لفت نظري مشروع اسرائيلي بحثي يتشارك في القيام به عشرات من الباحثين الاسرائيليين متعددي الاختصاصات, تتناول خلاصته (صورة اسرائيل في المستقبل) وهو في هذا لا يتناول الموضوعات السياسية والديمغرافية والاقتصادية, ولا يقتصر على الموضوعات الأمنية والعسكرية , بل يشمل اضافة إلى ما سبق قضايا الفكر والثقافة, والعلوم في شتى اختصاصاتها من علوم التكنولوجيا إلى البيئة والطب والهندسة, باختصار شديد هو محاولة لرؤية مستقبل اسرائيل في نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين المقبل. وهذا الجهد الاسرائيلي باتجاه المستقبل ليس خطوة أولى, وان يكن من الخطوات الأهم باتجاه رؤية مستقبل اسرائيل. إذ سبق لاسرائيل من خلال مؤسسات بحثية تنتظم في جامعات ومعاهد وهيئات تتراوح في تبعيتها ما بين القطاع الحكومي والقطاع الحزبي والهستدروني وصولا إلى القطاع الخاص, ويبلغ العدد التقريبي المعروف لهذه المؤسسات نحو أربعين مؤسسة, باستثناء تلك المؤسسات التي توصف بأنها شديدة التخصص وتحاط بسرية شديدة لاعتبارات أمنية - استراتيجية. وكان في سياق الخطوات الاسرائيلية نحو المستقبل دراسات وأبحاث اسرائيلية, رصدت أفق تطور الصراع العربي - الاسرائيلي, والقضية الفلسطينة, قبل أن تبدأ عملية التسوية السياسية بعد مؤتمر مدريد عام 1991 بوقت, وكانت تلك الدراسات قد تحدثت عن عملية السلام وعن الدولة الفلسطينية, وعن آفاق العلاقات الاسرائيلية - العربية في اتجاهاتها السياسية والاقتصادية, التي نشهد بعضا من ملامحها ونتابع البعض من تفاصيلها. ولم تكن تلك الدراسات والأبحاث الاسرائيلية المستقبلية معتمدة على تقديرات وآراء بمقدار ما كانت تتعامل مع وقائع وأرقام مدروسة ومدققة, بل ويمكن القول انها مقارنة, وذلك في خطوة اسرائيلية, تحاول جهدها ألا تقع في خطأ النتائج المترتبة على تحليل الوقائع والأرقام وصولا إلى صورة المستقبل, الذي وان لم يستطع الاسرائيليون أن يروه واضحا وحقيقيا بصورة دائمة, الا انهم رصدوا ملامحه, وحددوا أفقه في أكثر من جانب في دراساتهم وأبحاثهم المستقبلية وبخاصة فيما يتعلق بكيانهم وأفق تطوره. وإذا كانت الدراسات والأبحاث المستقبلية السابقة, قد تناولت جانبا واحدا, أو عدة جوانب معينة من الحياة الاسرائيلية, الأمر الذي اقتضى اشتغال اعداد محددة من الباحثين والعلماء في هذه الدراسات, فإن المشروع الجديد في موضوع (صورة اسرائيل في المستقبل) يبدو جهدا مختلفا, بفعل شموليته مختلف الموضوعات والجوانب, مما يعني ان أفواجا من العلماء والباحثين ورجال السياسة والجيش وأفواجا من المساعدين لهم, سيكونون في قائمة المشتغلين بالبحث من جمع المعطيات والأرقام إلى تحليلها, ثم في تقدير النتائج المحتملة, والتي ستناقش لاحقا في اطار العلاقات المتبادلة في مختلف الموضوعات, ضمن رؤية شمولية عامة. والمشروع المستقبلي الاسرائيلي - كما المشاريع السابقة المتتالية - يدفع إلى تساؤل عن الحال العربي في رؤيته وفي تعامله مع المستقبل, ومع الدراسات المستقبلية. ورغم انه من الصعب القول بوجود حال عربي في المستقبل أبعد مما ترسمه مؤسسات عربية متواضعة الامكانيات والقدرات, ومحدودة الأفق والاختصاص, والمعني بها مؤسسات جامعة الدول العربية وبعض الهيئات العربية الموحدة, فإن الحديث الأساسي عن المستقبل يخص أحوالا عربية مستقبلية, هي بعدد الدول العربية, هذا إذا افترضنا أن لكل دولة عربية حالا مستقبلية, وهو افتراض لا تراه - وربما لا تفكر به - بعض الحكومات العربية, كما يبدو من سياساتها. وإذا تأملنا فكرة الحال المستقبلية لأغلبية الدول العربية - إن لم نقل كلها - فإنه يمكن القول ان فكرة المستقبل هي فكرة غائمة في الواقع العربي بمعناها الدقيق والعلمي والموضوعي, والسبب في هذا ان التفكير المستقبلي غائب, اضافة إلى ان المعطيات والأرقام غائبة في أغلب البلدان العربية, وحتى في حال وجود هذه المعطيات والأرقام, فإن كل الشك يحيط بها, ولعله معروف في أكثر من بلد عربي, ان هناك طرقا غير علمية وغير موضوعية في الوصول إلى المعطيات والأرقام, ذلك انها محكومة باعتبارات سياسية, وبالأدق باعتبارات (أمنية) حتى لو كانت لا تمت إلى الأمن الوطني والقومي بصلة ما. واستطرادا يمكن القول انه في موضوع المعطيات والأرقام, فإن هناك أكثر من احداثيات مختلفة, وربما متناقضة تصدر عن الدولة نفسها وعن عام معين في قطاعات محددة, وكذلك فإن هناك أرقاما ومعطيات تنشر في الاحصائيات العربية التي يجري تداولها رسميا, وهي غالبا غير حقيقية, فيما يتم تداول الأرقام والمعطيات الحقيقية بين عدد محدود من كبار المسؤولين ممهورة بعبارة (سري للغاية) أو مذيلة بجملة (محصور بالمرسل إليهم) . وبطبيعة الحال, فإن واقع المعطيات والأرقام يمنع من وجود خطط مستقبلية, وهو يمنع أيضا من رسم صور مستقبلية في أبحاث محددة تتصل بموضوعات معينة, وبديهي انه يمنع من رسم صورة المستقبل على المستوى الوطني أو القومي العربي قريبة أو بعيدة. وطالما يغيب التفكير المستقبلي بالشأن العام عند المسؤول العربي, فان الامر في هذا يجد انعكاساته على المؤسسات البحثية القليلة والضعيفة الامكانيات والقدرات والافاق والقائمة في البلدان العربية, ويمنعها هذا من الخوض في مشروعات مستقبلية للدراسة والبحث ويترك هذا الوضع اثاره السلبية حتى على النفر القليل من العلماء والباحثين الذين تعلموا في مؤسسات علمية, وتربوا على عقلية العلماء وحياتهم, والذين يأخذون شيئا فشيئا في الاتجاه نحو سلوك العدد الاكبر من (علماء وباحثين) ادركوا طبيعة المعطيات العربية وشكل تعاملها مع المستقبل, وافسدتهم طريقة بعض الحكومات العربية بالتعامل مع المستقبل, فغادروا حياة البحث والدراسة الى التخصص في متابعة الحياة اليومية بحثا عن الاسهل والاقل جهدا, والاكثر مردودية, وهكذا اكتملت حلقة البعد عن الاهتمام العام بالمستقبلات العربية في المستوىات القطرية والقومية. وواقع التناقض بين الحالة الاسرائيلية والحالة العربية في اجمال الاخيرة وفي تفاصيلها, لايقودنا الى القول ان ثمة تعميقا لما هو قائم في تفاوت المستوى بين عدوين, بل يقودنا ايضا الى القول ان هناك تدهورا متواصلا في الجانب العربي لايتعلق بالمستقبل وحده, بل بالحال الراهن اساسا.