لم يكتف حلف شمال الاطلسي بتنفيذ قراراته في احدى اكثر البؤر توتراً في العالم, بل وجه صفعة جديدة لروسيا التي تعتبر يوغسلافيا (حديقتها) الخلفية حين اوعز الحلف لدول اوروبا الشرقية برفض تحليق الطيران العسكري الروسي فوق اجوائها, مما اثار دهشة القادة الروس واعتبروا هذا التصرف استفزازاً لا مبرر له, مستندين على ارضية ان القوات العسكرية المحمولة جواً والتي قوامها 3600 جندي ستذهب الى كوسوفو للمشاركة في حفظ السلام الى جانب قوات حلف الناتو, في الوقت الذي قرر فيه الحلف ضرورة مناقشة تفاصيل مهام الجنود الروس في الاقليم المشتعل قبل ان يغادروا الاراضي الروسية. وبقرار غير محسوب قرر قادة الكرملين ارسال قواته بحراً, ما يؤجل وصولها في الوقت المقرر سلفاً من جهة ويبقي مطار بريشتينيا مغلقاً حتى تنصاع موسكو لاوامر حلف شمال الاطلسي... ويبدو ان هذا هو ماحصل بالفعل, اذ تم التوصل الى اتفاق على تفاصيل الانتشار العسكري الروسي في اقليم كوسوفو. بيد ان هذا الاتفاق ابقى مرارة الذل الذي تتعرض له موسكو على ايدي الدول الغربية, وعليها شرب الكأس مهما كانت مرارته, حيث ليس هناك من خيارات اخرى يمكن للدبلوماسية الروسية القيام بها في ضوء الوضع الذي وصلت إليه الحال الاقتصادية والسياسية. وعلى روسيا الآن التصرف بعيداً عن امجاد الماضي التي كانت تضعها دولة عظمى اولى او ثانية الى جانب الولايات المتحدة الامريكية. فالوضع الاقتصادي الداخلي لايزال يعيش في فوضى عارمة ولم تتمكن القوى السياسية الفاعلة, سواء تلك التي تمارس السلطة او الاحزاب المعارضة التي يبدو انها تعودت على نمط معين من ادارة دفة الامور في عهد الرئيس بوريس يلتسين الذي يدرك هو الاخر المأزق الذي تعاني منه المعارضة والمتمثل في عدم قدرتها على وضع برنامج تحالفي يسقط الرئيس ويجنب روسيا ويلات المزاجية التي يتسم بها حكمه منذ توليه مقاليد الامور, ناهيك عن حالته الصحية المتدهورة والتي تعكس حقيقة الواقع الاقتصادي والاجتماعي. فلا تزال روسيا تواجه آلافا من عصابات المافيا التي تستنزف ثروات البلاد وتزج بالشباب في ارذل المهن اخلاقياً, بخلاف ما كان معروف عن المواطن السوفييتي, ولاتزال هذه المافيا تزيد من احكام سيطرتها على المصارف وعلى مفاصل الاقتصاد الوطني بما فيه قطاعي النفط والذهب اللذين يشكلان عموداً فقريا له. وفي الجانب الآخر, وبسبب السياسات الضبابية غير معروفة المستقبل, يتواصل الاضطراب السياسي من اعلى الهرم حتى القاعدة. فخلال اكثر من عام بقليل اقال الرئيس ثلاث حكومات برؤسائها, آخرها بريماكوف رئيس الوزراء السابق الذي استطاع ايقاف تدهور الحال الاقتصادي ولجم نسبة الاضرابات العمالية الى حدودها الدنيا, وحافظ على سعر صرف الروبل (العملة الوطنية) دون مزيد من الانهيار. صحيح انه لم يتمكن من الانطلاق بالاقتصاد الى الانتعاش, لكنه انقذ البلاد من عواقب انهيارات مالية واقتصادية فرملت بدورها الاندفاع نحو مزيد من الفوضى السياسية والاجتماعية. والذل الذي تتذوقه روسيا مكرهة, لا يقتصر على رفض دول كانت تسبح في فلكها قبل عقد من الزمن وتعتمد على موسكو في سياساتها كافة؛ فهذا امر جاء نتاج التحولات التي شهدها العقد الاخير من القرن العشرين حين انهار الجدار الحديدي للاتحاد السوفييتي وتساقطت منظومته كقطع الدومينو واحدة تلو الاخرى وعمت الفوضى في كل انحاء ما كان يعرف آنذاك بالمعسكر الاشتراكي. فهذا الذل يعتبر خارجيا وراء الحدود, حتى وان كان في الحديقة الخلفية للكرملين, لكن الذل والاهانة الكبرى تتمثل في شروط (المساعدات) التي قررت الدول الغربية تقديمها لروسيا. فهذه الشروط تدخل في عمق تفاصيل الحياة الداخلية الروسية, ليس في الجانب الاقتصادي فحسب, انما في الجوانب السياسية والاجتماعية لدرجة تحديد الشخوص الذين يسلمون المواقع المقررة في البلاد. فمع ان رئيس الوزراء السابق قدم برنامجاً اقتصادياً وصفته المؤسسات الدولية الدائنة بانه عملي ويصلح لادارة اقتصاد منهار, وقابل لاخراجه من الكبوة الغارق فيها, إلا ان ذلك لا يكفي مؤسسة الرئاسة التي ستحكم فيها عناصر يهودية معروفة اتجاهاتها واهدافها البعيدة. فبريماكوف بقوته وشعبيته يعتبر خطرا على أولئك الذين يصيغون خطابات يلتسين وقرارته. وبريماكوف ايضاً رجل مهم وغامض بالنسبة لهؤلاء, وبالتالي فان اقالته في شهر مايو الماضي وجلب سيرجي ستيباشين مملة وابقاء الاوضاع مضطربة يمرر الكثير من القوانين ويعبد الطريق لسياسات معينة تبقي روسيا رهينة للقروض الخارجية. فموسكو انتظرت بفارغ الصبر الافراج عن 680 مليون دولار من صندوق النقد الدولي لتنقذ اقتصادها ووضعها الداخلي المنهار, كمقدمة لاستمرار (الدعم) المالي ولقرض يصل الى 4.5 مليارات دولار وافق صندوق النقد والدول الدائنة على تقديمه بشروط وعلى دفعات تستمر لثمانية عشر شهراً قادمة. هذه القروض هي التي تمسك روسيا من (اليد التي توجع) , والباقي ليس سوى تفاصيل المتن وهوامش يمكن التراجع عنها سريعاً في حال اي تهديد بوقف الحقن المنشطة للاقتصاد. غير ان هذا الوضع قد طال به الزمن, واصبح المواطن الروسي لا يثق بساسته ويعتبرهم اساس كل الازمات؛ الامر الذي ينعكس على قوى المعارضة المشتتة التي تشن بين الفترة والاخرى هجومات على الرئاسة ولا تستطيع الخروج إلا بقرار غير ملزم يقضي بان يقدم الرئيس استقالته, وان لم يفعل فان شيئا لن يحصل, بل ستتحول الكرة الى ملعب المعارضة ويبدأ الرئيس هجمومه المضاد كلما شعر بقلق على وضعه (الانتخابي) او الشعبي. فهو يحضر الآن, حسب العديد من المراقبين, للقفز على الدستور مرة اخرى من خلال تصدير الازمة للقوقاز عبر مهاجمة فصائل شيشانية تتهمها موسكو بانها وراء التفجيرات وعمليات الاختطاف المتكررة, في الوقت الذي تعلن فيه حالة الطوارىء وتشكيل ادارة مؤقتة تحكم البلاد وتمنع نشاط الاحزاب السياسية والتظاهرات والاضرابات العمالية والشعبية, وبالتالي تمديد فترة رئاسة يلتسين وتأجيل الانتخابات البرلمانية تخوفاً من زيادة اعداد مقاعد المعارضة. والصورة الراهنة لروسيا اكثر من قاتمة والاستحقاقات كثيرة ولا يمكن اختزالها في رفض دول اوروبا الشرقية مرور طائرات (اليوشن) الناقلة للجنود فوق اجواء العواصم التي كانت تابعة لموسكو, بل انها اعمق من ذلك بكثير, فما هو مرسوم لروسيا, الآن, هو ان تغرق في مشاكلها الداخلية المستعصية وان تقبل بحلول الآخرين التي هي بمثابة حقن مورفين مخدرة, والا تتدخل في شؤون خارج حدودها الطبيعية حتى وان التهمت النيران اشجار حديقتها. وهذا هو الذل الذي على موسكو تجرعه لسنوات طويلة.