في الوقت الذي كان باراك فيه يتحدث ــ بعد توليه رئاسة الوزارة الاسرائيلية رسميا ــ عن سلام الشجعان ويعد باتخاذ خطوات حاسمة على طريقه , كان (العراب) شيمون بيريز يتحدث في القاهرة عن سلام المكرونة ويدعو العرب اليه, وبين سلام الشجعان وتجربته المريرة حتى الآن وسلام المكرونة ووعوده يبدو السلام الحقيقي ما زال بعيدا, ويصبح التفاؤل المفرط نوعاً من السذاجة, ويصبح الاعتماد العربي على التصريحات الاسرائيلية وانتظار الفرج على أيدي باراك أو غيره استهانة بكل الحقائق, وزرعا للآمال بلا مبرر, وتهرباً من مواجهة الموقف وتحمل المسؤولية. لقد انتهى (مولد سيدي باراك) الذي شارك فيه الجانب العربي بحماسة منقطعة النظير, حتى بدا الأمر أثناء الانتخابات الاسرائيلية ان الجنرال باراك سيأتي رئيسا لمنظمة تحرير فلسطين ليس رئيسا لحكومة العدو الصهيوني. انتهى (مولد سيدي باراك) بـ (اللاءات) الشهيرة التي أعاد فيها الوعي لمن فقدوه وهم يرقصون على نغمات الاعلام الغربي الذي أشاع الوهم بان انتصار باراك, سوف يصل بالعرب والمنطقة الى شاطئ السلام العادل الشامل الكامل. وجاء باراك بـ (لاءاته) الشهيرة لينهي هذه الأوهام بحقيقة أنه لا خلاف بين الليكود والعمل أو بين الحمائم والصقور على القضايا الأساسية مع العرب, وان ما سيقدمه باراك لن يختلف عما قدمه نتانياهو الا في الشكل والتفاصيل, اما جوهر السلام الاسرائيلي فهو واحد, وهدفه ان تظل الهيمنة الاسرائيلية على الأرض العربية وان تظل القدس والمياه في قبضة اسرائيل, وان يبقى التفوق العسكري للصهاينة بضمانة الأمريكيين, وان يبقى الرعب النووي سلاحا للابتزاز في أيدي اسرائيل, وأن تنفتح كل الأبواب العربية لتحقق اسرائيل بالاقتصاد ما لم تحققه بالحرب. باراك يتحدث الآن عن (سلام الشجعان) وبغض النظر عن النتائج المريرة التي قادنا (سلام الشجعان) اليها حتى الآن, فإن ما يجرى ترويجه من أوهام تحت هذا الشعار يبدو مخيفا .. ليس فقط لأنه لن يتحقق وليس فقط لأنه يهدر كل الحقائق الموضوعية, ولكن لأنه ــ قبل ذلك وبعده ــ يتم اتخاذه وسيلة لابتزاز العرب من جديد ومطالبتهم بالمزيد من التنازلات. ان غاية المنى التي يتحدث عنها الاسرائيليون الآن هي تنفيذ اتفاق الـ (واي بلانتيشن) الذي عطل نتانياهو تنفيذه, وحتى هذا الاتفاق البائس بدأت حكومة باراك في الحديث عن تعديله أو حتى اعدامه بحجة القفز فوقه الى محادثات الوضع النهائي .. والوضع النهائي في ظل (لاءات) باراك وتأييد أمريكا وبؤس الوضع الفلسطيني وتراجع الموقف العربي .. معروف سلفاً ونتيجة المفاوضات اذا انفردت اسرائيل وأمريكا بكل طرف عربي على حدة ستكون املاء لكل شروط اسرائيل وضياعا لكل الحقوق العربية. كل ما هو مطروح حتى الآن هو تنفيذ اتفاق الـ (واي بلانتيشن) بعد التعديلات, أو تجميده, ثم الدخول في مفاوضات لن تنتهي مع الأطراف العربية, ومقابل ذلك بدأت الضغوط الأمريكية منذ فوز باراك في الانتخابات, وما زالت تتصاعد من أجل أن يقدم العرب (عربون المحبة) للسيد باراك, ويدفعوا ثمن الصفقة المضروبة مقدما, ويقدموا المزيد من التنازلات دون ان يأخذوا شيئا الا الحديث عن سلام الشجعان والوعد بتنفيذ اتفاقات قديمة دفع الفلسطينيون ثمنها مضاعفا, وتنازلت السلطة الفلسطينية في سبيلها عما لا يجوز التنازل عنه. والضغوط الأمريكية تتركز الآن على هدفين .. التطبيع والعلاقات الاقتصادية بين العرب واسرائيل, وفي هذين المجالين تأتي مصر ودول الخليج في المقدمة. وفي هذا الاطار ينبغي النظر الى مؤتمر حلفاء كوبنهاجن الذي انعقد في القاهرة قبل أيام, والتوقيت الذي انعقد فيه, وردود الفعل الرسمية والشعبية التي واجهته. لقد تم اعداد المؤتمر ليكون تدشينا لمرحلة جديدة في مسيرة التطبيع, وظنوا انهم قادرون على اقتحام جبهة المثقفين المصريين الرافضة للتطبيع, ولكن مصر كلها اشتعلت غضبا على المشبوهين من حلفاء كوبنهاجن وتحركاتهم المريبة, فظهروا في النهاية على حقيقتهم.. قلة لا وزن لها ولا قيمة ولا تأثير. لقد رفضت مصر ـ بكل اتجاهاتها السياسية وتياراتها الفكرية ــ هذا المؤتمر وأكدت موقفها في قضية التطبيع ثم جاءت الضربة القاضية للمؤتمر المريب حين اعتذرت مصر الرسمية على عدم الحضور, ورفض وزير الخارجية المصري عمرو موسى ان يشارك في المؤتمر وحتى السلطة الفلسطينية تراجعت عن المشاركة الرسمية بعد حضور ممثلها (فيصل الحسيني) الى القاهرة لهذا الغرض. وبعد ان كان مقررا حضور وزراء خارجية عدد من الدول الغربية اعتذروا جميعا بعد هذه التطورات, ومع ذلك جاء شيمون بيريز ليبدأ مهامه في الحكومة الاسرائيلية الجديدة بالمشاركة في المؤتمر والحديث مطولا امامه كرر فيه مشروعه القديم عن الشرق اوسط الجديد, معلنا ان الحدود فقدت اهميتها الاستراتيجية ومطالبا باستيعاب درس كوسوفو التي جرت فيها الحرب بدون جيوش برية او قواعد عسكرية, وبدلا من ان يرتب على ذلك النتيجة المنطقية الوحيدة وهي انسحاب اسرائيل من كل الاراضي العربية المحتلة, بدا الامر وكأنه مطالبة للدول العربية بفتح حدودها امام اسرائيل لتنفيذ مشروعها في التعاون الاقليمي والتنمية الاقتصادية للمنطقة (تحت اشراف اسرائيل بالطبع) ضاربا المثل بأن احدى اكبر وافضل مصانع المكرونة في العالم تعتمد في انتاجها على القمح المزروع في الصحراء, واعدا بالاستفادة من الصحراء العربية اذا تحقق التعاون الاقتصادي بين اسرائيل والعرب, وهو التعاون الذي سبق ان قدم تصوره الكامل له وأكد انه يقوم على السوق العربية والمال العربي والايدي العاملة العربية.. والعبقرية اليهودية!! وهي نظرة تعكس النظرة العنصرية والاحساس بالتفوق لدى الاسرائيليين, بمقدار ما تعكس الاصرار على عدم السماح للعرب بتحقيق مشروعهم الخاص للتقدم والتنمية تحت اي ظرف, وهي نظرة تدعمها قوى كبرى تحقق مصلحتها بالسيطرة على الثروة العربية والسوق العربية وتعطيل اي خطط للتنمية الحقيقية في العالم العربي, الذي يملك كل الامكانيات البشرية والعلمية والمادية للتقدم. ان الضغوط ستزداد في هذا الطريق.. من اجل فتح الابواب الموصدة امام التطبيع, ومن اجل نسج علاقات اقتصادية تربط بين العرب واسرائيل وتسمح للكيان الصهيوني في بسط هيمنته على المنطقة, والحديث يدور الان عن مؤتمر جديد في اطار الشرق اوسطية لتعزيز التعاون الاقتصادي او بالاصح فرضه على العرب لمصلحة اسرائيل, تحت زعم ان هذا وحده هو الذي سيشجع اسرائيل على القبول بالسلام. واذا كان باراك قد اختار ان يبدأ مسيرة (سلام الشجعان) الجديدة (كما يتصورها) من القاهرة لاكثر من سبب, فان القاهرة بدورها قد قالت الكثير عن تصورها للسلام الحقيقي, وارسلت اكثر من رسالة لكل الاطراف وفي اكثر من مناسبة. * في امريكا.. اعلن الرئيس مبارك بعد اقتراح امريكي بزيارة اسرائيل لتدفئة العلاقات وتشجيع باراك, ان هذا القرار لا يمكن ان يكون قراره وحده, وانما هو قرار الرأي العام في مصر والوطن العربي. * وفي مصر.. جاء مؤتمر التطبيع ليكون صفعة على وجه من نظموه في قلب القاهرة وارادوه اختراقا لجبهة المقاومة المتمسكة بالحق العربي والسلام الشامل, فاذا به يصبح الشرارة التي اطلقت موجة الغضب ضد كل محاولات التطبيع. وثم كان القرار الرسمي بمقاطعة المؤتمر وعدم حضور وزير الخارجية عمرو موسى والغاء رسالة كان منظمو المؤتمر قد اعلنوا ان الرئيس مبارك سيرسلها للمؤتمر.. كان كل ذلك اعلانا بفشل محاولات بعث الحياة الى حلف كوبنهاجن الذي حاول بيع التطبيع تحت راية السلام المفترى عليه. * ثم جاء التأكيد على موقف مصر المبدئي بأنها طرف اساسي في قضية السلام الحقيقي, وانها لن تتخلى عن مسؤولياتها العربية تحت اي ضغط وفي ظل اي ظروف, جاء التأكيد على هذا الموقف في مباحثات مبارك في واشنطن وسمعه باراك في القاهرة, وفهمته واستوعبته كل الاطراف ذات الصلة بالقضية او المهتمة بما يجري في المنطقة. * ولعله مما يسترعي النظر هنا, ان قرار القاهرة بالمقاطعة الرسمية لمؤتمر التطبيع الذي اقامه حلفاء كوبنهاجن قد اتخذ اثناء رحلة الرئيس مبارك لامريكا والتي طرحت واشنطن خلالها موضوع تدفئة العلاقات مع اسرائيل والسير في اجراءات التطبيع وتقوية العلاقات الاقتصادية كأولويات في مسيرة (سلام الشجعان) كما تتصوره واشنطن وتل أبيب. * ايضا.. لابد من الوقوف امام التحول الذي طرأ على الموقف من القمة العربية, فبعد ان كانت القمة مستبعدة والحديث يدور حول قمة مصغرة تضم دول الطوق (سوريا ولبنان والاردن والفلسطينيين مع مصر.. وربما السعودية والامارات) بدأ الحديث قبل رحلة مبارك لواشنطن عن قمة عربية موسعة اصبحت ضرورية وهامة ومطلوبة, وجاء ذلك مع لقاء الرئيس مبارك والحسن ملك المغرب ليشكل تحولا له مغزاه وتعبيرا عن ضرورة الاستعداد العربي للمرحلة المقبلة. والملاحظ هنا ان الرئيس مبارك لم يغير موقفه بعد زيارة واشنطن من القمة العربية, بل اكد عليها, وزاد ان القمة مقترح عقدها في الخريف, وبمشاركة عراقية سوف يتحدد مستواها اثناء المشاورات التمهيدية للمؤتمر. هل تنعقد القمة الموعودة ويتخذ العرب موقفا حاسما من كل القضايا المطروحة, ام يظل العرب في دائرة رد الفعل يتلاعب بهم الآخرون ويرسمون الخريطة الجديدة للمنطقة في غيبتهم ويفرضون عليهم (سلام الشجعان) كما يراه باراك (لاءاته) الشهيرة او (سلام المكرونة) بالخلطة التي أعدها بيريز تحت رعاية المطبخ الامريكي لاتمام السيطرة الاقتصادية على المنطقة؟! هذا هو السؤال الذي ينتظر الاجابة التي قد تأتي في الخريف اذا ارتفعت الانظمة العربية الى مستوى المسؤولية!!