوى المكلفين به في وزارات الخارجية بالجزائر, والذي تكرس بصدور بلاغ يعبر عن الرغبة في حيوية ومصيرية خيار المغرب العربي, اضف الى ذلك الاستقبال الذي خص به الرئيس الجزائري وزير الداخلية المغربي, والذي فتح امل اعادة فتح الحدود بين الدولتين في الايام المقبلة كخطوة لا مناص منها لاعادة التواصل بين الاقطار المغاربية, كل هذه الخطوات التي تتم بجهود مصرية فتحت باب الامل بالنسبة للشعوب المغاربية بيد انه لاينبغي الاغراق في التفاؤل فمازال الكل يترقب سلوك الجزائر خلال مؤتمر القمة الافريقية الذي ستحتضنه في الايام المقبلة, فبالنسبة للمغرب سيشكل هذا المؤتمر اختبارا للنوايا الحقيقية للقيادة الجزائرية, واذا كان من غير الواقعية المراهنة على تحول جذري في الموقف الجزائري, فإن ما ينتظره المغرب هو تبني خيار الامم المتحدة القائم على الاستفتاء كاسلوب لحل هذه القضية التي سممت العلاقات بين البلدين, واثرت بشكل سلبي على العلاقات المغاربية, اي بصيغة اخرى, فإن المؤمل هو عدم تشجيع الجزائر لموقف مناهض او معرقل للاستفتاء المقترح من طرف المنتظم الدولي. ان هذه الرغبة في رد الاعتبار لمكانة الجزائر الديبلوماسية لايمكن ان تتحقق بالشكل المرغوب فيه الا باقرار مصالحة وطنية تعيد خلق التوافق بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي, وهي المهمة الشاقة التي ركز عليها الرئيس الجزائري الجديد, ولحد الساعة, فقد تناسلت المؤشرات الدالة على الرغبة السياسية في طي صفحة الماضي, ومن ابرزها تبادل الرسائل بين الرئاسة والجيش الاسلامي للانقاد الذي عبر عن قبوله لهدنة, تلاها العفو الذي شمل آلاف الاسلاميين الذين خرجوا من السجون, وتقديم مشروع قانون الوئام او المصالحة الوطنية امام البرلمان الجزائري, وهو الذي يعيد صياغة بعض القوانين السابقة, كما هو الامر بالنسبة لقانوني تدابير الرحمة وضحايا المأساة اللذين اتخذا خلال ولاية الرئيس اليمين زروال, ويتميز القانون الجديد بكونه يعيد صياغة تعامل العدالة مع ما كان يعرف بالارهابيين غير المتورطين في جرائم دموية, كما يلغي المتابعة في حق الذين قاموا بعمليات تخريب دون ارتكاب جرائم قتل وعلاوة على ذلك سيمكن من دمج (التائبين) من الجماعات المسلمة في المجتمع, وربما تمكينهم من ولوج الجيش للمساهمة في مقاومة باقي الجماعات المسلحة التي مازالت تتبنى العنف كاسلوب وحيد لادارة الصراع في البلاد. من الواضح جدا, ان هذا القانون الجديد لايمثل عفوا شاملا ومطلقا عن جميع من سموا بالارهابيين, بل انه يشكل خطوة اولى تتوخى تكريس نوع من المصالحة بين النظام وجبهة الانقاذ المحظورة وترتكز هذه الخطوة على معاينة الواقع الجزائري الذي بينت تطورات الاحداث خلال السنوات الماضية, ان تجاوزه لايمكن ان يلغي واقعا معقدا يتسم من بين مكوناته الاساسية بدور المؤسسة العسكرية, وبالتالي صعوبة استبعادها من السياسة, لاسيما في ظل عدم الاستقرار الامني واما الحقيقة الثانية فبدورها تكمن في استحالة حدوث مصالحة وطنية دون الاخذ بعين الاعتبار دور الجبهة الاسلامية للانقاد, التي يمكن ان تشكل احدى وسائل مواجهة باقي الجماعات التي مازالت ترفض نبذ العنف, لقد ادرك الرئيس الجزائري, انه لايكفي ان يوافق البرلمان على هذا القانون, بل لا مندوحة من عرضه على الاستفتاء الذي ربط مصيره بنتيجته, وهو قرار يحاول من خلاله الرئيس الجزائري ان يعطي لهذا القانون شرعية واسعة تمكنه من حمايته في مواجهة بعض الجمعيات المدنية, والاحزاب التي ترفض كل تقارب مع الاتجاهات الاسلامية, وكذلك تدعيم موقعه في مواجهة المؤسسة العسكرية نفسها, او على الاقل ذلك الجناح المتشدد داخلها. وقد يرتكز هذا التوجه على اجراءات جديدة قد تساهم لاحقا في توسيع اجواء الوفاق, كما هو الامر بالنسبة لاطلاق سراح زعيمي الجبهة عباسي مدني, وبلحاج, والعفو عن باقي القياديين وكذلك رفع حالة الطوارىء, وهي امور ستمهد لخطوات جديدة على طريق اعادة ادماج جبهة الانقاذ الاسلامي سياسيا دون ان تشكل خطرا على النظام, كما كان الامر في السابق. ان هذه المبادرات التي تتم في ظل الرغبة في خلق آفاق لاقرار السلم المدني تطرح مع ذلك تساؤلات حول ما اذا كانت ستساهم بشكل فعال في القضاء على العنف الذي مازال يحصد عشرات الابرياء, وبمعنى آخر, فهي تستنطق ردود فعل الرافضين لهذه المصالحة سواء تعلق الامر بالجماعات المتطرفة, او اولئك الذين يوجدون خارجها في نفس الوقت يثور التساؤل حول مدى مساندة المؤسسة العسكرية, ومدى رغبتها الحقيقية في اقرار السلم المدني في البلاد, واخيرا هل تفضي هذه الاجراءات الى خلق فضاء ديمقراطي حقيقي في البلاد, ام انها على العكس من ذلك لن تساهم الافي تدعيم الفكر الوحيد؟ ان هذا المناخ المشحون بالتفاؤل, والذي لايمكن الا ان يستفيد منه الشعب الجزائري, وباقي شعوب المنطقة, لايمكن ان يترسخ الا بقبول كافة مكونات المجتمع, واعترافها باستحالة الاستمرار في النهج الذي ساد سابقا, ويتطلب الامر كذلك ضرورة التصدي للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها البلاد, فعودة الامور الى وضعها الطبيعي رهين كذلك باقرار السلم الاجتماعي, وهو امر يتطلب الكثير من الارادة والصبر والمعاناة. استاذ العلاقات الدولية جامعة محمد الخامس ــ الرباط ــ المغرب