ليس صدفة ان يتبادل الرئيس السوري حافظ الاسد ورئيس الحكومة الاسرائيلية باراك عبارات التقدير والرغبة المتبادلة لاحلال السلام في توقيت متزامن , وليس صدفة كذلك ان تتبخر الاماني والرهانات العربية باستعادة مسيرة السلام على يد باراك, ولم يمارس مسؤوليات الحكم, بينما سلفه بنيامين نتانياهو يسرع من وتيرة بناء المستوطنات وقصف الجنوب اللبناني بالصواريخ ليل نهار وتدمير البنية التحتية قبل انزياحه عن السلطة بأيام معدودة الامر الذي يثير العجب والشكوك ازاء ما يتردد مؤخرا عن مباحثات واتفاقات سرية وراء الكواليس بين اسرائيل وسوريا من جهة وبين حزب الله واسرائيل من جهة, وكأن القصف والدمار جزء لا يتجزأ من سيناريو التسوية المرتقبة, واشبه بالتمهيد النيراني الذي تفتتح به الجيوش معاركها البرية, فأين يكمن الصواب والخطأ في هذا الظن والتحليل؟ من هنا يتعين لسبر أغوار ترتيبات التسوية, مراجعة عدد من الوقائع المتلاحقة لصراع الارادات التي شهدها المسار السوري اللبناني في الاونة الاخيرة, بداية برفض لبنان العرض الاسرائيلي بالانسحاب من الشريط المحتل في جنوب لبنان, مقابل ضمان امن المستوطنات في شمال اسرائيل, الامر الذي يؤكد مصداقية وفعالية المقاومة اللبنانية بزعامة حزب الله كمصدر اساسي للضغط على اسرائيل, وورقة تفاوضية هامة في يد لبنان وسوريا. وبينما اعلن حزب الله ان قصفه للمستوطنات بصواريخ الكاتيوشا, جاء رد فعل لخرق اسرائيل تفاهم ابريل 1996 الذي يجرم العدوان على المدنيين في كلا الجانبين, كان اعتراف اسرائيل في المقابل بعجزها عن قمع حزب الله, واتقاء عملياته العسكرية, مما يفرض ضرورات انسحابها سريعا من المستنقع اللبناني, خاصة وقد اصبح مطلبا رسميا وشعبيا لا بديل عنه, الى حد شعارات الاحباط التي تروج لها الصحف الاسرائيلية تعبيرا عن فداحة خسائر المواجهة مع حزب الله, (ابناؤنا يذبحون كالبط في المطابخ) ! وكانت اسرائيل قد احتلت قرية (ارنون) في شمال لبنان وحررها الشباب اللبناني, ثم عادت الى احتلالها من جديد وفق اسلوبها المعهود الذي يتراوح بين استعراض العضلات, واطلاق بالونات الاختبار, واللعب على اوتار الاستقرار الغائب المنشود في لبنان, كمقوم لاعادة البناء واستثمار امكاناته السياحية, لكن الحكومة اللبنانية ظلت صامدة على عزمها بشرعية المقاومة, وتمسكها بوجود المسارين اللبناني والسوري, ومن ثم كان على اسرائيل مراجعة موقفها من احتلال الشريط الحدودي في لبنان, على خلاف قرار مجلس الامن رقم ,425 عبر تفكيك جيش العماد ميشيل عون العميل, وانسحابه من قرية (جزين) يجر اذيال الفشل والانكسار الى داخل اسرائيل, لكن الرئيس اللبناني العماد اميل لحود الذي قام بزيارة جزين لرفع الروح المعنوية للأهالي, واعلن عن محاكمات عادلة لكل من يسلم نفسه من المتعاونين مع اسرائيل, ورفض في نفس الوقت دخول الجيش الى القرية في الوقت الراهن, تحسبا لتطويقه وارتهانه عبر عملية اجتياح عسكري من قبل اسرائيل, وقال ان تحقيق السلام العادل والشامل وحده الذي يؤمن انسحاب اسرائيل من الجنوب اللبناني والبقاع الغربي والجولان ويضمن حتى العودة للاجئين الفلسطينيين. ورغم ان باراك اعلن في خضم معركة الانتخابات الاسرائيلية عزمه على الانسحاب من لبنان خلال فترة لا تتجاوز العام, بما يعني ان امكانية الوفاء بوعده مستحيلة ان لم يتوصل مع لبنان وسوريا الى صيغ مرضية للتسوية, الا انه سمح لنتانياهو بمواصلة نهجه القمعي ضد لبنان, فكان تصعيده للعدوان عبر تدمير البنية التحتية لمحطات الكهرباء والجسور على مشارف بيروت حيث بلغت الخسائر خمسين مليون دولار فضلا عن الخسائر البشرية وضرب الموسم السياحي, فهل من المعقول ان يقدم نتانياهو على هذا التصعيد من دون علم وموافقة باراك, ثم ماذا تعني دعوة باراك سكان المستوطنات والجيش الاسرائيلي الى الصمود ـ على حد قوله ـ (كي يمنحوا لنا القوة لاجراء مفاوضات تفضي الى سحب الجيش من لبنان تدريجيا خلال العام الاول من عمل الحكومة الجديدة) ! عن اي مفاوضات اذن يتحدث باراك, واي الاولويات في اجندة هذا المفاوضات ان لم تكن على حساب تفاهم ابريل, خاصة بعد انسحاب اسرائيل من لجنة المراقبة الدولية, كمقدمة لتحجيم ونزع سلاح المقاومة اللبنانية بزعامة حزب الله, مادام الثمن الذي تطالب به اسرائيل ضمان انسحابها من لبنان, وتأمين المستوطنات الشمالية من قصف الكاتيوشا. فهل ينجح باراك عبر سلفه نتانياهو في الزام لبنان ومن ورائه سوريا بالخيار المحترم, بين وقف حزب الله عند حده وبين مواصلة عمليات القصف والدمار, وكلفته الباهظة؟! يبدو ان هذا الخيار يفرض نفسه على الواقع الان على الاقل, الى حين رد فعل وعمل مضاد من قبل الدولتين, لن يتجاوز في كل الاحوال حث امريكا وفرنسا على اقناع اسرائيل باحياء عملية السلام عبر التفاوض بكل معاناته وامتداداته الزمنية في ضوء اساليب المراوغة والتعنت الاسرائيلي المعروفة! وبينما يجمع المراقبون على ان فرص التسوية على المسار السوري اللبناني الآن ربما افضل مما كانت عليه في اي وقت مضى منذ رحيل رئيس الحكومة الاسرائيلية الاسبق اسحاق رابين, بدعوى ان الرئيس الاسد وباراك يجمع بينهما الرغبة في التسوية وكلاهما على اهمية الاستعداد للتفاوض, كما وان الرئيس بيل كلينتون عازم على انجاز السلام في الشرق الاوسط تتويجا لفترة ولايته.. او على الاقل تحريك عملية السلام ووضع الاطراف المعنية امام مسؤولياتها, لكن يظل الحديث الذي يتردد حول مفاوضات سرية بين الجانبين وبين اسرائيل مجرد كلام مرسل لاتؤكده معلومات موثقة او تصريحات رسمية, وانما مجرد التشكيك في صلابة الرئيس الاسد وحنكته في ادارة الصراع, ومحاولة ضم التحالف الاستراتيجي بين سوريا وبين لبنان وايران, لكن علينا ــ في نفس الوقت ــ مراجعة وتدبر مقولة ميترنيخ وزير خارجية النمسا اثر هزيمة نابليون (انك لاتستطيع ان تحصل على مائدة المفاوضات ابعد مما يصل اليه مرمى مدافعك) وحين نتلفت حولنا, لانجد للاسف سوى مظاهر تفكك ضاربة باطنابها على كل صعيد عربي, حتى مجرد عقد قمة عربية لدعم المفاوض السوري واللبناني والفلسطيني ولو بعبارات التشجيع والمؤازة تمر بمخاض ولادة متعسرة, والجميع قابع في مقصوره المتفرجين على حزب الله الذي يحمل على كاهله وحده عبء المقاومة, بينما تراكم تجاربنا وخبراتنا على مدى نصف قرن من الصراع الدامي مع اسرائيل, يؤكد على ان التحرير والخلاص معقود على معادلة الزعيم الخالد جمال عبدالناصر (ما اخذ بالقوة لايسترد بغير القوة) و.. دونها قبض الريح!