لو كانت الامثلة التي سنسوقها حالات فردية لهان الخطب, ولعددناها من السلوكيات السلبية التي يشهدها اي مجتمع انساني, فطالما بقيت تلك الحالات معلومة وقليلة ولا تتزايد يوما بعد يوم , فيمكن القول بأن المشكلة مازالت تحت السيطرة بحيث تتولاها المؤسسات والهيئات المختلفة في الدولة بالرصد والتقويم والاصلاح. ما اريد قوله هنا ان نماذج مشوهة او ممسوخة لشباب بلادي قد بدأت تسفر عن سلوكها الغريب, بل وتمارس افعالا, وتأتي بتصرفات هي ـ بلا شك ـ كفيلة بقرع اجراس الانذار لمؤسسات الدولة, وهيئاتها الاجتماعية والثقافية والامنية. هناك الآن ضرورة كبرى للتوقف وقفة مراجعة قبل ان تستفحل المشكلة ويعم الخطر, ويخرج عن اطار السيطرة وتصبح بازاء مشكلة عميقة الجذور, معقدة الاسباب يستعصي على اهل الشأن حلها. شباب يائس وأمثلة بائسة في ظرف اسبوع واحد تعرضت لثلاثة امثلة بائسة, ابطالها شباب معظمهم في العشرينات من اعمارهم اتخذوا الشوارع ومراكز التسوق ساحة لمعركتهم الكبرى يتم فيها استعراض المهارات لاثبات التميز والرجولة والشجاعة فاختاروا بذلك, المكان الغلط, والاسلوب الغلط, للتعبير عن المفهوم الغلط للرجولة والتميز والشجاعة. المثال الاول : ابطاله ثلاثة شبان, شاهدتهم وقد أوقف احدهم سيارته الفارهة (تقدر قيمتها بحوالي ربع مليون درهم) بجانب احد مراكز التسوق وفي مكان وضعت فيه علامة (ممنوع الوقوف قطعيا) وما ان نزل الابطال الثلاثة ودخلوا المركز حتى اشهر كل منهم سلاحه التكنولوجي هاتف (الموبايل) وبدأت اولى جولات تلك النزهة السوقية التي كنت احسبها تستغرق دقائق معدودة, حيث لا شيء يدعو الى اطالة امدها والاستمرار فيها او حتى بدئها. صعدت بعد ذلك المشهد الى احد المكاتب الموجودة في ذلك المركز لحضور موعد مسبق وبعد حوالي الساعة ونصف الساعة من مغادرتي مدخل المركز, رجعت اليه لاجد المشهد ذاته دون تغيير, اللهم إلا اضافة مهمة جديدة تتمثل في معاكسة بعض الفتيات والنساء اللاتي كن يرتدن المركز في ذلك الوقت. خرجت الى الشارع لاجد سيارة (المعلمين الكبار) مازالت على حالها وفي الموقف الممنوع وذلك في دلالة ظاهرة على ان التحدي مازال مستمرا. المثال الثاني : بطله شاب آخر حكايته تستدعي وقفة حادة وصارمة من قبل السلطات المختصة وعلى وجه التحديد الامنية منها. ما رأيته في هذا المثال لم يكن بطبيعة الحال سردا مبالغا فيه يحكيه رواة القصص والحكايات مع التهويل فيها بقصد لفت الانتباه والاثارة بل كان مما عانيته مشاهدة, وقد كان شبيها بما نراه في افلام ومغامرات هوليوود دون ادنى مبالغة. الذي حدث ان هذا الشاب كان متوقفا بدراجته النارية عند اشارات المرور الحمراء (لست ادري السر في هذا الاحترام لبعض قواعد المرور, حيث ان ما تلاه يجب ما قبله) وما ان تغير لون الاشارة وتحولت الى خضراء حتى انطلقت تلك الدراجة النارية بسرعة هائلة غير طبيعية وهي تشق الارض والسماء معا, الاطار الخلفي على الارض والامامي في الهواء باتجاه السماء! مخترقا السيارات التي امامه اختراقا مثيرا, ولك ان تتخيل بعد ذلك ما احدثه هذا المشهد المثير الغريب من فزع ورعب بين السائقين الذين فوجئوا (اذا شئت الدقة فجعوا) بذلك المغامر الذي بدا وكأنه في سباق مع الزمان والمكان والانسان في آن واحد. اما المثال الثالث فهو يعبر عن مأساة حقيقية يعاني منها عدد من شباب هذا الوطن هو بالمناسبة غير قليل, بل ويتزايد مع مرور الوقت والشواهد على ذلك كثيرة. المشهد المحزن في هذا السياق جمع صبية صغارا يبدو انه لايزالون طلبة في المدارس, لكنهم قرروا الاضراب عن الدراسة وايثار الدعة وحياة الفراغ, وانتهوا الى الهروب من المدرسة والجلوس خلف اسوارها لممارسة هوايتي البطالة والتدخين. عندما رأيت هذا المشهد المؤسف, تساءلت عن دور المدرسة, ومسؤولية الأسرة ومؤسساتنا الاجتماعية والثقافية الحكومية والأهلية ووجدت الاجابة متمثلة في ذلك الخلل في غياب الرؤية الواضحة والرابطة المشتركة بين كافة تلك الأطراف التي أفرزت دون قصد, وربما دون ادراك أو شعور, بعض ظواهرنا السلبية ومشكلاتنا الاجتماعية, والتي يعد مشهد أولئك الفتية أحد مظاهرها المحزنة. قلق مشروع ما يحدث من عبث واستهتار وانحراف عند تلك الفئة من الشباب في مراكز التسوق وأماكن الترفيه وغيرها يدعو الى الأسف والقلق الشديدين, بل ويستدعي وقفات جادة وسريعة للنظر فيه ومعالجة أسباب الخلل التي أدت اليه. أما الأسف فلأن شبابا في عمر القوة والنشاط قد شغلوا أنفسهم بالتسكع في الشوارع والمراكز دون أن يكون هناك ــ بالطبع ــ أية حاجة أو مبرر لذلك التسكع ومطاردة النساء والفتيات ونحو ذلك من الممارسات الغريبة على قيم هذا المجتمع وتقاليده. وأما القلق, فلأن في هذا السلوك مؤشرا خطيرا على المنحى الخاطئ الذي يسير فيه أولئك القوم, فبالاضافة الى هدر طاقات بشرية فيما لا ينفع بل يضر المجتمع بأسره, فإنه لا يتوقع أن يتوقف هذا الاتجاه عند الحد المشهود في تلك الساحات, بل ان هناك مراحل أشد خطرا وأكثر بؤسا تنتظر تلك الفئة. ويمكن القول دون أي تردد, بأن المرحلة الحالية ما هي الا مقدمة للنتائج الوخيمة المنتظرة, وهي أخف المراحل ضررا إذا ما قورنت بالمصير الذي ينتهي اليه غالبية الشباب الذين سلكوا هذا المسلك الغلط. مظاهر الخطر التالية, والمتوقعة بعد تلك المقدمة, تتمثل في خدش أكبر للحياء العام, والاعتداء على الحرمات وانتهاك الأعراض, وإذا اقترن ذلك برفقة السوء والصحبة الفاسدة, وتوافرت أغراض أخرى دنيئة, فان ادمان المخدرات واقتحام المحلات التجارية والقيام بالسرقات .. الخ, تكون هي الأخرى بعض تلك النتائج التي أشرنا اليها قبل قليل. تجارب واعدة اذا أدركنا مظاهر القلق المشروع بشأن تلك الحالات المتزايدة ــ وأرجو ألا تتحول الى ظاهرة ــ فإن البحث عن حلول جذرية لهذه المشكلة يصبح واجبا لابد منه, هو مسؤولية المجتمع والدولة معا, ولا نبالغ اذا قلنا انه بعد التعرف على الأسباب التي تؤدي الى حدوث المشكلة, والمناخ الذي يشجع على الاستمرار فيها فان ايجاد البدائل المناسبة والمناخ الصالح الجيد يبقى أكثر الحاحا من بين كافة الحلول المقترحة لمعالجة هذا النوع من المشكلات الاجتماعية. في هذا الصدد, واسهاما في توفير البدائل التي نتحدث عنها, ظهرت في الآونة الأخيرة بعض المراكز والأندية التي تستهدف الشباب من مختلف الأعمار وتحرص على تقديم الأنشطة الثقافية والرياضية, وبرامج الترفيه والرحلات وبأساليب شيقة وجذابة. هذه الأنشطة لا تشغل أوقات الشباب فحسب بل وتكسبهم مهارات نافعة وسلوكا حميدا وثقافة جيدة مستمدة من هويتنا العربية الاسلامية, وتضيف الى ذلك, عادات وهوايات هي جزء من هذه البيئة المحلية. هذه المراكز لقيت عند ظهورها ترحيبا جماهيريا منقطع النظير, وحظيت بدعم رسمي جيد, أذكر هذا وأشير الى جهود بعض الأفراد المجتهدين الذين أسسوا تلك الأندية في إمارة دبي, واستقطبت أعدادا كبيرة من الأطفال والشباب من مختلف الأعمار. وقد حرص الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع على الالتقاء بهم في مناسبات دينية وكذلك خلال الفعاليات المتعددة التي تشهدها دبي, وقد كان ذلك لفتة كريمة من سموه أسهمت في تشجيع القائمين على أمثال تلك المشروعات الخيرة, وأعطت دفعة وحماسا للمشاركة في أنشطتها. لابد ان نشير هنا كذلك الى نادي تراث الامارات في إمارة أبوظبي واسهاماته في اكساب المشاركين في أنشطته العديد من المهارات والمعارف والمعلومات, واستطاع خلال الفترة الماضية أن يحقق أهدافا جليلة, أهمها انه ساعد ابناء هذا الجيل على التعرف على تراث الآباء والأجداد والهوايات والعادات التي كادت ان تصبح غريبة بين أهلها. والنادي يقوم بدور هام تجاه الأطفال والشباب خلال هذا الصيف, وهو في ذلك يستمد دعمه الكبير من سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان, نائب رئيس مجلس الوزراء. هذه التجارب المشرفة أسهمت ــ بلا شك ــ في الحد من توجه الشباب الى الساحات (الغلط) لممارسة هوايات غريبة والقيام بسلوكيات مرفوضة, والمطلوب تعميم هذه التجارب وتطويرها لتحقق الأهداف المرجوة منها.