تجثم على كاهل العالم اليوم جملة من المعضلات الجسيمة التي تقض مضاجع البشر, اينما كانوا, وتلحق بهم أفدح الأضرار, ويختلف تأثر كل دولة على حدة من هذه المعضلات , وفقا لمدى قدرتها على ايجاد الحلول لها, وتبعا لأوضاعها المحلية الخاصة, ومن الصعب تحديد سلم دقيق للاولويات يعين درجة أهمية كل مشكلة بصورة جازمة. واذا نظرنا في أفق حياتنا المعاصرة, فإن أول ما يخطر ببالنا مشكلات الحروب والبيئة والتلوث والامراض المستعصية وغياب الديمقراطية ونقص الطاقة والغذاء والماء, وكذلك التكاثر السكاني والتصحر والأمية وهيمنة الدول الكبرى على (الدول الصغرى وغيرها مما لا يقع تحت حصر وقد اخترنا هنا ان نضع في المنظار مشكلة النزاعات المسلحة, سواء منها الحروب الخارجية التي تنشب أظفارها بين الدول, أو الحروب الداخلية التي تذر قرونها داخل كل دولة, وهذه المشكلة قائمة منذ فجر التاريخ, ومنذ ان قتل قابيل أخاه هابيل, وأورده مورد التهلكة بدافع الحسد, وبعدها استمرت حتى يومنا هذا, حوادث القتل الفردي والجماعي التي تجد أوضح تعبير لها في النزاعات المسلحة المحدودة والواسعة. ولو استعرضنا جميع الحروب التي شهدتها البشرية منذ ولادتها حتى الآن لتهنا في متاهات لا أول لها ولا آخر, لذلك حسبنا هنا أن نشير بالاسم الى بعض الامثلة كالحروب الصليبية والحربين العالميتين الأولى والثانية وحروب يونيو وتشرين والخليج, وأخيرا حرب البلقان التي جرت فصولها المؤلمة في كوسوفو ويوغسلافيا السابقة. وعلى الصعيد الأهلي ليست بعيدة عن ذاكرتنا النزاعات المسلحة التي عصفت بلبنان والصومال وأفغانستان والسودان واثيوبيا والبوسنة والهرسك وغيرها, ولنتصور ما حصدت مثل هذه الحروب من أرواح, وما سفكت من دماء, وما سببت من خسائر مادية لا حدود لها. فكم من مؤسسات وجسور جرى تدميرها بلمح البصر, وكم من مبان ومنازل ومشاف تم هدمها فوق رؤوس ساكنيها ونزلائها, وكم من مصانع وسدود التهمتها نيران القنابل والصواريخ, وكم من معامل أدوية ومصافي نفط غدت أثراً بعد عين, أو فلنقل ما أطول السنوات التي يقضيها الانسان في البناء والتشييد, واصلا اطراف الليل بآناء النهار, وباذلا من الجهد والعرق والسهر مالا يمكن تصوره, وما أقصر الدقائق بل الثواني التي تباد خلالها منشآت كاملة عن بكرة أبيها, وآخر فصل مؤلم شهدناه في مسرحية الحروب, ما فعله الصرب في كوسوفو, وما فعله ردا على ذلك طيران حلف الأطلسي في يوغسلافيا السابقة. ولنتصور كم من الجياع والمحرومين والمرضى كان يمكن سد رمقهم ومعالجتهم بمليارات الدولارات المهدورة التي انفقت على تمويل العمليات العسكرية. واذا كان هذا حال الحروب التقليدية, فكم ستكون الخسائر اذن اذا نشبت بين الدول الكبرى حرب ذرية أو جرثومية أو كيميائية؟! واذا استعرضنا خارطة العالم اليوم بشكل عام نجد انه نادرا ما مرت فترة من الزمن دون ان تقع نزاعات مسلحة, فهي ما ان تخمد وتضع أوزارها في مكان ما من العالم, حتى يشتد أوارها ويذكو لهيبيها في مكان آخر, وما ان يتم نزع فتيلها في منطقة حتى تطل علينا في منطقة ثانية, وكأن أصحاب صناعات الأسلحة العالمية يخططون من وراء الستار لبقاء لهيب النار مشتعلا لأطول وقت ممكن, حتى تظل الاسواق مفتوحة على الدوام لانتاجهم الحربي, فحالهم هنا مثل حال المحامي عندما يكف الناس عن الاختصام والاختلاف, أو حال الطبيب عندما يندر المرض وبتعبير آخر اذا ساد السلام والوئام في العالم, فان سوق الأسلحة سوف يكسد ويصاب اصحابها بالافلاس, مثلما يفلس المحامي أو الطبيب, عندما يتصالح الخصوم ويتعافى المرضى. واذا تقصينا أسباب النزاعات المسلحة بنوعيها, الخارجي والداخلي في العالم, نجد انها عديدة مثل الخلاف على السلطة وعلى الأرض أو على الموارد المائية أو من أجل اسباب سياسية او اقتصادية أو غذائية أو دينية أو غيرها, ومن الصعب جدا ان نتصور امكانية وضع حد للنزاعات المسلحة بشتى أنواعها, صحيح ان النظام الدولي الجديد قد تعهد وأخذ على عاتقه حل جميع الخصومات الاقليمية في العالم, الا ان وضع هذا التعهد موضع التطبيق العملي أمر غاية في الصعوبة, ان لم يكن غاية في الاستحالة, ولا أحد يعرف متى ستشهد البشرية مرحلة انطفاء لهيب الحروب ليحل محلها بصورة نهائية منطق الحوار والتفاوض والتسويات السياسية, وعلى كل حال, فإن علينا ان ندرس كافة السبل ونفتح جميع المنافذ التي يمكن أن توصلنا الى هذا الهدف, لأن المصادمات الصغيرة والحروب المحدودة يمكن أن تتحول, اذا تفاقمت وتعذر ايقافها, الى مواجهات واسعة الانتشار قد تقضي على حضارتنا برمتها, ونعتقد ان الامر يستلزم تطوير علم السياسة وفن الدبلوماسية, حتى يصبح بالامكان ايجاد طرق جديدة غير تقليدية لفض النزاعات, تعتمد على المكافأة والعقاب, اي مكافأة الجهات التي تميل الى المسالمة, ومعاقبة تلك التي تجنح الى العدوان. ومن جهة ثانية, فان على علم النفس ان يسير جنبا الى جنب مع علم السياسة, من أجل ايجاد الحلول لمعضلة العنف البشري المسلح. ومن واجب علماء النفس ان يعمقوا دراساتهم ويوسعوا ابحاثهم الخاصة بأسباب الروح العدوانية عند الانسان وكيفية اجتثاث جذورها النفسية واستبدالها بروح مسالمة. وقد بينت الدراسات السابقة ان الميل العدواني عند الطفل يتدعم, عندما يحقق له العدوان مكسبا له, أو حين يرى أشخاصا آخرين يمارسون العدوان. وهذا يبين لنا أخطار أفلام العنف التي تعرضها شاشات التلفاز ومحاذير السماح للمعتدي بجني ثمار عدوانه. ويمكن نقل نتائج هذه الدراسات من المستوى الضيق المتعلق بالطفل الى المستوى الواسع المرتبط بالمحيط العالمي. وبتعبير آخر اذا استطاع العالم ان يوجد آليات سياسية متقدمة يمكن بها منع كل دولة معتدية من حصد مردود ايجابي لعدوانها, وبالتالي فرض عقوبات صارمة ضدها, فاننا نكون قد خطونا خطوات معقولة في الطريق نحو القضاء على الحروب. وهذا يوصلنا الى فكرة وجود حكومة عالمية تتدخل فورا لفض اي نزاع, ومعاقبة الطرف البادئ به. ولكن اقامة مثل هذه الحكومة ليست بالأمر السهل, وهي تستلزم مرور وقت طويل وموافقة أغلبية دول العالم, والأسهل من ذلك تدعيم الأمم المتحدة, بصورة أساسية, وتزويدها بالصلاحيات والفعاليات والأخلاقيات التي تمكنها من ايقاف اي نزاع مسلح على الفور. ولكن المشكلة هنا ان الذين يتحكمون بهيئة الأمم المتحدة هم أنفسهم يساعدون أحيانا على اضرام بعض النزاعات, تحقيقاً لمصالح معينة. ولا ننسى أهمية الديمقراطية في الحد من الحروب, لان القرارات الفردية كثيرا ما كانت السبب في بعض الحروب التي اشتعلت في الماضي, فالرأي الجماعي المتعدد, يتردد عادة ويحسب الف حساب قبل ان يقدم على اتخاذ قرار بالحرب, في حين ان الرأي الفردي لا يتورع عن شن الحرب بلمح البصر, ولأسباب تافهمة, خلاصة القول ان للبشرية مصلحة كبرى في وضع حد للنزاعات المسلحة التي تزهق الأرواح وتهدر الطاقات وتدمر المرافق والموارد, ولكن الطريق الى تحقيق هذا الهدف محفوفة بشتى أنواع الصعاب.