عندما يطالع القارىء هذا المقال, يكون قد مر على اعلان النتائج الانتخابية في الكويت لمجلس الامة التاسع عشرة ايام, من المفروض انه في هذه الفترة تكون قد هدأت النفوس من زحمة ماتلا من النتائج, وصارت فكرة الوصول الى المجلس لدى من فاز فكرة راسخة بعد ان كانت محتملة, وتفرق القوم كل يجري حسابات جديدة للمسؤولية الجديدة الملقاة على عاتقه. في هذه الفترة, يرجح الحديث عن المستقبل, وعن طموحات الناخب الكويتي العادي الذي ذهب الى مناطق الاقتراع بنسبة لا تتوافر حتى في البلدان العريقة في الممارسة الديمقراطية, لقد اضافت نسبة الاقبال الكبيرة على التصويت والتي قاربت الثمانين بالمائة من المسجلين اهمية على نتائج الانتخابات, ان اخذنا توقيت الحملة الانتخابية ووقوعها في فصل حار ويوم الانتخابات بذاته كان يوما مشهودا بارتفاع الحرارة, ان اخذنا بكل ذلك وهذا الرقم الكبير الذي هرع للتصويت, نعرف على وجه اليقين مدى تمسك الناخب اي انها ليست خاصة بالوضع الاقتصادي او الوظيفي او الأمني على اهمية هذه القضايا, وانما هي قضايا خاصة بالاصلاح الانتخابي والسلوك السياسي, وهذا ما يصل بنا الى : ثانيا. قضايا الاصلاح الانتخابي تتصدرها قضيتان, الاولى شائكة وحولها الكثير من الجدل, ولكن اهمية طرحها في هذا الوقت بالذات لها دلالة صحية, واقصد هنا بما سميناه الانتخابات الفرعية, فهذا الموضوع كان يسمم العلاقات الطائفية في وقت ما, واستطاعت الجهود المتعاقبة السياسية والتوعوية ان تخرجه من الاجندة الانتخابية في المناطق التي تتوافق فيها الطوائف. اما في المناطق التي تتواجد فيها فروع القبائل, فقد استمر هذا التقليد, وهو تصفيات مسبقة للمرشحين يحرم منها المواطن العادي الفرص المتساوية في السباق الانتخابي, ولقد سن المجلس السابق ( الثامن) قانونا بتحريم هذه الانتخابات, وقد حول بعض من مارسها الى النيابة العامة بالفعل, ولكن هذا القانون وجد من يدافع عن انتهاكه لاسباب مصلحية, كل ذلك يوقع المشرع في معضلة هل يسن القانون ليخترق, ام ان المصالح العامة هي التي يجب ان تتفوق على ما عداها من المصالح الجزئية, يقول البعض مدافعا عن الانتخابات الفرعية بانها تشبه التصفيات التي يخوضها المرشحون في السباق الانتخابي الامريكي مثلا, والمقارنة ليست صحيحة, فهناك تنافس في عرض البرامج واقناع ناخبي الحزب. والمثال الآخر في بلد مثل بريطانيا, فالهيئة الحزبية هي التي تقرر من الكويتي بحقه السياسي, لذلك فان هناك استحقاقات من المنتخب ( بكسر الخاء) على المنتخب (بفتح الخاء) يجدر مناقشتها استعدادا للتفكير باصلاح شأن البيت الكويتي. اولى الملاحظات ان هناك حقيقة ثابتة هي نزاهة الانتخابات وحريتها, فلم يبق في العالم ركن الا وسمع بالكويت مباشرة بعد ظهور النتائج, وقبل ذلك ابان الحملات الانتخابية, والنتائج التي تحققت اكبرها المعلقون والكتاب, كثير منهم عرب وبعضهم غير ذلك, فاصبح للكويت علم ديمقراطي بين الشعوب, فهي ترفع بفخر تجربة نيابية عز مثيلها بين الاقران, وتفوقت على مثيلاتها في الدقة والنزاهة والحرية, ولقد سميت بتجربة الانتخابات الاخيرة ونتائجها القرار الشجاع والحضاري الذي اتخذه امير الكويت بان تشارك المرأة الكويتية في الانتخابات المقبلة, وكانت نقلة حضارية تناقلتها الكثير من الاقلام ووسائل الاعلام في العالم بكثير من الاشادة والتقدير, الامر الذي جعل الكويت تتوسط عقد الاهتمام الدولي. وبعيدا عن البهرجة الكلامية وتهنئة النفس, لابد من القول ان الانتخابات الكويتية هي علامة فارقة في بيئة سياسية مليئة ـ مع الاسف ـ بضحايا الرقابة واحادية التفكير, ولكن بعد ذلك هناك قضايا عامة طرحت في اثناء المعركة الانتخابية, وهي ليست بالقضايا التي من المحتمل ان تعاد مع كونها اساسية, يكون مرشحها في المنطقة, ومتى ما تم ذلك يجرم من يقنع مرشحا بالانسحاب, ولقد حدث ذلك في الانتخابات الاخيرة, فقد اتهم اول مسلم يفوز في الانتخابات وهو محمد سروار بأنه دفع مبلغا من المال لمنافسه للانسحاب من سباق الانتخابات, فطرد من حزبه وقدم للمحاكمة, على اساس انه حرم الناخبين من الاختيار الحر لمن يمثلهم. الانتخابات الفرعية في الكويت ستسبب معضلة اكبر في المستقبل عندما ينمو وعي الناس, وقد يفسرها البعض انها غير دستورية لانها تحرم المواطن العادي من حق التساوي في الحقوق, وتصادر عليه فرصة يحققها غيره دون وجه حق. القضية الثانية هي ما اسميه تمويل الحملة الانتخابية, وقد وجدنا ان تكاليف الحملات الانتخابية لم تعد قليلة, ولقد تدخل فيها اشكال الدعاية المختلفة, وباهظة التكاليف, منها الاعلان في الشوارع, ومنها الاعلان في الصحف, فقد حفلت صحف الكويت في الشهرين الماضيين بمجموعة من الاعلانات عن اشخاص المرشحين لم تعد فيها المادة التحريرية ظاهرة, عدا مصاريف اخرى غير ظاهرة منها الولائم, وعندما نربط هذا بما قيل ان هناك ايضا بيعا للضمائر, فهناك من يشتري ويبيع ايضا صوته أو اصواته, تتعقد المشكلة اكثر, وهناك دائما في التجارب الاخرى سقف لقدر المال الذي يصرف في مثل هذه الامور, وايضا بيان بمصدر هذا المال بالتفصيل, وان استمر الامر على ما هو عليه, فان الغلبة في النهاية ستكون لمصلحة صاحب المال, أو القادر على تمويل حملته من مصادر, وفي هذا المعنى فان من يدفع يريد ان تعود عليه فائدة ما مما استثمر فيه. القضية الاخرى في التفكير في المستقبل هي شكل الدوائر الانتخابية, كانت الكويت عشر دوائر, فاصبحت خمسا وعشرين دائرة, ودار حديث في المجلس الماضي لجعل الكويت دائرة واحدة, وكان لذلك ايجابيات وربما سلبيات, ولكن المؤكد ان البعض شعر بقوة ان الدوائر الحالية لا تحقق الانسجام الاجتماعي والسياسي الذي تتوخاه بلد صغير مثل الكويت, ففي مثل هذه الدوائر الصغيرة يجبر النائب على اتخاذ بعض المواقف لخدمة افراد والتي قد لا تكون منسجمة مع المصالح العامة, لذا, فان معظم النواب في مثل هذا الافراز يشعرون بالحرج, بل ان بعضهم يخضع لمطالب جهوية اكثر من نظرته للخدمة العامة. على الرغم من الحديث عن مجلس قوي, فان المجالس في السابق كانت تبدأ قوية أو هكذا ينظر الناس اليها في البداية, ثم تصبح متوسطة الاداء بعد فترة, ثم تسمع نغمة (هذا اسوأ مجلس مر على الكويت) تلك هي طبيعة الاشياء, وهكذا هي الاهواء المتقلبة, وربما ان السبب هو وجود اجندة خاصة لكل ناخب, ولا توجد اجندة عامة ومشتركة لفئة كبيرة من النواب, فغالبا ما يتفرق الجمع وتتعدد الرؤى بعد فترة قصيرة من عمل المجلس, لذا, فان المطلوب مجموعة حكماء لوضع الاولويات للعمل البرلماني, بدلا من تركه لما تأتي به المقادير, وان استمر الامر كما هو, فان الاسهل هو رجم الزملاء في الحكومة بالتقصير, وعدم الرضا حتى من افضل من يقوم بواجبه. التشريع هو ماكينة المجتمع, وهو احدى الوسائل الفاعلة لتنظيم الحياة السياسية, التشريع اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا, ومعظم القوانين الكويتية صدرت منذ سنوات بعيدة, ومثالها قانون الصحافة الذي صدر حتى قبل صدور الدستور, المجتمعات التي تتبنى العمل الديمقراطي تنظر إلى التشريع كأداة فاعلة لتسيير المجتمع وتطويره. لعل احدى القضايا المهمة في المستقبل السياسي للكويت هي الخروج من التقوقع الداخلي, فقد مدت الكويت يدها لبعض البلدان العربية, ان تستعيد الكويت دورها العربي, لابد من مناقشة الانعزاليين الذين يتبعون القول الفرنسي, الذي يقول لا يقبلك الفرنسيون اذا انت تكلمت بالفرنسية فقط, ولكن ايضا عليك التحدث بالانجليزية بلكنة فرنسية, علينا ان نقرر ان يتحدث الاخرون بلغتنا, اي يتفهموا مواقفنا, اما اللغات الاخرى فعليهم ان يتكلموها كما يشتهون.