كنت دائم الاعتقاد ان انسان الامارات يملك قدرة هائلة على التسامح الانساني.. وكنت اعتقد ايضا اننا بلد تجاوز مرحلة رفض الآخرين, وذلك بحكم تاريخية آبائنا واجدادنا وروحنا وقلوبنا المفتوحة تاريخيا وانسانيا . فنحن شعب عرف عنه الضيافة وحسن استقبال الآخر, كيفما كان الآخر, وبفعل هذه الخصائص الانسانية والانسانية جدا, امكن لمجتمع الامارات ان يصل الى الى ما وصل اليه.. لان كل الذين قصدوا دولة الامارات وجدوا هذا الامان الاجتماعي وهذا الاحتضان الانساني, وحتى اولئك الذين قصدوا الامارات في خلفية انهم سياح لا اكثر شعروا بهذا وان كانت اليوم لدولة الامارات ولابنائها هذه السمعة المتميزة عالميا, فالفضل لهذا الانطباع الذي ساد عن هذه القطعة من هذا العالم الكبير.. ولشىء آخر خلفه الاجداد اولئك الذين اكل البحر اغلب اعمارهم.. هذا ان لم يختصر حياتهم اصلا. إلا ان هذا الامان, وهذه السمعة, وهذا التألق المتواصل لهذا البلد الطيب.. هناك من يريد له ان يصطدم بحتمية الانقضاء او التراجع او حتى الانطفاء وهؤلاء ادركوا ذلك ام لم يدركوه.. فالاصوات التي تتحدث اليوم عن التوازن السكاني فيما يبدو لي, هي اصوات تتحدث مرتاحة مطمئنة الى وطن اصبح والحمد لله مملوءاً بالابراج والمباني والطرقات الممتدة والاضواء الكاشفة.. متناسية جهودا انسانية عملاقة اعطت وديانا من العرق في سبيل التوصل الى هذا الوضع. نحن لا ندعو الى توفير شروط اخرى غير التي هي موجودة ونعتقد صدقا ان الاجراءات القانونية الموجودة حاليا كافية وكفيلة بتأمين الذات الاماراتية, ومن بعدها النسبة السكانية, من اي خطر للاهتزاز او للاختراق بأية صورة من الصور. لذلك فالتصور الذي يقدمه سعادة اللواء ضاحي خلفان في نقاطه وحديثه عن ابواب الامن الثمانية.. فيه كثير من المغالاة والمبالغة, هذا اذا لم اقل الاساءة, وكثير من التجاوز لقيم عرفت عنا وعرفنا بها, بل انى اعجب للحديث الذي يعلن صراحة التمييز بين مواطن الخليج ومواطن بقية الوطن العربي, وحتى مواطن بقية العالم.. فاذا كانت سرعة التحولات الاقتصادية التي تعرفها دولة الامارات, كأولى الدول العربية والاكثر مصداقية اقتصاديا, وهذا المستوى العالمي.. فهذا النماء يستدعى حتما تواجد كفاءات تقنية وفنية وايضا ادارية وحتى عمالية بسيطة. عصر العولمة ولحسن الحظ ايضا.. ان العمالة الوافدة الى الخليج العربي, هي من اقل العمالات العالمية كلفة, مقارنة بضمانات وشروط العمل وكذا امتيازات الهجرة في بقية العالم.. هذا علما انه اذا كنا نسعى عمليا الى تأسيس ركائز دولة حديثة, ونماء وفق المقاييس لان ما تحقق ليس خلودا فالوصول الى القمة امر ممكن ولكن الامر المستحيل هو المحافظة عليه, فلابد من اعتماد الكفاءة المنتجة وذلك بصرف النظر عن لون وجنس وعرق هذه الكفاءة ولان مفاهيم النظرية الآرية العرقية كما طرحها الالمان لم يعد لها وجود وحتى الالمان اليوم دخلوا السباق واعطوا ـ احتفالا بفوز المستشار الحالي ـ الجنسية الالمانية لنصف مليون تركي, على الرغم من كل ما يحظى به الاتراك من امتيازات معاملة في المانيا. فالدعوة الى تنظيم الهجرة لا اعتقد وجود مجال للاختلاف حولها.. ولكن ان ندفع وبدعوى هذا التنظيم برؤانا الى التأخر والتخلف عن قاطرة المفاهيم الانسانية السائدة في العالم اليوم, فاعتقادي ان في ذلك اساءة الى اشخاصنا حتى وان اردنا الاحسان الى انفسنا والى بلدنا.. فلماذا الاقتصار على فترة السنوات الثلاث للعمالة الوافدة؟ لماذا الارغام على المغادرة؟ لأي هدف ولأي حكمة يطرح هذا التصور؟ وادعو الى تخيل الوضعية عكسيا.. لو خضع ابناء الامارات في اي بلد ما الى هذه المعاملة, كيف سيكون الامر حينها؟ حتما هو الاستياء.. ولو ان وضع الامارات اليوم يوفر اسباب الحماية الكافية لابنائه والحمد لله, سمعة ومعاملة فإنه يصعب علينا قبول هذه الاصوات ونحن من اعتقد دائما اننا وضعنا خطوة رائدة في مسار بناء مجتمع حداثي, بما نملك من رصيد القدرة على التعايش مع تعدد الاجناس وحتى الالوان. فالعالم اليوم ضاق وتجاوز حتى مفهوم (القرية الصغيرة) لان القول بأن العالم اليوم اصبح قرية صغيرة مقولة دخلت التاريخ واصبحت حكما كلاسيكيا والاصح هو ان العالم اصبح صالون بيت صغير.. فالعولمة الآن, لم تعد فكرة فنتازية ولا مصطلحا للتشدق اليومي, بقدر ما هي ممارسة وسلوك في اطار مرجعيات تحتكم اليها الممارسة الانسانية وآليات التفكير البشري.. لذلك ما نطرحه اليوم اعتقد انه يعيدنا اميالا الى الوراء, بعد ان اجمع العالم اننا استطعنا ان نقطع اميالا الى الامام.. ولا اقدر اطلاقا ان (اللواء ضاحي خلفان) او غيره من ابناء وطني يرضى لنا هذا التراجع. هذا التراجع يمكن ان نذهب اليه من حيث لا نرغب, عندما ندعو الى جعل عطلة الامومة سنتين.. وهذ الوضع امر مخالف لكافة شرائع الدنيا, لان المتعارف عليه عالميا ان هذه العطلة لا تتجاوز الـ 4 أشهر فكيف يمكن ان تتحول الى سنتين؟ ان المرأة لا يجب ان ننظر الى عملها من زاوية الديكور الاجتماعي والمكاني.. بالقدر التي هي طاقة اقتصادية منتجة وواجب استغلالها, لان شلل نصف المجتمع سيمتد حتما الى شلل النصف الآخر بصورة ما.. ثم كيف لاي مؤسسة حكومية او خاصة ان تتحمل اعباء غياب احدى عاملاتها مدة عامين كاملين؟ وطبيعي ان هذا الغياب لابد ان يصحبه ضمان سيولة الراتب الشهري كاملا.. كم سيكلف الامر بهذه الصورة المؤسسات الاقتصادية وكيف سيكون اثره على الاقتصاد الوطني؟ وهذا بلغة الارقام لو نظرنا الى عدد العاملات في البلد. ثم سؤال آخر: هل هذا الحق ـ الامتياز ـ سوف يكون مقصورا فقط على العاملة المواطنة أم سيصل ايضا العاملة الوافدة؟ خاصة وان دعوة سعادة اللواء هذه صاحبتها دعوة موازية الى ضرورة تعدد الانجاب, ورفع مكافأة الانجاب الى مبلغ الألف درهم .. في هذه الحالة كم ستعمل أم الخمسة أطفال؟ منطقيا سيكون لها الحق المضمون والمكفول قانونيا بعشر سنوات راحة زيادة على الحق في العطلة السنوية مع سنوات التكوين الجامعي والتأهيل المهني, لنكشف اخيرا ان هذه المرأة التي أردنا لها عملا مرت مرور الكرام على مؤسسة عملها .. وخدعناها بقولنا أنها حسناء .. أخرجناها من البيت بيد وأعدناها باليد الثانية وبطريقة أذكى .. فاذا كان ولابد من التفكير في المرأة المربية, فهذا يتطلب سياسة بديلة .. كاعتماد كفالة النساء في البيوت, وهذا طبعا لا يمكن أن يحصل الا داخل نظام ضمان اجتماعي كامل ومتكامل. منطق الترحيل وما أغرب, بعد كل هذا وفي الشق الاجتماعي, أن تطرح دعوة الترحيل للأبناء بعد سن الثامنة عشرة .. والسؤال: في اي اتجاه .. أمام آباء قضوا الأعمار الكاملة فوق هذه الأرض الطيبة؟ ثم ايضا .. هؤلاء المرحلون ولدوا فوق هذه الأرض وقضوا طفولتهم هنا .. ودرسوا بمدارس الدولة وأصبحوا جزءا من المكان وأصبح المكان جزءا لايمكن لا فصله ولا حله من ذاكرتهم الشخصية والجماعية؟ فعندما يرحلون هناك شرخ اجتماعي هائل سيحدث حتما .. فالآباء يبقون لانهم طاقة معطاءة ومنتجة أما الأبناء فلا ندري أي السبل يمكن أن يسلكون بهذا المنطق. ثم الدعوة الى ترحيل كل من يتورط في متابعة جنائية .. فأعتقد ان هذه دعوة الى التخلص من الصفة الانسانية الطبيعية والاقتراب بالانسان الى حال (العصمة) فالخطأ له دوائره ومؤسساته التي تتابعه وهذا أمر تقدره سلطات القضاء والمحاكم بالدرجة الأولى .. الا ان الحكم بهذه الخلفية لأن أحكاما تحقيقية صدرت لصالح وافدين .. أمر استغرب ان يصدر من رجل قانون ورجل دولة مثل اللواء ضاحي خلفان اللهم الا اذا كان حكمه واقتناعه الشخصي ان هذا الوافد الى دولة الامارات لا يستحق ان يعامل على انه انسان, بل ويجب ان يعامل خارج الأطر الانسانية .. وهو أمر لا أتصور اطلاقا ان يكون من قناعات سعادة اللواء .. عندما نكتب هذه القناعات.. لا نكتبها من زاوية الاختلاف فقط, بل لاعتقادنا صادقين, انه حان الوقت ان نفكر داخل اطار قيم عالمية وانسانية تحكم المعاملات الانسانية اليوم .. فالعالم تغير كثيرا ومن لم يتغير حتما سيتأخر عن حركة التاريخ, ولايمكن أن نرضى لحالنا أبداً أن نظل نحن أبناء الامارات بعد ما أنعم الله به علينا, خارج دورة التاريخ في خضم عالم يتحرك بسرعة الضوء والريح .. فأخوف ما نخاف منه وعليه, أن تنسينا لحظة الانتصار هذه قيمنا النبيلة, كانسان يمتد حضاريا وتاريخيا في المكان ويحاول أن يدرك حركة العالم .. ولو بعد حين. * كاتب من الامارات