تعمل اسرائيل لتنفيذ غاياتها وأهدافها القومية من خلال استراتيجية ذات مضامين ــ كالموسيقى تماما مقام أعلى تطلق عليه (الخطة الكبرى), ومقام أدنى تطلق عليه (مشاكل الأمن الجاري), وترسم الخطة الكبرى استراتيجية تنفذ غايات وأهداف اسرائيل العليا التي تسعى لتحقيقها طبقا لمراحلها الزمنية المخططة من قبل كل عشر سنوات, أما استراتيجية معالجة (مشاكل الأمن الجاري) فهي ترسم أسلوب التعامل لتأمين دولة اسرائيل في كيانها الحالي وما تحتله من أراض عربية, ومواجهة مشاكلها الأمنية الآنية. ــ وفي المقابل فان استراتيجية الردع تسعى لاجبار خصوم اسرائيل على الكف عن العمل (بخطتهم الكبرى) التي تستهدف القضاء على اسرائيل واستعادة كل فلسطين, وبالتالي اتباع سياسات واستراتيجيات متواضعة وأقل طموحا في تعاملهم مع اسرائيل, ذلك لان تخلي خصوم اسرائيل عن العمل (بخطتهم الكبرى) لفترة زمنية طويلة, سيؤدي تلقائيا الى اسقاطها من حساباتهم نهائيا, ولا تعدم السياسة الاسرائيلية وسائل ضغط عديدة لاجبار العرب على ذلك, بدءاً بالتلويح بالرادع العسكري والعمل به عند اللزوم, وانتهاء بالضغوط الأمريكية السياسية والاقتصادية, مروراً بتصدير الاضطرابات والمتاعب الى الجبهات الداخلية في الدول العربية, ناهيك بالطبع عن رادع الاحتكار النووي, ويعتبر إبرام الدول العربية معاهدات سلم مع اسرائيل نجاحاً لهذه الاستراتيجية الردعية. المخطط الاستراتيجي لتنفيذ (الخطة الكبرى): ــ وضع هذا المخطط لتنفيذ الغايات والأهداف القومية الاسرائيلية على المدى الطويل, وذلك عبر ثلاثة مخططات فرعية على النحو التالي: أ ــ مخطط (بلقنة المنطقة): يستهدف تكريس حالة التجزئة الحالية للوطن العربي, وتعميقها نحو مزيد من تفتيت الدول العربية الى دويلات صغيرة على أسس عرقية وطائفية ومذهبية من خلال استغلال مشاكل الاقليات المنتشرة في العالم العربي والتي تدعو الى الانفصال والاستقلال, أو الاندماج في دول أخرى مجاورة تشكل القومية (الأم) بالنسبة لبعض الأقليات وعجز بعض الحكومات العربية عن حل هذه المشاكل, هذا الى جانب استغلال الخلافات الطائفية والمذهبية, مع سعي اسرائيل الدائب الى اثارة النعرات الانفصالية, واشعال الخلافات الطائفية باستمرار (كما حدث في لبنان ابان الثمانينات), وهو ما نرى له انعكاساً فيما اثير على سبيل المثال حول احتمال تقسيم العراق الى ثلاث دويلات (كردية وشيعية وسنية), وفصل جنوب السودان عن شماله, وتقسيم لبنان الى خمس كنتونات (سنية وشيعية ودرزية وفلسطينية ومارونية) واقامة دويلة (البربر) في دول المغرب العربي بشمال أفريقيا.. الى غير ذلك من أحاديث الانفصال والتقسيم التي تثار بين حين وآخر, والتي نجد لها أساسا نظريا في مخططات مذبحة مثل (الكومنولث العبري) للزعيم الصهيوني القديم جابوتنسكي صاحب الحركة التنقيحية في الثلاثينات, ومحاولة فرنسا لاقامة أربع دويلات في سوريا بالقوة في مطلع العشرينات, ومخططات أخرى حديثة.. مثل (تفتيت قوس الأزمات) الذي ورد في كتاب بريجنسكي (بني جيلين) وكان مستشارا للأمن القومي الأمريكي في ادارة الرئيس الاسبق كارتر, ومخططات (برنارد لويس) صاحب كتاب (رهينة الخميني) و(استراتيجية اسرائيل في الثمانيات) التي وضعها (عوريد بنيون) مستشار مناحم بيجين للأمن القومي في السبعينات, وقبل ذلك مشروع (بن جوريون) لتقسيم لبنان سنة 1954. وبذلك يمكن ــ كمرحلة اولى ــ اضعاف الكيانات العربية القائمة, ثم الحاقها ــ كمرحلة ثانية ــ بدائرة الكومنولث العبري المستهدف اقامته, وما اقتراح نتانياهو الأخير عن الحاق سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني باسرائيل, بنفس النمط الذي يربط الدومينكان بالولايات المتحدة, إلا انعكاس لسير اسرائيل نحو تنفيذ هذا المخطط. ب ــ مخطط (شد الأطراف): وذلك بإقحام الدول العربية المتواجدة في أطراف الوطن العربي في نزاعات ومعارك جانبية مع دول أخرى غير عربية متواجدة في دائرة الجوار الجغرافي, وذلك بهدف جذب الدول العربية المتواجدة في أطراف الوطن العربي, ومن ورائها بالطبع دول القلب, بعيداً عن الصراع الرئيسي بين العرب واسرائيل, وبما يخفف الضغط عليها, وبحيث تدخل كل الدول العربية في دوامة من الصراعات الجانبية الطويلة تستقطب جهودها وتستنزف قواها الشاملة وتنهكها حتى لاتصبح قادرة على الاستمرار في خوض الصراع المصيري ضد اسرائيل, وقد وجدنا تطبيقا واضحا لهذا المخطط في حرب الثماني سنوات بين العراق وايران, والنزاع القائم بين سوريا وتركيا, وبين السودان واثيوبيا, وبين موريتانيا والسنغال, وأخيرا بين اليمن واريتريا. جــ ــ مخطط (تكثيف الاستيطان): ويستهدف هذا المخطط تكريس الاحتلال الاسرائيلي الحالي في الضفة الغربية وجنوب قطاع غزة والجولان, واستكمال تهويد الاراضي في هذه المناطق, وبما يخلق أمراً واقعاً يصعب تغييره في المستقبل أو حتى التفاوض بشأنه, وبحيث تشكل هذه المستوطنات منطلقا لاستيعاب مزيد من المهاجرين اليهود الجدد, وبما يخفف من وطأة المشكلة الديموجرافية التي تعاني منها اسرائيل, ويخلق حافزاً للتدخل العسكري الاسرائيلي مستقبلا ضد المناطق العربية حتى في حالة انسحاب القوات الاسرائيلية منها في اطار التفاوض حول مستقبل الاراضي المحتلة (كما هو الوضع حاليا في مدينة الخليل حيث تشكل المستوطنة الصغيرة داخل المدينة مبرراً للتدخل العسكري الاسرائيلي في المدينة بزعم حماية المستوطنين), ويرتبط بمخطط الاستيطان المكثف, مخطط آخر يطلق عليه (الترانسفير) والذي يستفيد من المستوطنين في إزعاج السكان العرب وحثهم بمختلف وسائل الترغيب والترهيب على ترك اراضيهم, وبما يؤدي الى ضمها الى ارض اسرائيل. ــ كما تستهدف (الخطة الكبرى) تحقيق التوازن السكاني في جميع اراضي اسرائيل, وذلك باعادة توزيع السكان فيها عرضيا وطوليا في كل ارضها وبما لا يسمح بوجود فراغات سكانية كبيرة مثل النقب, وذلك على حساب وجود تجمعات سكانية كثيفة في مناطق أخرى تشكل أهدافا هامة لصواريخ وقاذفات الخصوم المحملة بأسلحة الدمار الشامل الكيميائية والبيولوجية, كما هو قائم في منطقة الساحل الشمالي المكتظة بالسكان والاهداف الاقتصادية الحيوية ذات القيمة الاستراتيجية لذلك تسعى هذه الخطة الى تخفيف الكثافة السكانية المتمركزة بشدة في مناطق شمال ووسط اسرائيل, ونقلهم الى جنوب اسرائيل ومنطقة النقب, وبما يحقق في ذات الوقت افضل استثمار انمائي للموارد الطبيعية غير المستغلة في النقب والجليل, ويساعد كذلك على تحويل اقتصاد اسرائيل الموجه حاليا الى اقتصاد السوق, وبناء بيئة اقتصادية منتجة تقلل الى حد كبير من الاعتماد على المساعدات الخارجية, خاصة بعد استثمار موارد المياه العربية التي تسعى اسرائيل للحصول على نصيب وافر منها في اطار المفاوضات متعددة الاطراف, وبما يمكنها في النهاية من استصلاح وزراعة آلاف الهكتارات الصحراوية. معالجة مشاكل الامن الجاري تعالج اسرائيل مشاكل امنها الجاري فيما يتعلق بعلاقاتها مع الدول العربية والسلطة الفلسطينية من خلال ما تطلق عليه استراتيجية (العشر لاءات), تتقيد بتنفيذها على مستوى كل من السياسة الخارجية والسياسة الدفاعية, وبما يعكس ثوابت السياسة الامنية لاسرائيل وتتمثل في الاتى: لا لاقامة دولة فلسطينية مستقلة تماما, لا لمناقشة قضية القدس, لا لايقاف عمليات الاستيطان, لا لانسحاب كامل من الجولان والضفة وغزة او التخلي عن الحزام الامنى في لبنان دون ترتيبات أمنية, لا لعودة اللاجئين الفلسطينيين, لا لتحالف استراتيجي عربي يضم كل او بعض دول المواجهة والعمق العربي, لا لامتلاك اي دولة عربية لسلاح او برنامج نووي, لا لاي خلل في الميزان العسكري القائم حاليا بين العرب واسرائيل لغير صالح الاخيرة, لا لحرمان اسرائيل من مطالبها المائية في الانهار العربية, لا لضغوط امريكية على اسرائيل لقبول ما يتعارض مع متطلبات امنها واهدافها. اهمية التطور التكنولوجي في الاستراتيجية الاسرائيلية يقول شيمون بيريز في كتابه لا لشرق اوسط جديد: (ان كل من يتكلم عن الامن بمفهوم الكيلومترات والمطالب الجغرافية فقط ــ رغم كونها اعتبارات هامة في حد ذاتها ــ فإنه لايفهم ان الجغرافيا ستعتبر في المستقبل امرا ثانويا مقارنة باهمية التطور التكنولوجي في القرن المقبل, ذلك لان نجاح اية دولة في المنطقة مستقبلا في تحقيق اختراق تكنولوجي حاسم في ميادين التنمية بشقيها الانتاجي والخدماتي, خاصة في ميدان التصنيع الحربي, سيشكل تحديا خطيرا لباقي دول المنطقة لاسيما في الصعيد الامني واعتقد ان اسرائيل تستطيع ان تواجه هذا التحدي وتفوز فيه اذا ما نجحت في ان تتحول الى مركز متقدم ثقافي وعلمي وتكنولوجي تستمد منه باقي دول المنطقة احتياجاتها العلمية والتكنولوجية وذلك من غير الاعلان عنه, وبهذا يمكنها ان تقدم مساهمة كبيرة لنفسها والى البلدان الاخرى, وتحقق في ذات الوقت الانطلاقة التي تنشدها اقليميا وعالميا. يعكس هذا القول لشيمون بيريز ــ احد صناع القرار الاسرائيلي المهمين حتى منتصف التسعينات ومن مؤسسي مجمع الصناعات الحربية في اسرائيل ــ اهتمام النخبة الحاكمة في اسرائيل بالتطور التكنولوجي, وضرورة احراز التفوق المطلق على الدول العربية في هذا المجال, باعتباره ميدان التنافس المستقبلي على الساحة العالمية كلها وليس الاقليمية فقط, لذلك صاغت اسرائيل هدفها التكنولوجي في القرن المقبل على النحو الذي سبق الاشارة اليه, وخصصت لتحقيقه الموارد المالية والبشرية والمخابراتية اللازمة لكي تحصل على جميع اسرار التكنولوجيا المتاحة في العالم شرقه وغربه, بل والمنتظر ان تتاح مستقبلا والجاري بشأنها حاليا اعمال بحوث وتطوير في المراكز والمؤسسات المعنية بذلك خاصة في الولايات المتحدة, كما وضعت الخطط الاستراتيجية التي تكفل تعبئة الطاقات البشرية واعدادها بما يمكنها من خوض هذا الميدان بتبعاته ومجالات العلوم والتكنولوجيا, وتدعيم جهود البحث والتطوير في مؤسسات التعليم العالي بالجامعات والمعاهد العلمية والمصانع وشركات القطاع العام ومؤسسات القطاع الخاص, الى جانب خطط تطوير مناهج واساليب التعليم في جميع مراحله وحتى بعد انتهاء التعليم الجامعي ليواكب الطفرة المطلوبة في التفوق التكنولوجي. ومن مظاهر الاهتمام الذي توليه اسرائيل في هذا المجال بجانب تطبيق احدث ما انتجته التكنولوجيا عالميا في ميدان الصناعة الحربية التصدي للنتائج المتوقعة من التطور التكنولوجيا في المستقبل.. مثل تقليص الحاجة الى القوى البشرية في المهن كثيفة العمل مثل الزراعة, وتحديد متوسط العمر المتوقع, وزيادة ساعات الفراغ, واستخدام الانسان الآلي في مهام عسكرية ومدنية.. الى غير ذلك من التأثيرات المتوقع حدوثها في القرن المقبل نتيجة التقدم التكنولوجيا السريع. تطور ركائز نظرية الامن الاسرائيلية انطلاقا من المفاهيم التي تواجهها اسرائيل وضع مخططو الاستراتيجية والسياسة الدفاعية نظرية امنية تعتمد على الجيش باعتباره المرتكز الاساسي لحماية امن اسرائيل, ووضعوا له عقيدة قتالية ونظرية حرب تنسجم مع القيود الجيولوليتيكية التي تعاني منها اسرائيل وطبيعة التهديدات التي تواجهها وكانت ابرز ركائز هذه العقيدة التي اطلق عليها الكثيرون (نظرية الامن) ــ والتي تم تطبيقها بدقة منذ نشأة اسرائيل وحتى اوائل التسعينات خاصة في الحروب التي خاضتها ــ ضرورة تمتع الجيش بتفوق نوعي على الجيوش العربية في انظمة التسليح والتنظيم والتدريب واساليب الاستخدام القتالي للقوات وانظمة القيادة والسيطرة والمخابرات بجانب الروح المعنوية وبما يعوض النقص الذي يعانيه في القوة البشرية كذلك اتباع اساليب الحرب القصيرة الحاسمة بالنظر لصعوبة استمرار التعبئة لفترات طويلة لما لذلك من تأثيرات سلبية اقتصادية واجتماعية, والاعتماد على حجم محدود من القوات العاملة دائمة الخدمة في مقابل حجم اكبر من قوات الاحتياط جيدي التدريب ولهم نظام تعبئة متطور يكفل سرعة استدعائهم في الوقت المناسب, هذا بالاضافة لاتباع اساليب استخدام قتالي تحقق اختراقاً سريعاً لدفاعات واراضي الخصم والوصول الى عمقه, وذلك بالاعتماد على أنظمة تسليح هجومية (ثنائي الطائرة والدبابة) ووفقا لاساليب الاقتراب غير المباشر والعمل من خطوط داخلية (نظرية نقل الحرب من اتجاه لاخر طبقا لاسبقية التهديد). ومن اجل تعويض الافتقار الى العمق الاستراتيجي الناتج عن صغر المساحة اهتمت اسرائيل بخلق عمق صناعي من خلال شبكة المستعمرات والمستوطنات التي اقامتها على حدودها وداخلها وفي الاراضي العربية المحتلة باعتبارها خط الدفاع الاخير لها الا ان ذلك لم يلغ الاحساس بالخطر من احتمالات ان تصل نيران الحرب الى الاهداف الحيوية ذات القيمة الاستراتيجية في العمق وأبرزها التجمعات السكانية لذلك لجأت الى تنبي مفهوم هجومي ينقل الحرب الى ارض الخصم من بدايتها وعند الانذار بالخطر من خلال الضربات الوقائية والاستباقية والتي تنقل الدفاع الى حدود بعيدة آمنة في اراضى الخصم ترتكز على موانع طبيعية وصناعية يمكن التمسك بها والدفاع عنها بسهولة ولكي تنجح اسرائيل في تنفيذ هذه الاستراتيجية ذات الابعاد التعرضية, اهتمت بضرورة الوثوق الى قوة دولية كبرى تدعم اسرائيل سياسيا وعسكريا واقتصاديا قبل واثناء وبعد الحرب, خاصة اذا ما خرجت نتائج العمليات العسكرية عن الحسابات التي افترضتها اسرائيل وأوشكت على الهزيمة او كانت في حاجة ماسة لكبح سياسي وعسكري لخصومها يفوق قدراتها. ولقد تم تطبيق هذه النظرية بدقة في الحروب التي خاضتها اسرائيل ضد العرب, فكانت حرب 1948 بهدف تثبيت استقلال اسرائيل في قلب فلسطين ثم حرب 1956 وقائية بهدف اجهاض عملية تطوير الجيش المصري بعد صفقة الاسلحة التشيكية لمصر عام 1955 وفتح مضايق تيران امام السفن الاسرائيلية الى خليج العقبة وميناء ايلات, كذلك حرب 1967 التي استهدفت تدمير القوات المسلحة العربية وتوسيع رقعة اسرائيل ونقل حدودها الى خطوط آمنة تقضي على العيوب الجغرافية التي تعانيها. اما حرب 1973 فكانت دفاعية وقائية فرضت على اسرائيل لاول مرة في تاريخها خاضتها اسرائيل بهدف محاولة الحفاظ على مكتسباتها ثم كانت الحرب في لبنان (عملية سلام الجليل) عام 1982 تجسيدا للحرب الوقائية والتوسع في آن واحد حيث قضت اسرائيل على المقاومة الفلسطينية في لبنان وانشأت في الوقت نفسه منطقة الحزام الامني في الجنوب اللبناني لابعاد التهديدات عن حدودها الشمالية في منطقة الجليل الاعلى والاستيلاء على الموارد المائية في هذه المنطقة. وبعد حرب اكتوبر 1973 التي هزمت فيها اسرائيل وفي ضوء التحقيقات التي اجرتها لجنة (اجرانات) حول اسباب الهزيمة, وما واكب ذلك وتلاه من دراسات وابحاث استراتيجية ثبت فشل الاعتماد على مفهوم الحدود الآمنة لعدم قدرة اسرائيل على التمسك بها الى مالانهاية, وحيث واجهت اسرائيل الخيار بين دوام الحرب بل خوض حروب استنزافية على اكثر من جبهة, او خيار لتراجع عن هذه الحدود في مقابل معاهدات سلام مع جيرانها تؤمن لاسرائيل احتياجاتها الامنية, لذلك جاء القرار الاسرائيلي بالدخول في عملية السلام من منطلق اثبتته حرب اكتوبر 1973 وسلام الجليل 1982 من ان الانتصارات العسكرية قد لا تحقق دائما مكاسب سياسية بل ان الحدود الآمنة غالبا ما تكون سببا في افتقاد الامن الذي تنشده اسرائيل بما تدفعه من ثمن باهظ نتيجة الخسائر البشرية والمادية الجسيمة التي تتكبدها اسرائيل من اجل محاولة الاحتفاظ بهذه الحدود التي تظن انها آمنة, كما هو الحال اليوم في جنوب لبنان حيث تريد اسرائيل الخروج من هذا المستنقع بأي ثمن بعد تفاقم خسائرها البشرية هناك وافتقادها الاجماع الوطني حول قضية وجودها في جنوب لبنان. اما العامل الآخر الذي فرض على اسرائيل اعادة النظر في ركائز نظريتها الامنية فهو يتمثل في الانقلاب الجغرافي السياسي العالمي الذي وقع مع بداية السبعينات من حيث غروب الاستعمار الاقليمي بنوعيه الغربي والشرقي على السواء والقائم على مفهوم الاحتلال العسكري للاراضي وماثبت من عدم القدرة على الاحتفاظ بالاراضي المحتلة في مواجهة الشعوب الرافضة لذلك وما يسببه ذلك من كلفة بشرية واقتصادية باهظة لاتقدر عليها حتى الدول الكبرى مثل بريطانيا التي سحبت قواتها طواعية من منطقة الخليج في نهاية الستينات ثم الولايات المتحدة التي سحبت قواتها من فيتنام في السبعينات كذلك الاتحاد السوفييتي السابق الذي انسحب ايضا من افغانستان في الثمانينات تحت وطأة الخسائر البشرية والمادية والسياسية الجسيمة التي تكبدها هناك. لذلك اجتهد الاستراتيجيون الاسرائيليون خلال عقد التسعينات من اجل تطوير ركائز نظرية الامن وبما يقضي على سلبياتها ويؤمن افضل نظام امني لاسرائيل في عالم يعتقدون ان مصيره سيظل غامضا وفي طي المجهول بالنظر لتراجع تهديدات مؤلمة وبروز تهديدات وتحديات جديدة وفي ظل ثورة تكنولوجية عارمة, وفي منطقة ستحتاج الى سنوات حتى يتوافر فيها باتفاقيات سلام نظام آمن اقليمي يمكن ان يبعد الاخطار التي تهدد الوجود الاسرائيلي, وقد تمثلت ابرز مظاهر التطوير الذي جرى في نظرية الامن الاسرائيلي في ظل عملية السلام في الآتي: أ ـ ينبغي ان تؤمن الحدود الجديدة التي بلا عمق استراتيجي بري في حالة التخلي كليا او جزئيا عن الاراضي المحتلة ايجاد عمق استراتيجي يعتمد على (سعة) تشمل الجو والبر, وترتيبات امنية في البر تتيح فترة انذار كافية تمكن من تعبئة ونشر الاحتياط بجانب تعاون استراتيجي على المستويين الاقليمي والدولي. ب ـ وأمام اخطار القوة النيرانية الاستراتيجية المتنامية للدول العربية (صاروخية وجوية) والمزودة بأسلحة دمار شامل يمكن ان تصيب العمق الاسرائيلي, فإن على اسرائيل ان تحتفظ برادع استراتيجي قوي يعتمد على قوة نووية وصاروخية وجوية هجومية بجانب اجراءات دفاعية مضادة للصواريخ العربية المزودة بأسلحة دمار شامل بحيث تقيم سدا دفاعيا متنوع الوسائل والاساليب امام هذه الصواريخ ويمنعها من الوصل الى العمق الاسرائيلي. ج ـ سرعة الحسم في الحرب اذا فرضت على اسرائيل وهو مالايجب ان يرتبط فقط بتدمير اهداف بعينها عند الخصم وانما باستمرار العمل بسياسة تجمع بين كل عناصر الامن القومي, وابرزها الاجماع الوطني وكفاءة الجيش, ونوعية القوة البشرية العاملة في جميع مجالات قوى الدولة الشاملة, ودعائم البنية الاساسية والموارد القومية, واعداد الدولة والشعب والارض والسياسة الداخلية والخارجية لخوض حرب طويلة وفي ذلك يقول الجنرال (يسرائيل طال) ان قضية الحسم في المعارك البرية والجوية والبحرية والتي تعني تحقيق الاهداف والمهام الاستراتيجية للقوات المسلحة في اقل وقت ممكن تتطلب ضرورة مواصلة تعزيز نوعية عناصر جيش الدفاع القائمة وهو ما يتمثل في تطوير الفرق والوحدات المقاتلة وانظمة التسليح الرئيسية ونظم القيادة والسيطرة واعمال المخابرات بما فيها الفضائية وقد تبلور بعد حربي اكتوبر 1973 وسلام الجليل في لبنان 1982 رأي عام في اسرائيل يقول (انه بينما يتعين على الجنرالات ان يضعوا في الحسبان احتمال تعرض اسرائيل لضربات نيرانية مفاجئة او هجمات برية, او ارهاب قاتل, وهو مايتطلب مزيدا من الاستعداد الدائم لاجهزة المخابرات واهتماما بتقاريرها وتقديراتها وتنبؤاتها المستقبلية فإنه يجب على السياسيين ان يقدروا دوما حجم الفرص المتاحة من اجل ابراز تقدم في عملية السلام والامن.